|
غياب القوانين الرادعة يسهم في تفشي حالات التحرش
الرياض: يذكر لي أحدهم وأثناء إقامته في أمريكا، أن ذات مرة كان يتصل برقم هاتف لأحد معارفه، ولكن سوء الحظ جعله يكرر الاتصال على رقم خاطئ لمرتين متتاليتين وكان الهاتف خاصاً بامرأة، ففوجئ بمن يتصل به، ويخبره بألا يغادر مسكنه، بعد دقائق وصل رجال من الأمن، ليسألوه عما إذا كان يتحرش بصاحبة الهاتف أو يسعى لأذيتها، انتهى به الأمر بأن قدم تعهداً خطياً بعد أن تنازلت صاحبة الرقم عن البلاغ، واقتنعت بعذره.
لكن، حين يهم شاب في الرياض أن يرفع يده على فتاة، أن يطاردها حين تكون مع السائق، أو يلاحقها في مجمع تجاري، فما المصير الذي يحدث نفسه به؟
في الحقيقة.. لا شيء، فالأمر يخضع للصدفة فقط، فإذا شاهده أحد رجال الشرطة أو الهيئة فربما يتعرض لعقاب أو زجر ما، لكن إذا لم يحدث ذلك فستنتهي الحكاية بأن تتحول إلى قصة يلقيها على مسامع أصدقائه الذين لا يقلون عنه قوة وادهاشاً في مهارات التحرش والمعاكسة.
ادخل إلى أي من الأسواق أو المجمعات التجارية داخل الرياض، ترَ مناظر باتت شبه مألوفة رغم ما تعكسه من رداءة وسوء خلق عام تكون معه الحاجة لا إلى إعادة منظومتنا الأخلاقية فقط، وإنما لإعادة قراءتنا لها والخروج من موقف الاعتزاز المطلق وغير المنطقي إلى محاكمة كل هذه المظاهر غير القليلة ولا الفردية.
فيما مضى كانت السمة الأخلاقية العامة للقرى وحياة ما قبل المدينة أن الرجل لديه من (الغيرة) و(الحمية) ما يجعله عونا لأي امرأة تتعرض لأي اذية أو اعتداء، وكان من مظاهر الفخر والقوة اعتزاز الرجل بأنه صاحب مواقف حادة أمام ما يمكن أن تتعرض له أي امرأة، والموروث الأدبي والقبلي مليء بإشارات ومعان كثيرة تؤكد ذلك لكن الذي غيب ذلك أن اعتزاز الرجل بحميته للنساء كان جزءاً من الشخصية العامة للجماعة التي تعرف بعضها بعضاً وبمجرد أن غابت الجماعة وحلت محلها المدينة تراجعت تلك المعايير لأنها كانت مربوطة بكونها محل فخر اجتماعي، أكثر من كونها عنصراً أصيلاً في الثقافة والسلوك، بالإضافة إلى أنها كانت قائمة وفق ذهنية التخلص من العيب ومحاربته لا وفق تصور مدني أو ديني أو أخلاقي، وإنما هو جزء من عدم السماح بالعيب وملاحقته، مما لم يكتب له أن يستمر، ومما يؤكد مجازيته أنه مازال قائماً في المدون الثقافي والأدبي، وإن انقلب من محاربة وقوع العيب، إلى امتداح الذات بأنه غائب وأن لدينا من القيم ما يمنع حدوث مثل هذه الجرائم والتحرشات.
لكن الصورة لا تبدو هكذا بأي حال من الأحوال، فالرؤية التي مازالت تتعامل مع المجتمع على أنه خال من العيوب والنقائص وأنه مجتمع إسلامي ملتزم وله خصوصيته واختلافه عن العالم، كلها عناوين تحتاج إلى إعادة نظر وتوصيف من جديد، فأدنى درجات الالتزام بجوهر السلوك الإسلامي والمدني والمتحضر، وأدنى اعتناق لقيم الأصالة والذوق والأدب العام لا يمكن أن تسمح بأي تحرش أو أذية مهما كانت، فكيف بها حين تكون أذية جسدية حيوانية وشهوانية، فلماذا يحدث ذلك؟
أولاً.. لا يمكن القول إن حادثة واحدة تعكس كل شيء، كما أنه لا يمكن القول إنها حوادث شاذة وأحادية، فما حدث في شارع النهضة واهتز له الشارع السعودي تداولاً ونقاشاً، حصد كل ذلك الاهتمام لأنه تم تصويره فقط، وإلا فهناك الكثير من الحوادث التي لم تصور ولم يعلم عنها أحد وكانت تنتهي بغصة في حلوق المعتدى عليهن وبنشوة تافهة وسطحية لدى الفاعل. وتقول: غادة الحسن: إن ما تناقلته الهواتف المحمولة عن حادث الفتيات في شارع النهضة ليس هو كل ما يحدث، والالتفات الذي حدث لهذا الموقف ليس لأنه الوحيد بل لأنه هو الذي شاع وانتشر، وإلا فهناك أحداث كثيرة مماثلة ربما تقل أو تكبر حدة عن هذه القضية، ولكنها في النهاية حوادث تحرش وتحدث بشكل مستمر.
|