تصنيف العمل الادبى (اجتماعى)
[
align=center]يا نااااس.. فرصة عمل
- إيه الصداع دة؟!
قالها محمود وهو يجاهد لمغادرة فراشه بعد نوم متعب يملأه الأرق والإرهاق قبل ان يغادر فراشه ا لصغير فى تكاسل شديد وأخذ يتثائب ويفرك عينيه كالأطفال وقبل حتى ان يخرج من باب حجرته سمع والده يصيح:
- يا محمووووود محموووود الظهر أدن هتقوم إمتى يا فالح..
قوم افطر.. صحيح.. أكل ومرعى وقلة صنعة.
اتسعت عينا محمود في بلاهة مثيرة للضحك ثم قطب حاجبيه في غضب مغمغما:
- إيه دة ... باين عليه بدأ موشحه اليومى المعتاد.. مش عارف إيه الذنب اللى ارتكبته ماهو حالى ذى حال اى شاب اتخرج من الجامعة فى الزمن دة
هز محمود راسه فى دهشة وخرج الى ردهة منزله الذى يتميز بالبساطة الشديدة وجلس بجوار والده وإخوته حول مائدة صغيرة قائلا فى تملل:
- صباح الخير
رد الجميع الصباح عدا والده الذى أخذ يزمجر في ضيق واضح بكلمات غير مفهومة وقبل حتى ان تمتد يد محمود ليتناول طعامه ضرب والده بيده على سطح المائدة ونظر لمحمود بعينين محمرتين يطل منهما الشر قائلا:
- ياترى آخر قعدتك دي إيه.. انت عارف إني مش قادر على مصاريفك ومصاريف إخواتك انت هتفضل على الحال البائس ده كدة؟
ارتجف محمود من شدة الفزع وهوينظر الى عيني والده اللتين اصبحتاكعيني ديناصور ضخم وارتعدت كلماته بين شفتيه وهو يقول :
- طيب أعمل إيه مالاقيتش شغل
رد والده بصوت أجش:
- طيب وانا مالي ..انا ربيتك وعلمتك وخرجتك من الجامعة والنهاردة جيه دورك عشان تعتمد على نفسك وترد الجميل
همس محمود في خفوت مرتجف:
- ح.. حاضر ..هدور مرة ثانية عن فرصة شغل
إنتهى الحديث بينهما على هذا النحو وجلس محمود في شرفة منزله المتواضعة يرتشف الشاى ممسكا بإحدى الصحف اليومية وأخذ يفرك رأسه وهو يطالع صفحة الوظائف الخالية حتى إتهى منها تماما ثم زفر في ضيق وهو يقول:
- انا حاسس بالعجز ..مفيش وظيفة واحدة تتناسب مع مؤهلى .. اتخرجت من خمس سنين ومالقيتش اللى يناسب دراستى لحد النهاردة.. وان لقيته يفاجئني باشتراط الخبرة.. وأقل خبرة عندهم ما تقلش عن خمس سنين إزاى بالله عليكم يكون للشاب خبرة طالما انه ما حصلش على اى فرصة شغل قبل كدة عشان يكسب منها الخبرة.. ..... تعقيدات!
أخذ محمود يطالع جريدة بعد أخرى ويتمعن في كل واحدة بدقة وفجأة كادت عيناه تقفذان من محجريهما من شدة اتساعهما عندما قرأ إعلان عن فرصة عمل تناسبه والمثير للدهشة أنها لاتشترط الخبرة فطوح الجريدة بطول زراعه وأسرع يرتدى ملابسه وهو يقفز كالطفل الذى أهداه والده الحلوى التي يحبها وخرج من منزله وقد رسم لنفسه وظيفة محترمة ومركز محترم
وزوجة جميلة وأسرة وبيت وووونظرة والده النارية
انتفض فجأة عندما سبح بأفكاره عند تلك النقطة ونفض رأسه بقوة ثم وجد نفسه أخيرا عند مقر التقديم فى المسابقة لإختيار بالطبع الأفضل كفاءة والأكثر جاذبية وحسن المظهر وتعدد اللغات والدراية بعلوم الحاسب وكل هذه الشروط البسيطة السهلة المتوفرة في جميع شباب هذه الأيام بتوع الحظاظة والسلسلة الذهب المعلق عليها صورة البت بتاعتهم والشعر الكنافة
..عفوا أقصد الشعر الكنيش..هيييه المهم
المهم لم تتعدى الدقائق الخمسة حتى كان محمود يقف أمام المسئول عن استلام أوراق التقديم
والذي نظر لمحمود نظرة لم يستوعبها جيدا فهي تحمل الكثير من السخرية مع قليل من الشفقة مما دفع محمود إلى الإنكماش في نفسه فعلى الرغم من ارتداءه (ما على الحبل) إلا أن ملابسه
كانت تفتقر إلى الفخامة والعظمة مما دل على كونه من إسرة فقيرة بل ومطحونة أيضا.
تمنى محمود لو يلكمه ليسقط صف أسنانه الأمامي عندما أطال النظر إليه بتلك السخرية ولكنه
لم يجرؤ إلا على قول:
- عاوز أأأأأتقدم لللل..
- بكرة
تجمد محمود في مكانه وكأن صاعقة من السماء قد أصابته حينما قذف المسئول هذه الكلمة في وجهه كالقذيفة وكأن محمود قتل اباه من قبل أو أن بينهما طار قديم وتصبب العر ق على وجهه وهو يقول :
- هاه!
رد المسئول في صرامة متحجرة:
- قلت بكرة . بكرة إيه .. إنطرشت؟
قال محمود مندهشا:
- لكن الإعلان يقول إن المعاد هو 24\4 يعنى النهاردة ....
قاطعه المسئول وهو يعض شفتيه غيظا مرددا:
- يا صبر ايوووووب..قلت بكرة بكرة تحب أعزفها لك والا أترجمها بلغة تانيةعشان تفهمها؟
لملم محمود شتات نفسه التى انتشرت في كل مكان من كم الخجل الذى إجتاحه وانصرف دون أن ينطق بكلمة أخرى.
تثاقلت خطواته أثناء عودته إلى منزله وقد تملكه الزهول وهو يقول :
- إيه المعتوه دة؟!
إمتلأ رعبا وفزعا عندما تذكر نظرات ابيه المنتظرة عند عودته بخيبة الأمل
وتمنى من قلبه أن يحدث أى شيء يمنعه من العودة ولكنه عاد دون أن يحدث أي شيء
وطرق الباب واستقبله آخر شخص تمنى أن يستقبله أمام الباب في تلك اللحظة بالذات
نعم ..هو والده .. يا للكارثة
- هاه سبع ولا ضبع؟
قالها والده في لهفة من ينتظر نتيجة إمتحان
بلع محمود ما تبقى من ريقه الجاف وقال:
- قال أفوت عليه بكرة.
انقلبت سحنة والده فجاة وتحولت اللهفة إلى غيظ غير محدود وهو يقول:
- بكرة؟!..يا دى الشيلة يا دى الحطة رحت على جمل جيت على قطة..ادخل يا.. يا باشا..
يا دى النيلة يا دى الحظ يا دى البخت يا دى ال..,....,....,
وقبل أن يستمتع محمود بباقى سلاسل الدهب التى تنهمر من فم والده على وجهه من كل صوب أخذ يعدو إلى حجرته يحمي وجهه بزراعيه قبل أن تصيبه قنبلة أخرى فى مقتل
كم يكره أن يكون والده بهذا الجفاف والقسوة إنه يعلم إنه يحبه ويريد الخير له ولكن إسلوبه كثيرا ما يثير حنقه وخاصة أنه لا يملك أن يفعل شيئا فهو من أسرة فقيرة لا يملك عمل مشروع كبير أو حتى صغير ولا يمتلك أموال في البنوك أو حتى في الجيوب أو ربما هناك عداء مستمر بينه وبين (الفلوس).أوإنه وهذا هو الأكثر إحتمالا هناك صداقة مستمرة بينه وبين (الفلس)
ويا للعجب فما أقرب التشابه بين كلمتي (الفلوس) و(الفلس) في أحرفهما وما أبعد الإختلاف بين معنيهما.
في صباح اليوم التالى ذهب محمود مرة أخرى إلى صاحب الإبتسامة الساخرة والذى استقبله بها وتقدم إليه محمود حاملا أوراقه قائلا:
- هى دى أوراقى
- فوت بكرة
تحول وجه محمود إلى اللون الوردي نتيجة هذا الإسلوب الفظ الذى يتحدث به هذا الكائن المعتوه وتمنى من قلبه أن يهاجمه عقرب ويلدعه تحت سرواله.
جفف محمود عرقا وهميا قائلا فى توتر غاضب:
- لكنك قلت لى إمبارح أ...
- يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم يا ابنى بكرة . بكرة يعنى عاوزنى أكتبها لك على ورق والا أغرفها لك فى طبق؟
صرخ بها المسئول مقاطعا محمود وقد تحول إلى ما يشبه الذئب فخرج محمود من عنده مسرعا خوفا من افتراسه والف سبة يحتجزها لسانه ولكنه لم يجرؤ حتى على التفوه بأى كلمة
وعاد لمنزله بنفس خيبة الأمل وإلى نظرات والده المفزعه الذى استقبله قائلا:
- ادخل يا فالح..قال سبعة صنايع والبخت ضايع.
تنهد محمود في عمق مواجها والده في جرأة نادرة فى مواجهتهما المعتادة قائلا فى انفعال:
- طيب أعمل إيه من وجهة نظرك؟!
- يا ابنى اشتغل أى حاجة!
- يعنى ألمع عربيات والا أنظف أحذية والا...
- ضرب والده كفا على كف مقاطعا إياه قائلا:
وإيه يعنى ؟! هو الشغل عيب لا سمح الله؟!!
هتف محمود قائلا:
طيب ليه علمتنى؟!..كان بإمكانك تعلمنى صنعة وبعد كدة لك الحق فى الكلام دة انا دلوقتى لا إمتلكت صنعة ولا أى حاجة.. مجرد حتة ورقة إسمها شهادة تخرج لا تنفع ولا تضر
هأعمل إيه بس؟
أسرع محمود إلى حجرته وترك والده خلفه فذهل والده فهو لم يعتاد على هذا الإسلوب من ابنه وضرب كفا على كف مرة أخرى هاتفا:
- ولد قليل الأدب صحيح... قلة أدب .. قلة تربية.. قلة ذوق .. قلة احترام ..
وكعادته وكأن شيئا لم يكن جلس يشاهد مباراة لكرة القدم في التلفاز.
وفي الصباح كعادة محمود أخذ يطالع الصحف اليومية لعله يجد ما يشفى غليله ومرة أخرى وجدها ..نعم شركة كبرى تطلب خريجين من مختلف التخصصات (با لمناسبة لو عاوز حد يروح ) ..نعم وجدها..عمل محترم ومركز محترم لا يحلم به وأسرع يهيء نفسه ويكوي ملابسه وبين الحين والآخر يتأمل نفسه فى المرآة وقد رسم لنفسه طريقا ورديا
مليئا بالأموال وأوراق النقد وشقة أنيقة وسيارة فاخرة وقضى ليلته يحلم ويحلم حتى صباح
اليوم التالى فذهب ليقدم أوراقه فى شركة كبرى تطلب مختلف التخصصات
وهنا استقبله رجل أنيق مهذب ذو إبتسامة مهذبة جعلت محمود يلعن فى سره ذلك المعتوه الآخر وتمنى ان يتسلم عمله الجديد ثم يذهب لصاحب الإبتسامة الساخرة ليخرج له لسانه أو يكسر رأسه على عنقه
إبتسم محمود حينما سأله الرجل المهذب عن أوراقه فى ترحاب وود شديدين جعلته يمتلىء بالآمال والطموحات فلقد سأله الرجل قائلا:
- مؤهلك إيه يا أستاذ……..
- محمود .إسمى محمود يا فندم ..محمود سعيد
إبتسم الرجل فى ود قائلا:
- ماشي يا محمود .. . مؤهلك إيه
- أنا حاصل على بكالوريوس ت.....
- للأسف طلبك مش موجود عندنا
قاطعه فجأة الرجل بهذه العبارة وهو يبتسم إبتسامة بريئة أو هكذا بدت فشهق محمود فى عنف وكأن قالب طوب كبير سقط على رأسه من هول المفاجأة وقال فى شبه غيبوبة:
- بس أنا لسة ما إتكلمتش …. إنت لسة ما عرفتش مؤهلى
نهض الرجل من على مقعده ولف حول مكتبه وإتجه نحو محمود ثم أحاط كتفى محمود بزراعه مربتا عليه فى خبث موشح بوشاح البراءة وقال ضاحكا:
- يا ابنى أنا عارف دة كويس لكن صدقنى طلبك مش عندنا
نظر محمود فى تساؤل وزهول فضحك الرجل مرة أخرى ضحكة طويلة عجيبة لمح فيها محمود شيئا من السخرية ولكن الرجل قطع ضحكته بغتة وكأنه اصيب بجنون مفاجىء ومال على محمود قائلا:
- أنت قلت أنك حاصل على بكالوريوس ت... ومعنى الت..دى أن طلبك مرفوض فإحنا مش بنستقبل خريج كلية الت.. واللى غالبا تعنى التجارة بجميع تخصصاتها ..طلبك مرفوض يا حبيبي...مرفوض .. فرصة سعيدة.
خرج محمود فى تخاذل ولكن قبل أن يبلغ باب المكتب لمح شابا أنيقا يرتدى ملابس سبور متمايلا مغرورا فى مشيته متعجرفا وما أن رآه محمود حتى تذكره نعم ..هو.. أمجد ابو المجد إبن رجل الأعمال الكبير ابو المجد صاحب أكبر منشآت إستثمارية فى البلد و قد كان زميله فى الكلية ورغم شهرته وسيطه وسط طلاب الجامعة إلا إنه كان كثير الرسوب ولو صدفت و نجح دائما ما يرافقه ما لا يقل عن مادتى رسوب إلى السنة التالية وكان مستهترا لدرجة (العبط) لا يعرف فى الحياة شيئا سوى مامى وبابى وتوتو وسوسو
إبتسم محمود فى سخرية وهو يقول في قرارة نفسه :
- أمجد؟! يا للصدف..بالطبع هيرفض ورقه لأن كليته برده تبدأ بحرف الت لأنه كان زميل لى فى نفس ال... إيه دة؟
هتف محمود بالعبارة في جزع وقد شحب وجهه بشدة وهو يراقب الرجل الذى استقبله بترحاب وإبتهال شديدين وأمجد يقول له فى عجرفة:
- بابى كلمك بالموبايل بتاعه مش كتة؟ ....( يقصد مش كدة)
هتف الرجل الخبيث فى سعادة زائفة:
- طبعا يا أمجد بيه طبعا..إ تفضل.. مكانك هنا مستنيك على أحر من الجمر..إتفضل يا بيه
نظر اليه أمجد فى إستهتار ملوحا بورقة متهدلة شبه ممزقة أخرجها من جيبه قائلا:
- مش عاوز تشوف شهادتى؟
أسرع الرجل يهتف وهو يقفز من مكانه ويختطف منه الورقة ويعيدها مرة أخرى إلى جيبه و قال:
- لا طبعا لا ودة معقول .. كفاية علينا شهامتك ورجولتك يا بيه..إ تفضل
ضحك أمجد ضحكة قصيرة ساخرة قائلا:
- كويس…. كويس
ثم تابع فى لامبالاه:
- هأستلم الشغل إمتى؟
قال الرجل فى لهفة:
- دلوقتى حالا يا أمجد بيه .. ..إ تفضل
- شهامتك ورجولتك؟!!.. أمجد .. شهامة ورجولة؟!!
قالها محمود فى دهشة ليس لها مثيل أثناء عودته لمنزله ثم تابع فى مرارة:
- ألمجرد أنه الإبن المدلل لأبو المجد بيه ؟! .. يا ناس يا هوو إنه خريج كلية الت إنه كان معى وكنت أتفوق عليه دراسيا ولم أرسب سنة واحدة.. أكان الحال سينقلب رأسا على عقب إذا كان ابي سعيد بيه؟!.. يا للحسرة أنه ليس سعيد بيه إنه تعس بيه .. وأنا التعس إبن التعس بيه
آه يا بلد!!!!
راودته فكرة وهى الذهاب الى صاحب الإبتسامة الساخرة لعل وعسى
انتهى الجذء الاول بحمد الله
ارجو ان ينال اعجابكم[/align]