فجأة و بدون سابقة إنذار و بدون معرفة مكان و سبب نشوء هذه الظاهر الغريبة انطلق اسم (هيثم) في ذلك الوقت كالنار في الهشيم من بين شوارع و أزقة و حواري (السودان) عموماً، الجميلة منها و العويصة وسط كميات من الزغاريد و التهليلات و التبريكات و الأماني بحياة عصرية فريدة لكل مولود يطلق عليه اسم (هيثم). و أصبح الكل في ذلك الوقت يتمنى أن يرزق بولد عشان يسميهو (هيثم). و أصبحنا عندما نسمع اسم (هيثم) تقوم عقولنا الصغيرة و المغلوبة على أمرها برسم صورة ولد وجيه و جميل و لذيذوني و مسمسم و شعرو طويل و ناعم - ممتلء الجسم و الوجه و الأرداف – نشأ و على فمه الدائري الصغير معلقة من الذهب الخالص أبو (واحد و عشرين قيراط) - يرقد و هو خالف رجل على رجل على تل من القروش (يعني قام من نومو و لقى كومو محفوظ و عليهو بوسة) و أن الجميع بإختلاف أعمارهم و ألوانهم و سحناتهم هم تحت تصرفه متى ما شاء و متى ما أراد - يأمر فيطاع - يضحك فيضحك الكل من حوله - يبكي فتجد الدموع قد سالت لبكائه.
و مع ظهور اسم (هيثم) ظهرت و لأول مرة بالسودان ما يسمى بالطبقات (الناعمة) و تم لأول مرة أيضاً تقسيم (الأولاد) إلى قسمين (حناكيش و خناشير) – (ناعمين و خشنين) – (أسماك و قراميط) – (عصافير و صقور) – (فراشات و زنابير). الواحد يقول ليك :
و الله امس قابلت لي واحد ذي الليل شكلو كدا اسمو (هيثم)
شوف (الهيثم) اللذيذ داك!!!
انت قايل نفسك انك (هيثم)؟
و بمرور الزمن أصبح كل من يطلق عليه اسم (هيثم) يقوم بالتصرف على أرقى المستويات و يبذل و ينفق الغالي و النفيس على نفسه حتى يقال أنه اسم على مسمى. و هو أمرٌ كانت له نقاطه الإيجابية على البلد عموماً. و أصبح (هيثم) هو مصدر رزق لتجّار الأزياء و الأحذية و تجاّر الكريمات و الشامبوهات و المسوحات و الغسولات. و حدثت ثورة و نهضة تقنية عالية في مجالات الصناعة و أدوات المكياج و التجميل الرجالية و النسائية في كافة أرجاء السودان، امتدت آثارها حتى يومنا هذا و تم إفتتاح صوالين (الحلاقة) باحدث المستويات. و أصبح للشباب سياراتهم الخاصة و مصروفهم المدرسي اليومي و أصبحت الكافتريات تبتكر أحدث الطرق و الوسائل في صناعة الأطعمة إرضاء لهؤلاء (الهياثم) و حبيبات (الهياثم). و ازداد دخول العملة الصعبة للبلاد مع ظهور اسم (هيثم). كما انقلب الحال السوداني (180) درجة من شباب ذو مروة و حارة إلى شباب يقلب عليهم الطابع الناعم و اللين. و ظهرت أنواع شتى من أنواع الموضة في اللبس و الهندمة و حتى حلاقات الرأس.
أما فيما يخص الجنس الناعم فنجد الواحدة منهن تدفع نصف عمرها لمصادقة واحد اسمه (هيثم) :
يا بنات الما حب هيثم مفروض تاني ما يحب - (عند الافتخار بين البنات)
هو (هيثمك) دا (هيثم)؟ بالله عليك تعالي شوفي (هيثم) بتاعي (عند المقارنة بين البنات)
دا هيثم و الا كوم بعر – (عندما يطول لسان البنت)
دا هيثم يمشي على العجين ما يلخبطوش (عند الغزل العفيف)
هيثم حبيبي؟!!! دا ود يتاتي ذي قدلة جنا الوزين (عند الغزل الصريح)
تقول النظرية الشيء الذي يذيد عن حده ينقلب ضده – و أن دوام الحال من المحال. حيث و من الملاحظ أنه و مع تقدم العمر بهؤلاء (الهياثم)، اكتشفنا نحنا ناس (قريعتي راحت) اكتشاف خطير جداً، و هو أن هؤلاء (الهياثم) طلعوا فالصو و عبارة عن ماركة (صينية) لا تقوى على المنافسة. حيث نجد أن وجوههم الجميلة قد تغيرت شكلاً و لوناً و حجماً و حلت بدلاً عنها وجوهاً لا تكاد تعرف أولها من آخرها. و طلعت لهم جباه عالية و فواخير (دبل قبين). و تبدلت شفايفهم (الرقيقة) إلى براطيم (الياباني و التاباني). و عرفنا لأول مرة الصلعة التي تلامس حدودها الخلفية الضهر. و انقلب حال على هؤلاء (الهياثم) من أن (الناس) تسعى لمصادقتهم إلى (أنهم) يسعون لمصادقة الناس. و في نهاية و بالعربي الفصيح كد " بقت منهم جفلة". و تم تهميش و مقاطعة هؤلاء (الهياثم) من جميع قطاعات المجتمع.
بعد استمرار التهميش و المقاطع لكل من يسمى بـ (هيثماً) و عندما لم يتقبلهم المجتمع، شكلوا هؤلاء (الهياثم) مليشيات لا بأس بها لإسترداد حقوقهم المسلوبة. حيث نجدهم أنهم قاموا بالإستنجاد بالجانب الرياضي حتى يلفتوا إليهم الأنظار، فتجدهم في الدور الممتاز يشكلون ربع الفريق - الواحد فيهم (وشو) يلعن (قفاه). و البعض الآخر (دقش) دوري الدرجة الأولى و نال نصيبه منها.أما فرق (الحواري) فحدث و لا حرج :
الكورة عند هيثم (دنقلا) و يديها لي هيثم (أم بدة) - هيثم (أم بدة) ماشي و لسة ماشي و يديها بطريقة حلوة للجناح الشمال اللي هو هيثم (المنشية) الذي يقوم بترقيص هيثم (التونسي) من الفريق (الآخر). و يشوت كووووورة جميييييييييلة تلج الشباك من تحت أقدام هيثم لاعب فريق (الآخر) معلنة الهدف الأول.
دا كلام يا (هياثم) خربتو علينا (أولادنا) و عايزين تخربو علينا (كورتنا)؟
هسي كورتنا دي ناقصة ليها (هياثم) كمان؟.
بالنسبة لي أنا فقد واجهتني مشكلة مع هؤلاء (الهياثم)، و هي و عند ولادتي حلفت خالتي (السعدية) (بالتقطعها) إلا تقوم تسميني (هيثم)،تيمناً بي (هيثم) (ود اللقية جارتنا)، مما أدى إلى موجة من الاحتجاجات من جانب كل من خالي (بلة) و عمي (منصور) الذي قال قولته المشهورة: علي بالطلاق لو الود سميتوهو (هيثم) إلا أشيلو أرميهو لي كلبة الجيران. لكن خالتي (السعدية) الله يحفظها لينا أصرت و ألحت على ان يسموني (هيثم). و كادت أن تقع معركة تسيل فيها الدماء. و تم تدارك الأمر بعقد صلح بين (عمي منصور) و (خالتي السعدية) على أن يتم البت في هذا الموضوع بعد أن يمر الأسبوع الأول على (ولادتي). لكن لحكمة يعلمها الله اننى لم استطيع أن أفتح عيوني إلا بعد مرور (خمسة) أيام من (ولادتي) و بعد أن كادوا يفقدون الأمل في (عيوني). فما كان من خال بله إلا و أن قال:
الحمد لله انو الولد فتح (عيونو) - هسي بالله عليك يا (السعدية) دا شكل واحد يسموهو (هيثم) ؟ و الله دا لايق عليهو اسم (يعقوب)
خالتي : هيثم و بس
عمي منصور : فيفيد ما في غيرو
مرت الأيام و الناس تناديني بي (أبو عفان) و خالي بلة يناديني بي (يعقوب) و خالتي السعدية تناديني بي (هيثم) و عمي منصور يناديني بي (فيفيد القرد). و لكي أقوم بترضية (خالتي السعدية) أطال الله عمرها، فقد اتجهت لشلة (الهياثم) بالحي (الأمامي) برفاعة و عملت ليهم غسيل مخ، لحدي ما أقنعتهم أن اسم (فيفيد) دا هو اسم من أسماء (الهياثم) النادر. ثم دخلت المدرسة (الابتدائية) و أنا ملتصق ب (هياثم) الحي (الأمامي).
و لكن عند دخولنا للمرحلة (المتوسطة) أدركت كم هو صعباً أن تكون (هيثماً) : حيث كنا لحظة خروجي من (درس) العصر بعد صلاة (المغرب) مع (هياثم) الحي (الأمامي) نجد أن (الخور) الذي يقبع أمام مدرستنا مليء (بالزنابير) من ذوي الحجم العائلي في انتظار هؤلاء (الهياثم) لغرض السلب و النهب و لأشياء أخرى أدرك البعض منها و أجهل الكثير منها أيضاً. كان هؤلاء (الهياثم) يحتمون بي برقم أحجامهم (الضخمة) و كنت أنا أدافع عنهم برغم جسمي (الهلفوت) و عضلاتي (المنيلة بستين نيلة) :
أذكر عن خروجنا في ذلك اليوم بعد صلاة المغرب و عند حلول الظلام، برز لنا أربعة (الزنايبر) من أواسط ذلك (الخور) المشهور، و كان في معيتي عدد (3) (هياثم) و أنا (رابعهم). و برزت السكاكين و تم اتهامي (بالهيثمية) فما كان مني إلا و ان قلت لهم :
هوووووي يا انتو و الله انا اسمي (فيفيد) – و الله اسم (هيثم) دا من ما قمت انا (بكجنو) و ما بريدو
زنبور : كدي تعال لي هنا خلينا نشوفك شكلك (هيثم) و الا حاجة (تانية)
انا : و الللللله يا (شجعان) انا (فيفيد) و حتى بقولوا لي (فيفيد القرد)
زنبور آخر : لالالا انت حا تكون (هيثم) من (الهياثم) لأنك قاعد تمشي (معاهم)
انا : يا جماعة و الله انا من (حي البهلة) و هم خاتني (لغم) للجماعة ديل
زنبور آخر : (لغم) كيف يعني؟
انا : (اللغم) معناهو (الدسيسة) عشان اعرف تحركات هؤلاء (الهياثم) و اوصلها لجماعة (البهلة)
الزنبور الأول : هاتولي (فيفيد القرد) دا خلوني اشوفو و اتمعن في (وشو)
بعد مرات يكون من المفيد جداً ان تستخدم طرق ملتوية للدفاع عن نفسك و هو ما تحلله الحروب و المعارك. و لكي تكتب لي النجاة من هؤلاء القوم (السيئين) فقد كانت طريقتي للدفاع عن نفسي هي "كرعيني الطويلة" التي لم تخزلاني أبداً في أي معركة أخوض فيها. لذا و عندما (هم) هؤلاء الزنابير بالقبض علي لتحديد هويتي ما إذا كنت (هيثماً أم لا) ، فما كان مني إلا و أن أطلقت العنانان لساقي الطويلتان. و خلال خمسة ثواني كانت ريحتي في الأرياح ما في.
صباح اليوم التاني أطلقت سيل من الشائعات التي تقول أن اسم (فيفيد) هو اسم لنوع نادر من (القرود).
دا كلو هين بس الحاجة الغريبة انو نحنا ما سمعنا لينا لحدي هسي بي واحد اسمو (هيثم) بقى (وزير) و الا بقى شخصية (كبيرة) اللهم إلى لاعب (كورة)
فيفيد
في 23/03/2005م
مع الإعتذار للأغنية