فمن لم يكن له نفس مؤمنة ، وعقل راجح ؛ فإنه يتحرك ويندفع مع أهوائه
العدل والإنصاف
وما أدراك ما العدل والإنصاف أمر عزيز ، ثقيل ، لا تطيقه إلا النفوس المؤمنة الخالصة ، المخلصة ، إذ في النفوس من الأهواء ، ومن شوائب البغضاء والعداء ، ما يحملها على ظلم من تخالفه بل على الظلم أحياناً بصورة عامة إذا كانت تريد تحصيلاً لمصلحتها أو تحقيقاً لمنفعتها
والله - جلّ وعلا - يقرر تقريراً عظيماً في هذا الدين { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } ، ذلك هو أمر الله بالعدل على إطلاقه في كل حال ، ومع كل أحد ، وتحت كل ظرف ، فإن العدل قيمة مطلقة وهو من أسس هذا الدين ، ومن أخلاقه العظيمة ، ومبادئه الرائعة البديعة ، ومن هنا جاء قول الحق سبحانه وتعالى : { ولا يجرمنكم شنئآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب لتقوى } .
لا يحملنكم بغض قومٍ على أن تظلموا وتحيفوا عليهم ولو كانوا من الأعداء ومن غير المسلمين ، فكيف بغيرهم من المسلمين ؟
وذلك أمر مهم ؛ فإن أحوال الفتن والأزمات تثير الضمائر ، وتشعل نيران الأحقاد ، فمن لم يكن له نفس مؤمنة ، وعقل راجح ؛ فإنه يتحرك ويندفع مع أهوائه ويقع في الظلم الذي حرمه الله - عز وجل - كما ورد في حديث أبي ذر - القدسي - عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال : ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرم فلا تظالموا ) .
وكم من قضية تستطيل فيها الألسنة ! وتتحرك فيها الأهواء لتكون حينئذٍ ظلماً محضاً ، ولننظر مرة أخرى إلى مواقف خلّص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ..
في تلك الحادثة - حادثة الإفك - وفي هذه الرواية عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - المقربين منه ، قالت عائشة في روايتها : فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله فقال : يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيراً ، وأما علي - رضي الله عنه - فقال : لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك ، فسأل النبي بريرة - جارية عائشة - فقالت رضي الله عنها : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمسه عليها إلا أنها كانت جارية حديثة السن تعجن العجين فتنام عنه فتأتي الداجن فتأكله ..
أولئك قوم لم يكن لأحد منهم أن يحكم ولا أن يجور في حكمه بل حموا أنفسهم ، وتوقفوا عند حدودهم ، وأحسنوا ظنونهم .. ورحم الله أبا أيوب الأنصاري عندما نقلت له أم أيوب ما يقال ويشاع ، فقال : يا أم أيوب أكنتِ فاعلة
قالت : لا والله ، فقال : فلعائشة خيرٌ منكِ ، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرٌ مني .
ذلكم هو الإنصاف والتدرج ، أن تضع نفسك موضع من أرسلت عله سهام التهم بغير بينة أو برهان ، وأن تتحرى أن لا تكون مجرماً ، معتدياً ، حتى وإن كان المخطئ قد وقع في خطئه وثبت خطئه ؛ فإن حكمنا عليه ينبغي أن لا يتجاوز حدود الخطاء وإلا كنا عادلين فيما حكمنا عليه من خطئه وجائرين فيما زدنا عليه مما لم يثبت له وذلك هو الأمر الذي لا بد منه .
ومن روائع ذلك العجل والإنصاف الذي لا يكون إلا مع شدة التحري والإيمان والورع ما كان من أم المؤمنين زينب ، وما أدراك ما زينب ! تقول عائشة عنها هي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي هي المنافسة التي قد يكون بينها وبينها شيء - فسألها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيراً ..
لم تنتهز فرصةً لتشفي غليلاً ، ولن تستجب لهون قد يكون داعياً في النفس بطبيعته لمن ينافس أو يكون في ذات المرتبة .
قالت عائشة رضي الله عنها : " كانت هي التي تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع
، وأما أختها - وهي حمنة بنت جحش - فخاضت وكانت تحامي وتسامي عن أختها فهلكت فيمن هلك " .
فانظروا صاحب الشأن ترفع واستعلى ، وعدل وأنصف ، وتورع وأخلص ، وغيره فاته ذلك فوقع وأخطأ وجار في حكمه وذلك ما ينبغي أن نتنبه له .
ثالثاً : الإخلاص والتجرد
فإن الأزمات يتأكد فيها الإخلاص لله عز وجل والتجرد من المصالح والمنافع الذاتية ، والارتباط بمصالح الأمة والمصالح العامة ؛ فإنه من غير المقبول مطلقاً أن يكون هناك أتباع لأهواء النفوس ؛ لتحصيل المكاسب أو لأخذ المنافع الذاتية وفوق ذلك إغضاء ، وإعراض ، عما قد يترتب على ذلك من مضرة في المصالح العامة فلا بد من الترفع عن الأهواء ، والبعد عن حب الظهور ، والابتعاد عن الانتصار للنفس ، والتشفي وكم في مواقف الصحب الكرام - رضوان الله عليهم - ما يدل على سمومٍ في هذه المعاني .
منقول
| التوقيع |
|
[blur] مشيت معاك كل الخطاوي الممكنة .. وبقدر عليها وبعرفها .. ... [/blur] |
|