حاصروا واشنطن
لا تشعر الشاة بالذبح بعد سلخها ، وما لجرح بميت إيلام ، هكذا قالت العرب ، أما الجرح الذي يحفر في النفس آثاراً لا تزول ، فهو جرح النفس والكرامة ، وكم من مستباح الكرامة يتمنى الموت ليتخلص من جرح كرامته.
لقد حاصرت أمريكا مدينة الفلوجة وأمطرتها بأصناف الموت من قذائف حمم وقنابل عنقودية ، وما لا تعلمه إلا أجساد النساء والأطفال والشيوخ هناك ، لأن بعض الجهلة فيها قاموا بالتمثيل بجثث القتلى الأمريكان ، وهو أمر نستنكره ولا نقره ، ولأنها تطلب أن يتم تسليم أولئك الجهلة لها لينالوا عقابهم.
فماذا يجب أن نفعل إذن كأمة عربية بعد أن شاهدنا انتهاكات الكرامة الإنسانية في سجون العراق، لا على الأموات بل على الأحياء ، وليس بعذاب جسدي فحسب بل بعذاب معنوي أيضاً غاية في الشناعة والبشاعة ، ولا يقوم به جهلة شوارع ، بل ضباط كبار، وفي الحقيقة فإنه من الصعب أن أجد كلمات تصف شناعة وبشاعة العذاب المعنوي والجسدي الذي حدث في سجن أبي غريب ، وما عرضته الشاشات يكفي عن اللفظ ، ويبين كم هو البون شاسع بين ما قام به أهل الشارع في الفلوجة، وما قام به الضباط الكبار المتحضرون الذين تزعم حكومتهم أنها أرسلتهم لنشر الحرية والديمقراطية وللدفاع عن حقوق الإنسان.
أليس من ألف باء القانون الدولي ، أن تقوم الأمم المتحدة بتحقيق مستقل في سجن أبي غريب للتأكد من أن ما حدث فيه من فظائع هو تصرفات فردية لا سياسة أمريكية ؟ ثم أليس من واجبات الجامعة العربية أن تطالب بإجراء تحقيق كهذا إن نام عنه " كوفي عنان " ؟.
ولو فرضنا جدلاً ( وهذا أمر مستبعد جداً ) أن ما حدث من تعذيب وإهانة هو تصرفات فردية لا سياسة استعمارية ، فإن أقل ما يجب أن يطالب به العراقيون أن يتم تسليم المسئولين عن هذا التعذيب إليهم لينالوا جزاءهم حسب القانون ، وذلك كما طالب الأمريكان بتسليم من مثلوا بجثث مواطنيهم ، وفي غياب حكومة عراقية معترف بها فإن هؤلاء المجرمين يجب تسليمهم إلى هيئة العلماء المسلمين في العراق التي تقوم بالتفاوض مع الأمريكان في كثير من الشؤون نيابة عن الشعب العراقي ، أو إلى الجامعة العربية ، لأنها يفترض أن تكون ممثلة لكل العرب ، أو إلى محكمة العدل الدولية التي تدافع عن حقوق الشعوب أو إلى أية هيئة قانونية أخرى معترف بها ، وذلك عملاً بمبادئ العدالة والمساواة والحرية التي تقول أمريكا إنها قطعت القفار و البحار و جاءت إلى العراق من أجلها.
أما أن تكون عقوبة أولئك المجرمين ، هي إيقافهم عن العمل ، ومحاكمتهم من قبل الدولة التي أرسلتهم ، ثم أطلقتهم على الأسرى ، ثم غضت الطرف عنهم ، فهذا لا يصح في أي قانون ولا شريعة ، إذ لا ينبغي للخصم أن يكون حكماً.
ولكن ، إذا رفضت الولايات المتحدة تسليم هؤلاء ، فماذا سيفعل العرب ؟ هل سيحاصرون واشنطن كما حاصرت أمريكا الفلوجة ؟؟