العودة   منتديات عشاق السودان > المنتديات العامة > منتدى الخواطر والنثر والقصص
التسجيل مستضيف الصور التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 04-02-2006, 02:37   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
دار جعل
عضو برونزي
 
الصورة الرمزية دار جعل
 

 

 
إحصائية العضو









دار جعل غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
دار جعل is on a distinguished road

 

 

انتو ما شفتو حاجة






كنا متلمين في بيت حبوبتي ( ولا نقول لها حبوبتي بل نناديها بأمي ولكن حتى لا تختلط الأسماء مع أسماء امهاتنا الحقيقيات ونحن نسرد هذه الحكاية ) متلمين رجال ونسوان وشفع وشافعات كبار وصغار في ساعة الضهرية تحت شجرة النيم الكبيرة في نص الحوش ( الذي تساوي مساحته مساحة مربوع في الخطة الاسكانية الحالية ) وهذه عادة من زمان متعودين عليها, وهي جالسة على عنقريبها الاثري الذي تتفاخر بأنها احتفظت به من يوم عرسوها ( وقد كانت تحتفظ به في إحدى الغرف إلا انها اصبحت تخرجه لجلسات القهوة وكأنها تريد أن تستعيد أيام مضت من عمرها ) وهو مصنوع من جلد البقر ( القد ) ومن حطب المهوقني الجابو ليها جدي من الجنوب, وباقي الناس بعضهم قاعد في عناقريب عادية والبعض متفرجخين أمام الكانون حتى لا تفوته أول ريحة, منها وواحدات قاعدات في البنابر وواحدات قعدن عشان يمشطن شعر بعض بزيت الكركار المخلوط برائحة الدلكة والقرنفل وهن قاعدات في الواطة (على سجادة مرسوم عليها صورة الكعبة والقبة الخضراء قادمة من أرض الحجاز في أول رحلة حج قام بها الثنائي حبوبتي وجدي ).
(وبدأ برنامج قلي البن ), عشان في ناس ما بتتكيف للجبنة إلا لما يشمو ريحة القلوه وتمرر السواحية التي يقلي فيها البن ودخانه الابيض يعطر المكان حتى الماري في الشارع يتكيف لما يشم ريحتها وممكن تستفزه ويدخل يشرب القهوة ( ما الناس كلها أهل مافي غريب وسطم ) بقت تمررها على الجالسين ( بيدها التي كادت عروقها أن تعلن التمرد وتخرج من جلدها الذي أكل عليه الدهر وشرب وبارتجافه ظاهرة دلت على إدمان شرب القهوة الكثير اثر على جهازها العصبي فجعل يدها ترتعش دون قصد وجعل كل واحد يمد يديه لينهل من ريحتها وهو يشيح بها لداخل جسمه وينتابه شعور غريب بالانتعاش كأنو ماخد حمام بارد في نص النهار ).
ويبدأ دق البن بنغمات يمكن أن تدرس في معاهد الموسيقى الحديثة الآن وهذا اجمل ما كان يسعدها عندما تبدا بهمهمة انغام قديمة مهما حاولت لن تستطيع فهمها كأنها كتبت بلغة غير لغة الضاد, ولكنها منسجمة مع ايقاع يد الفندق وهي تنزل عليه لتطحن البن قبل ما الموية تفور في الشرقرق.. بعد داك تقوم بأخذ شي من سعف النخل وتقوم (بمعطه) حتى يصير كأنه ( ليفة غسيل العدة ) وتقسمه إلى كومين كوم تختو في راس الشرقرق والآخر بتخليه لحدي ما تكب الجبنة وبعدين تغطيه بيها ( ما يشبه المصفى الآن ).
وتبدا في الحديث يا بت قومي املي الجردل موية رشي جنب الشجرة كان يجينا هوا بارد ولما الواحدة تماطل تمسك عكازة وتلوح بيه مهددة ( ها بت ما تقومي والله أقوم ألفخك بالعكاز ده تقولي لفخني جن وطبعاً ده مجرد تهديد دون تنفيذ ).
( وتبدا في صب القهوة البكر للناس الكبار والمحرمة على الناس الصغار لما لها من أضرار كثيرة على الشفع الزينا... منها ما هو صحيح ومنها ما هو اعتقاد متوارث من القدم ) ومع أول رشفة من القهوة ينطلق اللسان بالحديث عن الناس فلانة ديك طلقوها وفلان داك مرتو ماتت مشى عرس فوقه وهي لسة ما تمت شهرين وفلان داك يا كافي البلا ويا حايد المحن فوق فراش مرتو عزلو واحدة.. وفلانة ديك ولدت ليها ولد خلاقة وفلان وفلان داك وتسمع وسط الكلام صوت حبوبتي اسغفر الله من الكلام في الناس وتبدا في سرد حكاية جديدة عن فلان أو فلانة ومع نهاية كل حديث تزيد في الاستغفار من الكلام في الناس.
( جا ماري لوري مليان عيش ومساعديه جالس في القمة يكشف كل البيوت التي لا تعلو جدرانها سوى مترين على الأكثر وهو يتلفت بفضول كأنه يبحث عن شي ضاع منه وسط المنازل.. ولكنه حقيقة كان ينادي على بضاعته بحثاً عن من يشير له بأنه يرغب في شرائها ) وتمصمص حبوبتي شفايفها التي جفت من كثرة شرب القهوة واصبح بها تشققات كأنها تشققات اسفلت طريق مدني بورتسودان التي يعاد تصليحها ثم ما تلبث أن ترجع كما كانت فهكذا كانت هي بالليل تملاها بالودك وبعد يومين يعود الحال كما كان عليه ( وعلى المتضرر اللجو للمحاكم ), والله زمنكم ده بري منو الببيعو فيه العيش واللبن, وتخلي سيرة الناس وتقوم تحكي ( زمن الزمان زين ) والله يا وليداتي العيش ده كان لما نزرعه يغطي الزول كلو يعني كان الواحد خشة جوة ( الِبلدات ) تاني ما بتلقاه كان فتشتة ليه بالفتاشة, والطير ده ياكل منو ويشبع, وتحكي قصة قمرية أكلت من عيش الفتريتة الذي يحتوي على مواد نشوية عالية ( وممنوعين منو ناس السكري ) قالت والله القمرية دي جات في نص النهار اكلت من الفتريتة دي ومشت تشرب موية ( طق انشرطت من الشبع ) فضحك الجالسين ما بين مكذب وما بين مستغرب.. ها جنيات والله زمنا الخير كان كتير ومافي زول ببيت جعان, وناس الحلة دي كلها صاجة واحد يتلمن النسوان كل مرة في بيت ويولعن نار واحدة ويعوسن الكسرة في طبق واحد كل واحدة تنتهي من كسرته تخت ليها قشة ( عشان تعرف حدود كسرته ) والله الكسرة دي تقيف زي الجبل بعديها تقوم كل واحدة تلف كسرته, والملحات كانت معروفة ما مجغبسة زي ملحاتكم هسة ( نفطر شاقرمة – نتغدى بيربر ) محن والله, وجدكم الحاج
الله يرحمه ( لم تكن تناديه باسمه كنوع من الاحترام حتى اعتقدنا اننا لو سألنها عن اسمه الحقيقي لن تعرفه ) كان راجل فنجري يربط للناس في الشارع عشان يضيفم في صالونو وكنا نعوس الكسرة واللقمة وملاح التقلية والنعيمية, والخضرة الدقاقة وام تكشو ( وتذكر جميع أصناف الطعام وقتها ذاك ) الا بري من زمنكم ده الرغيف والخبيز والباسطة, والله الرغيف ده كان لما يجيبوه من الخرتوم الحلة كلها تعرف انو ناس فلان جابو ليهم رغيف ويقسمو على الشفع زي الحلاوة... وتضحك مع مسحة حزن ترتسم على تجاعيد وجهها الله يجازيكم ذكرتوني والله انا والحاج كنا قاعدين نزرع في اللوبة جنب البحر جات البابور شايلة أولاد المرغني ( عائلة المرغنية الذين كان لهم نصيب في حكم السودان ) وكانو ماشين الجنوب وجدكم كان مشتهي ليه رغيف باللبن وقفنا نعاين للبابور جدكم خت الحشاشة فوق كتفو و قال: هلا هلا يا أولاد المرغني رغيف باللبن ساهي ( فقد كانت هذه أقصى امانيه ).. وجعلت تصب في الجبنة مرة أخرى... ما تبقى من القهوة البكر, وترجع الفضل من بقايا البن للشرقرق فتصبح القهوة خفيفة تسمى ( البركة ) تعطى للشفع.
وليس بعيداً عن ضل الشجرة كنا نلعب البلي ( ضرابي وضرابك وجلتي وجلتك ) وكانت تحدث الخرخرة في كثير من الأحيان من من هم اكبر سناً منا ( كما تفعل امريكا بدولنا المستضعفة وليست الضعيفة ) وكان لجوئنا لحبوبتي ( مجلس الأمن ) الخاص بناء يكون هو الملاذ الأخير, فتسمعها... ها جنيات ما تلعبوا في الحر تعالو لا جاي والله ابو الفرار يضرب واحد فيكم يخلي رقبتو زي رقبة حمارة الشفيع ( أبو الفرار هو السحائي ) تعالو اشربو البركة.
اخدت ليها رشفة كبيرة من الفنجان واتكت على صفحتة قسمت وجزمت زمنكم ده زمن ممحوق بالحيل هسي الواحد يقوم من الصباح كارب صليبو ( دلالة على شك القميص في البنطلون ) تقوموا تتجاروا من الصباح عشان الوظيفة وفي نهاية الشهر يدوكم شوية مليليمات ( المليم عملة كانت تتداول زمنها وبتشتري حاجات وحاجات ) وعشان الواحد البنات يقولن ليهو الافندي جا والافندي مشى ( سجم خشمكم ) كان قايلين الوظيفة في الحيكومة بتنفعكم, هسة الحكم ده قاعد يدوم لزول ما ناس بتمشي وناس بتجي والسجم في سجمو, والله الواحد كان ما اشتغل بضراعو شن الفايدة منو هسي البلدات والحواشات خليتوها و الزراعة دي عيبوها ( هذه كانت وجهة نظرها البسيطة ) لكن يا حبوبتي الزمن اتغير ونحن هسة بقينا في عصر العولمة والناس بقت متطورة وبتشتغل بالكمبيوتر والانترنت... ( تمرقه بنظرة اخترقت دواخله حتى أحس باختلاج ضلوعه ) هوييي يا جنا كلامك المجغبس ده انا ما بعرفو ليك الا حلفت وجزمته كان ما انعدلت فوق كلامك عكازي ده الا ياباك, ( وتحاول تقليد صوته وهو يتحدث ) الممبيوتر والملوعة... محن والله.
يا ولد اقعد ساكت خلي القهوة تفور يخلخل ضروسك وفي سرها تقول ( تبرى يا ود امي ) ولكنها كانت تظهر الصرامة حتى تكبد جماح تمردنا الطفولي وحبنا للهبيش والشلاقة.. فقد كانت تستمتع بهذا كله... وتبدا في صب القهوة البركة ومن طرف كراع العنقريب ترفع كيسها السحري ( الذي يحوي عدة القهوة ولوازمهما من عرق ابيض ومستكة لتعطير الفناجيل وحاجات تانية ما قاعدين نشوفة ) وتقوم تطلع لينا بلح توزع لكل واحد حبات بعدد اصابع اليد الواحدة تعال يالمبروك تعالي يالمبروكة هاكي... ونشيل البلح ونتفاخر انو بلحاتي اكبر من بلحاتك... ( وتستولي الغيرة علينا ) امي والله الا تغيرهن لية انتي اديتيها بلحات كبيرة وانا صغار.. ما عارف ما عارف.. ويتبع ذلك دقات بالارجل الصغيرة المليانة بالتراب وبعض الطين المختلط ببعر الغنم المنتشر في الحوش حتى انك لو دققت النظر ترى الغبار يخرج من جميع الجسم مع هذه النفضات الاحتجاجية... وى وى ادوني بلحة كبيرة ( هكذا كانت براءة الشفع زمان ) والله الليلة ما تعلبي معانا كرعوت, ولا ناس الصعيد انقرضو, ولا شليل وينو, امي امي والله كان ما شفتي قال لي بعدين ما بتلعبي معانا... الجنا المسنوح ده جنو مكاواة لبت خالتو والله الليلة امسكك الا اخليك اقلا من سمسة ( مفرد سمسم ).
بت خالتي دي مربياها حبوبتي وما بترضى فوقه عشان كدة كنا بنغير منها لانها ماخدة ريدة حبوبتنا كله ( أو كما كنا نظن وقتها ).
( نحس بحرارة الشمس تلفح أجسامنا الهزيلة بعد أن تعبنا من لعب البلي ) فنتسابق الى المزيرة التي تقع تحت شجرة الليمون لاختيار الزير الأكثر برودة كي نروي عطشنا ) فلم تكن هناك تلاجات كثيرة.. الا في بيت ناس عمي العمدة.
هذه لوحة مصغرة لحياة كبيرة مليئة بالحنية والإلفة والمودة... فقدناها في زمننا هذا زمن كان البت ببتربى مع الحبوبة... وتحضرني بعض كلمات شاعر استعصى على ذاكرتي البخيلة حفظ اسمه في قصيدته التي يتغنى بها الموسيقار وردي القمر بوبة :
الصغيرونة أم الجنة يا كريم ربي تسلمة
تسلم البطن الجابتة
دي ترباية حبوبتة
يا ربي تاني بجي زمن زي ده... والله انتو ما شفتو حاجة...




التوقيع


التعديل الأخير تم بواسطة : دار جعل بتاريخ 04-02-2006 الساعة 02:39. السبب: التنسيق
دار جعل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


الساعة الآن: 18:03


Powered by vBulletin® Version 3.6.8, Copyright ©2000 - 2008, Tranz By Almuhajir
جميع الآراء والتعليقات المطروحة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع
SudaBest.net SudaBest.net

Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0 RC5

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103