العودة   منتديات عشاق السودان > المنتديات العامة > المنتدى الأدبي
التسجيل مستضيف الصور التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 11-10-2005, 16:29   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
asoka
عضو فعال
 
الصورة الرمزية asoka
 

 

 
إحصائية العضو









asoka غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 20
asoka is on a distinguished road

 

 

أثر البارودي في الشعر العربي الحديث ...

موضوع مختصر عن اثر البارودي في العصر الحديث للشعر

- 1 -

إِذا المرءُ لمْ يصبرْ على ما أَصابَهُ فماذا تُراهُ في المقدَّرِ يصنعُ ؟

ولد البارودي بمصر لأبوين من الجراكسة سنة 1839م . وكان أبوه حسن حسني بك البارودي من أمراء المدفعية ، ثم صار مديرا لبربر ودنقلة . وتوفي الوالد ومحمود في الثانية عشرة من عمره ، ولكن أهله قاموا بعد أبيه بواجب تربيته ، فألحق بالمدرسة الحربية ، وحين تخرج لم يخد عملا عسكريا ، فأكب على قراءة الأدب والشعر .

وحين شبت ثورة عرابي ، انضم إليها ، ولما أخفقت نتيجة للخيانات من خصومها وللغدر من الخديو والإنجليز ، قدم للمحاكمة ، ثم نفي إلى سرنديب ، وظل بها سبعة عشر عاما ، ورجع إلى مصر ، وتوفي سنة 1904م (1)

" وقد وثب البارودي بالعبارة الشعرية وثبة واحدة من طريق الضعف والركاكة إلى طريق الصحة والمتانة ، وأوشك أن يرتفع هذا الارتفاع بلا تدرج ولا تمهيد . وكأنه القمة الشاهقة تنبت في متون الطود عما قبلها فينقطع بينها وبينه طريق الوصول إلا أن تستدير لها من القمم التي تليها وتقرب منها . " (2)

"اتبع البارودي نموذجا ثابتا يقوم على مثال الشعر القديم ، وبقي مخلصا له طوال حياته . فنحن لا نلمس تغيرا أساسيا في الشكل ولا في الموضوع في شعره على مر السنين . " (3)

لم يختلف النقاد في شاعرية البارودي ، وعدوه – بحق – رائد مدرسة البعث ، وأنه سبق معاصريه ، بقوة شعرة ، ورصانة أسلوبه ، وروعة خياله ، ووفرة المادة اللغوية المتينة ، وتفرده بين أقرانه من الشعراء .


- 2 -

الشعر قبل البارودي

يقول الأستاذ العقاد : " فإذا أرسلت بصرك خمسمائة سنة وراء عصر البارودي لم تكد تنظر إلى قمة واحدة تساميه أو تدانيه ، وكنت كمن يقف على رأس الطود المنفرد فلا يرى أمامه غير التلال والو هاد إلى أقصى مدى الأفق البعيد . وهذه وثبة قديرة في تاريخ الأدب المصري ترفع الرجل بحق إلى مقام الطليعة أو مقام الإمام . " (4)

كان الشعر في مصر في القرن التاسع عشر متخلفا ، يُعنى بالتسلية والمجاملات ، ويُعنى – أيضا – بالمحسنات البديعية والبلاغية من بديع وجناس وطباق ، والتمرينات الشكلية من تخميس وتشطير ، إلى جانب فنون البديعيات والتطريز والتأريخ والتراسل وغيرها من الألاعيب الشعرية مما جعل الشعر صنعة لا فنا ، ولم تعد له صلة بأفضل أمثلة الشعر القديم .

ومما يدل على ذلك ما يرويه عبد الرحمن الجبرتي في عجائب الآثار في تراجم الأخبار :
" وفي ثالث عشر رمضان من السنة ( 13رمضان 1108هـ / 20أبريل 1696م ) قامت العساكر على يا سف اليهودي وقتلوه ، وجروه من رجله وطرحوه في الرميلة ، وقامت الرعايا فجمعوا حطبا وأحرقوه ، وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة " (5)
وفي ذلك يقول الشيخ حسن البدري حجازي رحمه الله :
بمصرَ حــلَّ يهودي أخفى عليه الإلــه
فظُّ غليظٌ عــنبفٌ سوءٌ كريهٌ لقــاهُ
بعَشْرِ صومٍ أتـــانا لهُ جَوادٌ عـــلاهُ
والناسُ تشتد سـعيا أمامـــه ووراهُ
ومعه أمرٌ وفيـــه ما قاده لـــرداه
من أن دينار مــصرٍ يغيّرون حِـــلاهُ
والقرشُ يبدل نقْـشٌ فيه بتقش ســواه
ليأخذ المال قـــهرا بالنقص مما حــواهُ
فحين قصَّ علــيهم ما قصَّ قصّوا قـفاهُ
وبعد ذا حرَّقـــوه والعالَمون تـــراهُ
يا بئس ذاك اليهـودي يا بئس ما قد نـحاهُ
وكان ثالث عــشر من صومنا ما دهاه
بجمعة عطـــلوها في قلعة مِن بــلاهُ
وموته أرَّخــــوه قد ذاق ما قد جناهُ (6)

وهكذا ، كان الشعر قبل البارودي ، ولكن لا يفوتنا أن نهمل شعر الساعاتي ، " فلم يكن قبل البارودي من هو أمتن منه ولم يكن قبل الساعاتي من هو أمتن منه كذلك " (7) على كل حال ، كان الشعر قبل البارودي متخلفا – كما ذكرنا آنفا – للدرجة التي أطلق العقاد على شعراء ما قبل البارودي " عروضيين " ، لأنهم كانوا ينظمون الشعر نظما عروضيا ، خاليا من الإحساس والعاطفة المشوبة بالوجدان والفكر ، أي ،كانوا شعراء يتصنعون الشعر ، وكانوا غير مطبوعين .


- 3 -
( أ )
البارودي : شاعرا
كتب عباس محمود العقاد كتابا عن : ( شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي) ، وأفرد للبارودي فصلا كاملا ، تناول فيه شعره بالدراسة والتحليل ، وقرر- أي العقاد - أن البارودي من الشعراء الذين ارتفعوا بالشعر المصري – بل والعربي – ارتفاعا لا يطاوله فيه أحد ممن سبقه ، وعلل ذلك بأن الشاعرية مزية قد تنجم وحدها بين أقوام لا يقاربونها في العظمة ، وقد يظهر الشاعر العظيم وقبله خواء وبعده خواء ، أو يظهر الشاعر العظيم وبعده أناس أقل منه وأقرب إلى من ظهروا قبله .
العوامل التي هيأت البارودي للنبوغ في الشعر ، وجعلته " إمام المطبوعين " –كما يقول العقاد - :-
* يقول العقاد على لسان حسين المرصفي في كتابه الوسيلة الأدبية (8) : " محمود سامي البارودي لم يقرأ كتابا في فن من فنون العربية ، غير أنه لما بلغ سن التعقل وجد في طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله فكان يستمع بعض من له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين أو يقرأ وهو بحضرته حتى تصير في برهة يسيرة – هكذا – هيأت التراكيب العربية فصار يقرأ وهو لا يكاد يلحن " . ويمكن أن نستنتج من هذا الكلام ، أن البارودي كان لديه استعداد فطري للقراءة والاضطلاع .
* أكب على كتب التراث العربي واختار منها مختاراته التي جمع فيها نخب العباسيين، وهي مختارات قارئ مستقص لما في دواوين أولئك الشعراء من أبواب الشعر المشهورة عند الأقدمين .
* قد يكون الباعث له إلى حب الشعر وراثة بعيدة أو قريبة كما قال :
أنا في الشعر عريقٌ لم أرثه عن كلالة
كان إبراهيم خالي فيه مشهور المقالة (9)

ويقول العقاد : إن الولع بالشعر لم يكن غريبا عن طالب المدرسة الحربية في ذلك الزمن كما تبدو عليه الغرابة في الأمم الأوربية أو في مصرنا الحاضرة ، إذ كانت الفروسية قرينة الشعر في عرف الخاصة والعامة على حد سواء وقد كان اسم عنترة وأبي فراس من أشهر الأسماء بين الفرسان الشعراء ، وكان أبناء الشعب وأبناء السراة يرون القهوات الوطنية –إن لم يجلسوا فيها ويترددوا عليها – فيسمعون حديث الزير سالم وأبي زيد الهلالي و...وكلهم فرسان مغاوير يقدمون للغارة بإنشاد الأشعار ويقرنون بين المناجزة بالحسام والمناجزة الكلام . (10)

( ب )
رأي في شعر البارودي

أدونيس
يرى أدونيس (11) أن ما سمي بعصر النهضة سبقته فترة سميت بالفترة المظلمة ، وهو لا يراها مظلمة من الناحية الأدبية والثقافية ، بل يراها متطورة ، نامية ، مزدهرة ؛ لأن القصيدة العربية تطورت في هذه الفترة تطورا كبيرا ، وأصبح الشعر ذا طابع صُنعي ، والمصنوع أفضل من المطبوع ، وأصبح الشاعر كصاحب الصوت المطرب يستميل الناس ، وكذلك تطورت لغة القصيدة ، من حيث البنية الشكلية ( إيقاعات مختلفة داخل بنية واحدة ) أو من حيث استخدام اللغة العامية وأنواع تعبيرية أخرى ( الموشح ، والدوبيت ، والكان كان ، والزجل ، والمواليا ) ، كما ركزت القصيدة على عالم الأشياء ،ووصف جزيئات الحياة اليومية .

ومن هنا كانت الفترة السابقة للبارودي ليست انحطاطا بالنسبة للبارودي ، والبارودي -في نظره - تجاهل تطوير القصيدة في عصره أو في العصر السابق عليه .

ويتساءل ادونيس في استنكار غريب : قد يكون ما صنعه البارودي ذا أهمية وطنية - سياسية . ولكن ، من قال بأن الموضوعات مهما كانت أهميتها مقياسا للنضج الشعري وفنيته ؟؟؟ ولذا يعتبر ادونيس دور البارودي توعوي وليس شعري .

وأرى أن ادونيس قد تجاوز الصواب في هذا الحكم غير الصحيح ، وانه لم يصب كبد الحقيقة ، فالبارودي قد أعاد إلى الشعر العربي رونقه وبهاءه وجلاله بعد عصر فسد فيه الذوق ، وانحط الشعر فيه إلى درجة من البهرجة اللفظية ، والصنعة المتكلفة . ثم من قال : إن المصنوع المتكلف أجود من المطبوع ؟؟

د. زكي نجيب محمود
ويرى الدكتور زكي نجيب محمود أن شعر البارودي " يصدر عن رنين اللفظ كما وعته أذنه مما قرأ للأقدمين (12)" وهو يشير بذلك إلى كون الصورة الشعرية عند البارودي سمعية وليست بصرية ، والمسموع عنده هم القدماء ، وكانت له تلك الأذن الحساسة المطبوعة على التقاط الرنين الموسيقي فيما كان يقرأ أو يسمع .

ويؤكد د. زكي نجيب محمود على هذه الفكرة الرئيسة حتى عندما " يصف - البارودي - مشهدا مرئيا تراه يسوق اللفظ لحلاوة نغمه ولو جاء ذلك على حساب تماسك الصورة ووحدتها (13) " .

وأختلف مع الدكتور زكي في هذا ؛ لأنه من الغبن أن نطبق مقاييس النقد الحديث على ظاهرة أدبية قديمة . ومن المعروف أن البارودي لم يشأ أن يجاري معاصريه ، بل جارى النموذج القديم مع إطفاء روح العصر الذي يعيشه على شعره ، فجاءت صوره مستمدة من البيئة العربية القديمة لكن بروح عصره . ومن الصعب أن نقول إن البارودي يهتم بالجانب السمعي على حساب الجانب المرئي في صورته الشعرية ، وتلعب معارضات البارودي دورا مهما لإثبات ذلك ؛ ولذا سنفرد لها مبحثا خاصا .


- 4 -

معارضات البارودي
يني الدكتور محمد فتوح أحمد – أستاذ الأدب بكلية دار العلوم بكلية دار العلوم جامعة القاهرة – فكرته في قضية معارضات البارودي عن أصالة وطرافة – أيضا – تدل على فكر واع، مطلع ، مثقف ، ثقافة مزدوجة ; تراثية أصيلة وأجنبية حديثة ; إذ يبني فكرته (14) على أن المعارضة تتضمن في أصلها اللغوي منظورين دلاليين يتكاملان أكثر مما يتفاضلان ، وهما منظوري المماثلة والمقابلة ، وبذلك يرتقي كل من المنظورين الدلاليين فيتحولان عن مجال الاستخدامات الإبداعية بعامة ، والشعرية منها على وجه الخصوص . ومن ثم يمكن القول إن المعارضة الشعرية إن كانت تتضمن رغبة المعارض في مماثلة المعارض، تحت تأثير الإعجاب ، أو ربما بدافع توكيد انتماء اللاحق للسابق ، فإنها تشير – وبنفس القدر – إلى مقابلة النموذج المتقدم زمنا بالنموذج المتأخر زمنا ، رغبة في إثبات التفوق ، وتحقيق السبق الفني ما دام قد استحال تحقيق السبق الزمني .

وانطلاقا من ازدواجية فكر الدكتور فتوح التراثي والمعاصرة ، تطرق إلى موقف ابن قتيبة في القديم والحديث ( الأصالة والمعاصرة ) حيث يقول ابن قتيبة في كتابة الشعر والشعراء ” ولم أقصد من شعر كل شاعر مختارا له سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره ، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه ، ولا المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره ... “

وإذا كان ابن قتيبة قد ردَّ بهذا الموقف النقدي على من يفضلون القديم لمجرد قدمه ، أي لمجرد أسبقيته الزمنية ، فإن شاعر المعارضة يرد نفس الدعوى ، وإن يكن رده بطريقته الخاصة ، أي بطريقة إبداعية تجنح إلى " مماثلة " النموذج بالنموذج ، من ناحية ، ومقابلتة به من ناحية أخرى ، ولا ضير في هذه الحالة أن نسترجع ما صدرنا هذه الصفحات حين قلنا أن الناحيتين لا تتفارقان بقدر ما تتكاملان .

ثم يعرج الدكتور فتوح إلى ت. س . اليوت مفسرا معنى التقليدية عنده ، فهي لا تتضمن إدراك مضي الماضي فحسب ، بل حاضره أيضا ، وهي لا تحتم على الشاعر أن يبدع وجيله وحده في دمه ، بل تحتم عليه كذلك أن يشعر أن لأدب عصره كيانا داخل نطاق أدب أمته وتراثها بوجه عام

ويتطرق الدكتور فتوح إلى جذور المعارضة بداية من العصر الجاهلي ، وعصر صدر الإسلام ، والعصر الأموي ، والعصر العباسي ، وصولا إلى العصر الحديث .

ويتنازع البارودي عاملان خصبان هما : القدرة على المجاراة والقدرة على الابتكار ، وهذان العاملان كان يحكمان حركة الإبداع في نتاجه برمته ، ليس في معارضاته وحدها . فشعره بحكم انعطافه تجاه الماضي البعيد محاكيا أو متجاوزا يعتبر معارضة كلية لنتاج الماضي .


وينقسم شعره إلى قسمين :
• معارضة ملفوظة
• ومعارضة ملحوظة .

ولنبدأ بالمعارضة الملحوظة أو الملموحة أو المضمرة; لأنها تلقي الضوء على اتجاه الشاعر ، وعلى طريقته في القول ، وأثره على الشعر عامة . والمتعقب لمفهوم الشعر لدى البارودي قد يقع تحت تأثير الإغراء السريع للمشابهة الواضحة بين عناصر هذا المفهوم العربي الكلاسيكي للشعر ، خصوصا وأن الرجل قد ركز من بين هذه العناصر على ثلاثة حظيت من اهتمام القدامى بما لم يحظ به سواها ، نعني بذلك توكيده على " ائتلاف اللفظ " و " ائتلاق المعنى " و " البعد عن التكلف " وهي نفسها تلك العناصر الكلاسيكية القديمة ، يغذي هذا الإغراء السريع "بالمشابهة " في مفهوم الشعر أن المبدع (البارودي ) لم يتحرج من التصريح بانتمائه إلى تقاليد القصيدة العربية .

إن ما يربط الشاعر إلى ماضيه ليس فحسب تركيزه في مفهوم الشعر على العناصر المشار إليها ، وليس أيضا اعترافه " بالبداوة " في " الطبع " و " التركيب " ، بل هو أمران لافتان للنظر : أولهما : خطابية ذلك المفهوم وانبهام مصطلحاته على النحو الذي يذكرنا بنظيره لدى الناقد والمبدع العربيين . وثانيهما : أن الإحداث العملي لهذا المفهوم النموذجي في تجلياته عبر قصائد الشاعر لم يكد يتجاوز نسق القصيدة القديمة
أ- الظاهرة الأولى : تحدي الظاهرة السلفية بما هو من خصائصها .
وإنك لتعجب حين ترى الشاعر يسوق القصيدة مصدرا إياها بتلك العبارة التقليدية " قال : يروض القول " فتحس على الفور بأنه عبر هذه الرياضة يريد أن يثبت شيئا ، لنقل إنه : التحدي ، أو مطاولة السلف ، أو تليين عريكة العبارة ، حتى إذا مضيت في القصيدة وجدت من غرابة العبارة ، وصعوبة القافية ، وتناول أغراض الغزل والحكمة والفخر والشراب ، ما يدفعك دفعا إلى الحدس بأن الشاعر يضع نصب عينيه " تحدي " التراث بما هو من خصائصه : عبارة ، ووزنا ، وقافية ، ومنهجا .
ومن ثم لا نرى عجبا أن يستخدم البارودي مثل هذه " المسام " التراثية – الإشارات التراثية نحو خمسين مرة ، وليست هذه المسام التراثية التي تحرض الفكر تجاه الماضي بقاصرة على الإشارات التصويرية ، بل إنها لتتجلى أكثر من مرة عبر بعض المداميك التعبيرية التي سرعان ما تلفتنا إلى نظائر لها في شعر هذا أو ذاك من أعلام الماضي البعيد الذي عارضه البارودي جملة بشعره جملة . استمع إليه يخاطب عباس حلمي :
فامنن عليّ بإصغاء إلى كلم تعد في النطق إلا أنه كلمُ
ألا تذكرك ، رغم سهولة الألفاظ ، ومباشرة المعنى ، بنفس الاستدراك الاستثنائي في مخاطبة المتنبي لسيف الدولة :
هذا عتابك إلا أنه مقة قد ضمن الدر إلا أنه كلم
ثم إليك هذه الصورة للحصاد الذي أينع ولم يبق له سوى القظاف ، وفيها " استلهام مباشر " لعبارة الحجاج المشهورة : إني لأرى أرؤسا قد أينعت وحان الآن قطافها " :
أرى أرؤسا قد أينعت لحصادها فأين ولا أين السيوف القواطع ؟
فكونوا حصيدا خامدين أو افزعوا إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافع

ب- الظاهرة الثانية : النفَس الشعري التراثي :
عندما تقرأ البارودي في بعض الأحيان فتحس " النفَس الشعري " التراثي ، وإن لم تجد له تحديدا . اقرأ على سبيل المثال هذه الأبيات التي لم ترد في الديوان ، بل أوردها ياقوت المرسي وعطية حسنين في " مراثي الشعراء " التي جمعها خليل مطران بعد رحيل شاعرنا :
نصحت قومي وقلت الحرب مفجعة وربما تَاح أمر غير مظنون
فخالفوها وشبوها مكابرة وكان أولى بقومي لو أطاعوني
ألست ترى فيها معارضة ملحوظة ، رغم خلوها من المحاكاة الملفوظة ، لقيدة ذي الإصبع العدواني التي قالها حين اقتتل قومه مع بني عمه ، والتي يخاطب فيها ذوي رحمه قائلا :
الله يعلمني والله يعلمكم والله يجزيكم عني ويجزيني
ماذا عل]ّ وإن كنتمُ ذوي رحمي ألا أحبكمُ إذ لم تحبوني
لو تشربون دمي لم يروَ شاربكم ولا دماؤكم جمعا تروّيني
ونقول إنها معارضة ملحوظة لا ملفوظة ، لخلوها من المشابهة التعبيرية المباشرة ، ولكن النفَس الشعري المتمثل في الوزن ( البسيط بإيقاعاته الجلية ومقاطعه التي تناهز الثلاثين ) ، ثم تشابه موقف الشاعرين ، يجعل من أبيات البارودي نقطة في تلك المساحة الهائلة التي ترد مجمل شعره إلى معارضة لمجمل التراث .


المعارضات الملفوظة :
وهي أكثر نمطي المعارضة البارودية وضوحا وذيوعا ، وهي التي تتبادر إلى الذهن عادة كلما جرى الحديث عن معارضات البارودي
هذه المعارضة تسمى المعارضة الصريحة أو المباشرة أو الملفوظة في عكس المعارضة المضمرة أو الملحوظة .
وتحت هذا النوع من المعارضات تندرج معارضته لكثير من الشعراء أمثال : - عنترة والنابغة وأبي نواس والبحتري والمتنبي .. وغير ذلك من الشعراء .

ملاحظات على المعارضات الملفوظة عامة :
1. أنها جميعا تنتمي إلى تراث الماضي البعيد ، قليل منها في العصر الجاهلي ، وقليل منها في العصر المملوكي أو الأيوبي ؛ والسبب في ذلك أن البنية الثقافية للعصر الذي كان يعيش فيه البارودي تشبه البنية الثقافية للعصر العباسي ، فكل بنية تجمع إلى التطور والتحضر . فالبنية الثقافية هنا وهناك تفاعلت فيها الثقافات المحلية مع الثقافات العالمية فالنسيج الثقافي متشابه ؛ لذلك معظم معارضاته تقع في العصر الحديث .
2. أن أبنية الإيقاعية لمعظم المعارضات تقع في إطار الأبحر الشعرية والإيقاعات ذات المساحة الواسعة مثل إيقاع بحر الطويل ويليه بحر الكامل ويليهما بحر البسيط أطول بحور الشعر إذ يبلغا حوالي 30مقطعا على حين بحر الوافر 24 في الشطرين . وهذا يفيد أن الفكرة الكاملة تكون في بيت واحد طويل .
3. أن معظم القصائد المعارضة الملفوظة تلجأ إلى البنية التجميعية . هذه البنية لها علاقة بان معظم قصائد المعارضة تقع في يحر الطويل ...ومهما اختلفت القصائد المعارضة الملفوظة إلا أنها تتميز بميزات عديدة .
معارضة البارودي لأبي نواس :
لعل أوضح النماذج برهنة على سلامة هذه الملاحظات في جملتها معارضة البارودي لأبي نواس في رائيته التي يمدح بها الخصيب فيقول :
أجارة بيتينا أبوكِ غيورُ وميسور ما يرجى لديك عسير
يعارضه البارودي فيقول :
تلاهيت إلا ما يجن ضمير وداريت إلا ما ينم زفير
تنتمي القصيدتان إلى إيقاع بحر الطويل باندياحه وانبساطه والى قافية الراء المطلقة وهي قافية وسطية فيها شيء من الحصانة والامتناع .
البنية فيها تجميعية حيث تبدأ بمقدمة غزلية ثم يخلص منها إلى غرض القصيدة . ففي مطلع القصيدتين يتفق الشاعران على معنى أنه لولا الهوى لم يكن بذلا ولم يكن من سوى نفسيهما سلطان .
عبر أبو نواس عن هذا المعنى بقوله :
فما أنا بالمشغوف ضربة لازب ولا كل سلطان على قدير
وعبر عنه البارودي بقوله :
فيا قاتل الله الهوى ما أشده على المرء إذ يخلو به فيغير
تلين إليه النفس وهي أبية ويجزع منه القلب وهو صبور
لجأ البارودي هنا إلى خاصية التماهي ..أي أن الشاعر يتحول إلى ماهية والماهية إلى شاعر الماهية هنا تتم بين أبي نواس وطائر " العقاب " حين خلص من المطلع الغزلي إلى صورة تعبيرية كأنه يتحدث فيها عن نفسه حين شبه نفسه بأنثى عقاب " طوت ليلتين القوت عن ذي ضرورة "
نجد البارودي يصنع نفس الصنيع مع الفارق أن التماهي بينه وبين الحمام بدلا من العقاب كأنما يرمز بالحمام إلى نفسه يجاوب بعضه بعضا إلى الحنين فتحس أن الشاعر أصبح طائرا حماما ، والحمام أصبح شاعرا طائرا .
ولكن البارودي يأبى إلا أن يفضح نفسه فنجده في النصف الثاني يتماهى مع العقاب كما تماهى أبو نواس فيقول :
فلا عجب أن لم يَصُرْنيَ مَنْزل فليس لعُقابان الهواء وُكُور
وعلى حين يخلص أبو نواس من وصف العقاب إلى مدح الخصيب مباشرة بـ " حسن التخلص " الذي اشتهر به :
دعيني أُكَثِّرُ حاسديك برحلة إلى بلد فيه الخصيب أمير
نجد البارودي يخلص إلى الفخر بشجاعته وامتلاكه لمقاليد الكلام المزين بحكمة تتألف تألف الكواكب الدرية :
إذا أنا سرت فالأرض التي نحن فوقها مراد لمهري والمعاقل دور
فلا عجب أن لم يَصُرْنيَ مَنْزل فليس لعُقابان الهواء وُكُور
وقد جاءت " العقاب " عند أبي نواس مفردة وعند البارودي بصيغة " الجمع " ولم تأت عند البارودي بصيغة الجمع إلا لاستغراق النفي ... الأمر الذي يدل على زيادة جرعة الادعاء في تحوله إلى عقاب فلا عجب ألا يحتويه منزل لأن العقبان لا تحتويها وكور .
وضع البارودي شعره كله في مواجهة شعر القدماء الماضي .. ويأبى البارودي إلا أن يشير إلى انه ينظر إلى شعر القدماء كله وليس إلى أشعر ابي نواس فقط ... فنجده يعارض شعر الماضي في جملته فيقول :
فلو كنت في عصر الكلام الذي انقضى لباء بفضلي جرول وجرير
ولو كنت أدركت النواسيّ لم يقل أجارة بيتيـنا أبوك غيور
فهنا نرى عنصر القصد إلى المعارضة واضحا وباعتراف الشاعر نفسه
ومن خلال الأراء السابقة نصل إلى رأي مفاده أن البارودي أصيل في شعره ولم يكن مقلدا ، وهذا أفضل رد نرد به على أدونيس الذي زعم أن البارودي يسبح في أمواج العرب القدامى ولم يكن أصيلا .

التوقيع


ما أجمل أن تقابل قبل الفجر
تبتعدين
تتعرين
تقتربين
تتحدين
يتساقط عرقي ما أروع أن نتقابل كل مساء
أصبو
أحنو
أترنح
يتبلد عرقي تبتسمين ما اجمل أن يولد الطفل الآن

asoka غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


الساعة الآن: 03:17


Powered by vBulletin® Version 3.6.8, Copyright ©2000 - 2008, Tranz By Almuhajir
جميع الآراء والتعليقات المطروحة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع
SudaBest.net SudaBest.net

Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0 RC5

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103