قال لي أحد الأطباء:
إن الجسم دولة حديثة.. عصرية.. كأحدث ما تكون الدول المعاصرة.. فحينما تدخل الجراثيم متسللة أو مقتحمة أي جسد لأي إنسان.. ماذا يحدث..؟ هناك أجهزة إنذار منتشرة في الخلايا بطول الجسم وعرضه.. هذه "الرادارات" مهمتها أن ترسل إلى أجهزة مقاومة الجراثيم والمتسللين.. معلنة عن مكان الاختراق.. ليس ذلك فحسب، وإنما لأجناس المخربين وأسلحتهم.. وتتحرك الكرات البيضاء نحو المنطقة المخترقة حاملة الأسلحة المضادة المناسبة. ولا تبدأ القتال قبل محاصرة المخربين وتطويقهم.. لتطمئن إلى عدم تسرب العدو المهاجم إلى داخل الجسد فيحدث ارتباكاً أو يتحول إلى طابور خامس.. يمزق الجبهة الداخلية التي يجب أن تظل صامدة.. ويبدأ الحصار ثم القتال، ولا تنتهي مهمة المقاومة عند قتل المخربين والقضاء عليهم.. بل لابد من طردهم من الجسد موتى أو مهزومين في شكل "تقيحات" يقذف بها الجسد خارجه!!
والدعاة في الإسلام.. هم الذين يتصدون لجراثيم الخرافة، والخزعبلات التي تقتحم جسم المسلمين بين الحين والحين، وعلى امتداد القرون.. لكن الجرثومة الكبرى التي نفثت سمومها في المسلمين ولم تفلح المقاومة في حصارها هي جراثيم التصوف، والصوفية.. فقد تفشت في أجساد المسلمين، وأرواحهم، وراحت تعيث فساداً، وهم في نشوة بها.. يترنحون ويرقصون ويتلوون على نغمات دفوفها ومزاميرها، ويحاول الدعاة أن يحاصروها أو يوقفوا عدوانها على بقية أعضاء الجسد لكن الحقيقة تقول إن الدعاة إذا ما حاصروها في عضو تسللت إلى بقية الأعضاء.. وتحصنت فيها وحشدت هي المناطق التي تصيبها لمقاومة الدعاة.. تماماً كالجراثيم التي تنتظر الدواء.. لتتربص به وتقضي عليه حتى تظل وحدها منفردة بالجسم الذي ابتلى بها!!
والمكروبات الصوفية تمكنت من جسد المسلمين.. وزيفت عليهم الإسلام، وهي ميكروبات لا تؤثر على منطقة دون منطقة.. فأخطر ما فيها أنها تفتك أول ما تفتك بالقلب.. ثم البصر.. ثم السمع.. ثم تطرد العقل نهائياً وتبقى هي مسيطرة تصنع للقلب ما يخفق به، وللبصر ما يراه، وللسمع ما يسمعه.. في سلسلة من الأوهام لا تنتهي.. حلقات متصلة.. الأصل فيها التخلي عن العقل.. والرضوخ الكامل المصحوب بنشوة اختراق الحدود والسدود الموهومة فيرقص المريض ما شاء له الرقص.. أو يترنح ما حلا له الترنح متصلاً بالكون أو منفصلاً عنه.. ظاناً أنه أوتي ما لم يحظ به الأنبياء والرسل، واقترب وهو على الأرض من ملكوت السماء!
مخالفاً بذلك لب "أصدق الحديث" متباعداً عن "هدى السنة" مدعياً أن المسلمين وقفوا عند حدود العبارات الجامدة.. أما الصوفي فقد اجتاز هذه الحدود على أجنحة الحب أو الانفتاح الكوني الإلهي الذي خصه به الله، وقد يتمادى بعضهم ويزدهيه انبهار الناس به فيمضي في الضلال يرفض أن يصلي كما يصلي الناس.. أو يتوضأ كما يتوضأ الناس، وذلك لنه عرف ما لا يعرفه الناس، والذي لا شك فيه أنه كلما استبدت به "فيروسات" الصوفية كلما أمعن في هذه المخالفات التي لابد أن تنتهي بصاحبها إلى الضلال البعيد!!
ويحاول الدعاة في كل عصر، وفي كل مصر التصدي لهذا المد الهمجي لكن محاولاتهم الشريفة.. كثيراً ما تستشهد على عتبات هؤلاء العتاة الجبابرة الطواغيت.. فهم يسيطرون على مريديهم، وأتباعهم بأساليب رهيبة لم تصل إليها أساليب أكبر الدول الحديثة في تجنيد العملاء، والجواسيس في مخابراتها!!
والدكتور محمد جميل غازي فيلق وحده من فيالق مقاومة الصوفية، ورائد من دعاة التوحيد.. وهو لا يقف بجهوده عند الدعوة في مسجد العزيز بالله "المركز الإسلامي لدعاة التوحيد والسنة" ولا في الجماعات الأخرى التي يرأسها أو التي تدعوه لإلقاء محاضراته.. لكنه وهذا ما يتميز به – يتخذ من هذه الدعوة، وتلك المقاومة أسلوب حياة، ونمط معايشة يعيشها لرسالة التي وهب نفسه لها!!
فهو إذا دعي إلى حديث في الإذاعة ظل يدفع الحديث في حلاوة وطلاوة ويسر وسهولة إلى أن ينشب أظافره في الصوفية، والصوفيين حتى يجردهم من زيفهم، وإذا تحدث إلى صحيفة من الصحف أراد محررها أو لم يرد أخذ الحديث صوب موضوع عمره، وهدف حياته.. محاربة البدع، والضلالات، وتحدث عن الصوفية وعن تخريبهم لعقليات المسلمين.. وهو يقول ذلك في ذكاء يحمل الصحفي على النشر، ويربط الجريدة بقرائها ويرغم المذيع أو صاحب البرنامج على مواصلة الحديث معه.. لأن المستمعين يمطرونه برسائلهم التي يطالبون فيها باستضافة ذلك المتحدث مراراً وتكراراً.
وبعضهم قد يأخذ على الدكتور محمد جميل غازي إسرافه في هذه الناحية، وتجاوزه كل حد في حماسه، وتكريسه جهده لمقاومة الصوفية والصوفيين.. كأنما الدنيا خلت من كل المشكلات إلا هذه المشكلة!!
والحقيقة أنني كمسلم أرى أن هذا الرجل هو النموذج الحي للداعية.. ذلك الذي تحولت كل قطرة دم فيه إلى رسالته التي وهب نفسه لها.. فهي ليست عنده وظيفة ينتهي الحماس لها بانتهاء ساعات العمل أو هواية يمارسها في أوقات فراغه إنها عنده فوق كل ذلك.. فهي الهواء الذي يتنفسه، وهي الحياة التي يحياها، وهي الأمل الذي يعيش من أجله، وهي نهاره وليله، وشغله الشاغل.. ومن أجل ذلك كان الدكتور محمد جميل غازي يتميز عن بقية الدعاة ويختلف عنهم.. لا أقول خيرهم.. أستغفر الله.. ولكني أقول غيرهم، وله مذاق خاص ولعباراته طعم قد لا تجده عند غيره إذا قالها غيره!
ولهذا كله مجتمعاً ومنفرداً.. كان في استطاعة هذا الرجل اجتذاب مئات وآلاف القلوب إلى رسالة التوحيد، ونبذ الخرافات، والخزعبلات، وفي مقدمتها الصوفية، وهي ليست بالمهمة السهلة، لا سيما اجتذاب الغلاة في "القبورية"، والصوفية.. وكاتب هذه السطور كان واحداً منهم.
إن اجتذاب كافر أو صاحب دين كتابي غير الإسلام.. إلى الإسلام أيسر بكثير من تصحيح عقيدة مسلم قبوري أو صوفي.. ذلك لأن القبوري أو الصوفي يتحصن، ويعتصم بالجهل الذي يعيش فيه، وهو يظن أنه وحده الذي يخوض بحار الأنوار التي كشفت له دون سائر البشر.. أما دعوة التوحيد فهم قساة غلاظ.. لم يصلوا بعد إلى شفافية الصوفية "وهلاوسهم".
ختاماً أريد أن أقول: إنه لزاماً عليّ وَرَداً لما أسداه إلي الدكتور
يتـــــــــــــــبع
.. ويكفي أنه كان سبباً مباشراً في تصحيح عقيدتي.. وحرصاً مني على أن يستفيد غيري من بقية المسلمين، وأن يعودوا إلى تصحيح عقيدتهم بالتوحيد.. ومساهمة مني في جمع جهوده المبعثرة أشتاتاً، والتي نختصم مراراً من أجلهم، وأني أشهدكم أيها القراء عليها.. أقحم نفسي عليه وأجمع هذه الأحاديث الصحفية التي أدلي بها في مناسبات مختلفة في "القاهرة" وفي دولة "عمان"، وفي "السعودية".. وكلها تدور حول الصوفية، والصوفيين.. وأحاول بجهد متواضع أرجو أن يوفقني الله فيه.. تبويبها، وإعدادها حتى تعم فائدتها، ويسهل تداولها راجياً من الله القبول والثواب.
كيف .. ولماذا ..
تجتذب الصوفية الجماهير ؟!
إن شغف الناس بالأساطير، وولع الجماهير بالأمور الغيبية التي يسمعون أن بعض الآدميين سيطروا عليها، وأخضعوها لرغباتهم.. هذه الأخبار تستولي على وجدانهم وتترسب في أعماق النفسية الجماعية لهم، وتكمن داخل كل فرد.. لا إيماناً فقط بالمكشوف عنهم الحجاب، ولا حباً لهم.. ذلك الحب الذي يفوق كل تعصب.. لكن لرغبات تنطوي عليها جوانحهم.. فلا يستطيعون الكشف عنها!!
تلك هي آمالهم في أنهم قد يملكون يوماً ما هذه القدرة! مادامت قد منحت لبشر مثلهم لا يزيدون عنهم باصطفاء، ولا باجتباء فهم من آباء مثل آبائهم، وأمهات مثل أمهاتهم، ويركز هذا الأمل في أعماقهم، ويدعمه أنهم يسمعون من شيوخهم.. أن ذلك ليس ببعيد أن يصيبهم.. بشرط واحد هو أن ينصاعوا، وأن يذعنوا، وأن يقدموا مزيداً من الطاعة لشيوخهم، وكثيراً من الهبات الدسمة، وأن لا يتوانوا عن ترديد هذه الخزعبلات.. فكل هؤلاء الأقطاب.. كانوا مثلهم مريدين صغاراً.. ثم تدرجوا!!
النفسية الجماعية المريضة هي الأصل !!
إن واقع النفسية الجماعية.. عند هؤلاء الذين يسقطن صرعى في أيدي المتصوفة يقرر أنهم نفوس عاجزة متهورة.. ضلت الطريق إلى السند الأول والأخير.. وهو التوحيد، والإيمان العميق بالله وحده، وبرسوله r، وحينما التمسوا غير الله سنداً ازداد عجزهم، وسألوا غيره أمناً فازدادوا خوفاً، ولجئوا إلى سواه هرباً من القلق فازدادوا جنوناً!
هؤلاء يتحولون إلى مجانين اكتمل جنونهم بكل المقاييس.. مطحونين بين آمال دفينة في كياناتهم لا تتحقق.. ليس هذا فقط، وإنما يحذرون أن يكشفوا عنها.. فلابد أن يظهروا الزهد.. ورغبات ظنوا أنها باتت على أطراف أناملهم، فإذا بالأيام تمضي دون أن ينتهي بهم الطريق إلى شيء!
ويزداد تعلقهم بشيوخهم.. موتاهم وأحيائهم.. يقطعون الليل في تلاوة الأوراد، ويلهثون نهاراً جرياً خلف مسيرة الأقطاب! تمزقهم اللهفة، وتسحقهم الحيرة.. يسألون هل أصبحوا من الواصلين؟ ومتى يضعون قبضتهم على أسرار الكون؟ فيحولون التراب إلى ذهب؟ ويأكلون الأطعمة اللذيذة، ويتزوجون الجميلات؟
وسياط الأمل في الوصول تطاردهم، وإغراءات المشايخ تدفعهم.. وهم يتساقطون من الداخل يوماً بعد يوم.. حسرة على أحلام بدا واضحاً أنها لن تتحقق، وأوهام أصبحوا أسرى قيودها.. تزداد حلقاتها ضغطاً كل لحظة.. وقنوط امتزج بجثة رجاء مشلول.. يموت قطعة بعد قطعة!
فيتحولون إلى المرحلة الثانية.. محاولة إدراك الآخرة مادامت الدنيا قد أفلتت منهم، وحتى هذه ليست عن إيمان خالص، ولكنها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. ثمناً للعمر الذي ضاع في أوهام، وضح بعد فوات الأوان أنها كاذبة.
بعضهم تتخلخل صلته بمشايخه في هذه المرحلة، ويفلت إلى كل موبقات الدنيا.. يعب منها قبل أن يفقد القدرة حتى على ارتكاب المعاصي.
وبعضهم يزداد التصاقاً بالشيوخ، والتمرغ تحت أقدام الأقطاب.. أملاً في الآخرة، فهو لا يريد أن يخسر الدارين، ويزداد جنوناً ويستغرق في أحلام اليقظة، ويقبل على التلفيق، وفي زحمة عشرات النوازع التي تنتابه يهرف أو يخرف.. فينسب لنفسه كرامات يلفقها أو يتخيلها.. صيانة لنفسه من الضياع.
تلك هي مرحلة الانسحاق الكامل لهذا الإنسان المحبط.. الذي أعطى حياته للأوهام.. فليس أماه إلا أن يغرق فيها ليستريح.. فيهيم ضالاً ومضللاً.. ينسج الخرافات، ويستمع إليها ويفلسفها ويبررها ويطرب لها.
ذلك لأن الالتواءات النفسية التي انتابته قوضت الكثير من أركان سلامته النفسية.. فلم يعد سليماً ولا سوياً.. وإلا فكيف يقبل مثل هذه النصوص التي لا يقرها غير مجنون محترف مكانه مصحات الأمراض العقلية.. هل يمكن أن يستمع عاقل إلى أن الرفاعي التقى "بالسيد البدوي" فقال له: أريد المفتاح؟ فرد عليه بأن بين يديه مفاتيح الشام، والعراق، ومصر، والهند، والسند فليأخذ ما يريد.. لكن "الرفاعي" قال: لا آخذ المفتاح إلا من يد الفتاح.. (وهذا سجع ممجوج من سجع أيام انحطاط لغة الكتابة في العصر المملوكي) فقال له: اذهب إلى مكان كذا سوف تجد يداً هابطة من السماء تحمل المفتاح فخذه.. وذهب "الرفاعي" فوجد اليد فقبلها وأخذ المفتاح.. ثم عاد إلى "السيد البدوي" فقال له "البدوي": هل تعرف اليد التي قبلتها؟ قال: نعم.. فمد له يده فوجدها هي.
هذه القصة الساذجة المتناهية في السذاجة، وهي تهدهد الوجدان المعطوب لا يمكن أن يطرب لها سوى الإنسان المريض وجدانياً وعقلياً، ومن المستحيل أن يقتنع بها أي إنسان – إذا إذا كان مبيتاً النية – على أن ينتهي إلى هذه القدرة الخارقة يوماً ما.. حتى ولو لم يعلن عن ذلك.. وقد تمتلئ أعطافه بهذه الرغبة من وراء ظهر عقله الواعي.
ولما لم يكن من حقه أن يحسد الذي نالها أو يحقد عليه فهو يندفع عاطفياً نحوه.. يتوله في حبه، ويتفانى في الالتصاق به عساه أن يكشف له ذلك القطب يوماً ما عن الأسرار!
وهكذا تدور طاحونة الصوفية.. تطحن الشيوخ والمريدين.. يطحن بعضهم البعض، ويفسدون المسلمين السذج جيلاً بعد جيل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!!
يتبع
ماذا في هذا العالم الغامض.. الصوفية ؟!
كيف يمشون على الماء ويطيرون في الهواء ؟!
هل هي بقايا مجوسية؟ وبوذية؟ ويهودية !!
الشيخ والصحيفة.. أما الشيخ فهو الدكتور محمد جميل غازي، وأما الصحيفة فهي "تعاون الفلاحين" التي تصدرها دار التعاون للطبع والنشر بالقاهرة.
وهي الجريدة التي توشك أن تكون شبه رسمية لاشتراك أربعة آلاف جمعية تعاونية من جمعيات الفلاحين فيها وهم الذين يكونون ثلاثة أرباع الشعب المصري، وهم الأوتاد التي تجتاحها الصوفية والقبورية وتعتبرهم الطرق الصوفية المحطات التي تعمل ليل نهار.. بلا توقف وبلا انقطاع.. في تضليل الناشئين، والبالغين.. أما الكبار فقد تم منذ سنين إفساد عقائدهم وانتهى الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
والتاريخ هو على وجه التحديد أواخر شهر يوليه من عام 1975م، وهبطت الفكرة على رأسي.. الزميلين كمال فرغلي المحرر بدار التعاون وعبد الحميد الخواجة.. لقد بدا لهما، وهما يعملان في مجلة للفلاحين.. تدافع عن مصالحهم، وتهتم بالأرض، والصحة الزراعية، والجسدية.. أن يهتما أيضاً بالصحة الدينية، وتصحيح عقيدة هذه الملايين.. من قراء الجريدة.. وبعد أن وافق مجلس التحرير على اقتراحهما بشأن عمل سلسلة من الأحاديث حول الصوفية مع "الدكتور محمد جميل غازي" حاولا الاتصال به لإغرائه على الكلام، وهو واحد من الذين يهربون من التحدث إلى الصحفيين.. هروب الإنسان من الوحش المفترس.
ذلك لأنه هو ذاته كان يوماً ما ممارساً للصحافة.. ويدرك أنه مهما كانت درجة أمانة المحرر فهو لابد وبحكم الصنعة أن يضيف أو يحذف من حديث المتحدث.. وهو يتكلم في مسائل شائكة، والحذف أو الزيادة فيها.. قد يؤدي إلى جهنم.. وأخيراً وبعد أن اقتنع بأن إحجامه سوف يحرم الملايين من الفلاحين، وأن إقدامه سوف يتيح له أن يتحدث إلى أخوة له في صميم الريف لن يتيسر له أن يلقاهم أو يلقونه إلا بشق الأنفس.. امتثل من أجل محاولة شرف الوصول إلى الناس في دورهم، وجمعياتهم، وجلساتهم الخاصة.
ولقد أسعده أن يكتب إليه الكثيرون منهم، وزاد في سعادته أن يجيب على بعضهم في خطابات خاصة، واضطرت إدارة الصحيفة أمام سيل البرقيات، والتليفونات، والخطابات.. أن تمتد بالحوار إلى ثلاثة أعداد متوالية، وذلك قلما يحدث في أي صحيفة.. ثم اضطرت وتحت ضغوط الفلاحين والذين أبرقوا من كل مكان في أنحاء البلاد.. أن تواصل الحديث في أعداد أخرى تضمنت الردود والاستفسارات والتأييدات.. وكان ذلك بالنسبة للزميلين الصحفيين يعتبر عملاً صحفياً ناجحاً.. لا يتكرر في حياة أي صحفي.
ونحن إذ ننقل الأحاديث الثلاثة برمتها.. نتوخى الفائدة التي نرجوها من إعادة النشر، وتركيز جهود "الدكتور" المبعثرة.. أو بعضها.. وإليك التحقيقات الصحفية في الصفحات التالية.
الطرق الصوفية.. هذا العالم الغامض الذي تحيطه الأسرار وتتناقض من حوله الأحكام. ما هي رسالتها وكيف نشأت؟ ماذا يقول فيها المؤيدون والمعارضون؟.. هل هي بدعة افتريت على الإسلام لا تجد لها سنداً في كتاب الله وسنة رسوله كما يقول المعارضون؟.. أم هي الإسلام في شفافيته ونقائه كما يقول المؤيدون؟.. هل هي منهج وأسلوب في العبادة حافظ على الدعوة الإسلامية وساهم في نشرها كما يذهب المؤيدون؟ أم هي مجموعة من الأوهام والخرافات تعطي انطباعات خاطئة عن الإسلام والمسلمين وتتحمل المسؤولية التاريخية والحضارية في تخلف المنطقة الإسلامية كما يتهمها المعارضون؟.. هل هي ضرورة دينية لتقويم السلوك وإحياء الروح وهداية القلوب؟ أم هي دعوة للتواكل وتجميد ملكات الفكر والإبداع ساعدت على انحراف الشباب وهروبه من المجتمع ومن الدين ؟
ثم لماذا تتعدد هذه الطرق الصوفية بحيث بلغ عدد الطرق ذات الطابع الرسمي 66 طريقة بالإضافة إلى عشرات أخرى غير رسمية؟ وما هي أوجه الاختلاف فيما بينها وما هي نقاط الالتقاء؟
وهؤلاء الأجلاء مشايخ الطرق الصوفية مع ما نكنه لهم من احترام.. ما حجم سلطانهم الروحي على المريدين؟ ومن أين يستمدون هذا السلطان؟ وما مدى الحقيقة فيما يقول به بعض مشايخ الصوفية من أن البركة لا تأتي إلا بواسطة شيخ ينقل البركات إلى المريدين، وأن من لا شيخ له فشيخه الشيطان؟
قضايا قديمة اختلفت حولها الاجتهادات، وتصارعت حولها الآراء، تعبر عن نفسها بالحدة تارة وباللين تارة أخرى.. يصمت الجدل حولها فترة لينبعث من جديد.
إن "التعاون" تفتح باب المناقشة في هذه القضايا وتدعو لإجراء حوار صريح مفتوح وبلا حساسيات، يشارك فيه علماء الدين، ورجال الفكر لحسم هذه القضايا وبيان مدى ما فيها من حق وصدق تدعيماً للعقيدة الإسلامية.
وحول هذه القضايا كان "للتعاون" لقاء مع فضيلة الدكتور محمد جميل غازي إمام مسجد العزيز بالله بالزيتون ورئيس جماعة التوحيد، وكان لفضيلته آراء جريئة فيما طرحناه من تساؤلات، نستأذن قبل أن نعرضها في كلمة لابد منها عن رسالة مسجد العزيز بالله.
تقوم رسالة هذا المسجد أساساً على تعميق عقيدة التوحيد وتنقيتها مما علق بها من شوائب، والحرص على إقامة الشعائر التعبدية على أساس من السنة المحمدية الشريفة.. وينهج فضيلة إمام المسجد في خطبة الجمعة ودرس ما بعد الصلاة منهجاً فريداً يرتكز على تفسير وشرح آيات القرآن الكريم بالتتابع والتسلسل طبقاً لترتيب المصحف الشريف، ويتخذ منها منطلقاً لدعوته إلى التفهم الصحيح للإسلام، وترسيخ عقيدة التوحيد.. وهو منهج يلقى – للحق والأمانة – استجابة واسعة لدى جمهور المصلين، ومعظمهم من الشباب المثقف الذي يتزاحم داخل المسجد وخارجه، حاملاً معه أجهزة التسجيل.
كما يخصص المسجد درس الثلاثاء من كل أسبوع لشرح الأحاديث والسنة النبوية، وبيان ما بها من معان وأحكام.
كما ينظم المسجد مؤتمراً إسلامياً يشارك فيه الكثير من العلماء، ورجال الفكر الديني لمناقشة قضايا الإسلام وإبراز الحضارة الإسلامية.
ولندع الآن الحديث عن رسالة المسجد التي يلخصها فضيلة الدكتور محمد جميل غازي في عبارة واحدة يرددها دائماً وهي "أن يسلم المسلمون".. ولنستمع إليه يتحدث عن قضايا الصوفية.
يقول: إن الصوفية شيء والإسلام شيء آخر! ولا يقول باجتماعهما إلا من يقول باجتماع الظلمة والنور، والأسود والأبيض، والحق والباطل، والهدى والضلال!!
ثم يتساءل: هل وردت كلمة "صوفية" في كتاب الله؟ أو هل جاءت على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، رغم أنه صلوات الله عليه وسلامه لم يترك كبيرة أو صغيرة من أمر ديننا أو دنيانا إلا وتعرض لها؟! هل عرفها الصحابة رضوان الله عليهم؟ ولماذا نرفض تسمية الله، وهو تعالى يقول: { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ } [الحج: 78] الآية، ولماذا نسلك منهجاً لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، والله جل شأنه يأمرنا بقوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } [الحشر: 7].
الوحدة ضد التوحيد:
ونستوقف فضيلته لنسأل: وهي خرج الصوفية عن الالتزام بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أليس العكس هو الصحيح؟
إن الصوفية فيما نرى، ويرى معنا الكثيرون دعوة للتفاني في محبة الرسول الكريم والاقتداء به.. صحيح أن لهم بعض الشعائر الخاصة، ولكنهم يمارسونها تحقيقاً للسعادة، وابتغاء السمو بالروح ولمزيد من التقرب إلى الله جل في علاه.
ويجيب فضيلته في حدة: ليست هناك أرستقراطية في الإسلام، وليست هناك خصوصيات في دين الله.. وإذا كان الصوفية يقتدون حقاً برسول الله، فلماذا يدخلون على الإسلام ما ليس فيه، والرسول العظيم يقول: ”تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك“ وأمامنا قول الإمام مالك رحمه الله: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً r خان الرسالة، لأن الله جل شأنه يقول: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [المائدة: 3]).
ويستطرد د. جميل غازي قائلاً: إن الصوفية لم يكتفوا بالخروج على سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، بل إن عقائدهم تتصادم أساساً مع جوهر الإسلام.. فالصوفية يقولون بوحدة الوجود، ويرون أن الوجود حقيقة واحدة لا فرق في نظرهم بين الحق والخلق، وهو قول مضاد للإسلام وعقائده.
ولعل فضيلته قد لمح في نظرتنا غير قليل من الشك والدهشة.. فيقوم إلى مكتبته الحافلة ويعود منها بمجموعة مجلدات ويقول: هذه مجموعة من كتب أئمة الصوفية وشيوخها، تعالوا بنا لنتعرف على ما احتوته من أفكار حتى لا يقال أنني أشوه الحقائق، أو أحرف الكلم عن مواضعه، وتعالوا نقرأ ما يقوله (ابن عربي) شيخ الصوفية الأكبر في كتاب "الفتوحات المكية).. هاهو يعبر عن اعتقاده بوحدة الوجود بقوله: "سبحان من خلق الأشياء وهو عينها".
وأضاف قائلاً: ولما كان الله في نظر (ابن عربي) هو المخلوقات والمخلوقات هي الله فحينئذ تكون العبادة عنده متبادلة.. ويعبر عن ذلك بقوله:
" فيحمدني وأحمده ....
ويعبدني وأعبده " ...
ثم يذهب شيخ الصوفية الأكبر بعد هذا إلى القول بوحدة الأديان، لا فرق لديه بين سماويها، وغير سماويها فيقول في ذلك:
وقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فأصبح قلبي قابلاً كل حالة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
ويعلق فضيلته على ذلك بقوله: هكذا حارب شيخ الصوفية الأكبر عقيدة التوحيد الإسلامية بنظرية الوحدة التي قال بها واعتنقها وفتن معه بها أناس كثيرون.
ثم يواصل فضيلته عرض نماذج أخرى من أفكار أئمة الصوفية فيقول: إن "الجيلي" وهو من كبار مشايخ الصوفية – يعلن في صراحة أو وقاحة – أنه إله الكون الأعظم فيقول في كتاب "الإنسان الكامل 1/22":
لي الملك في الدارين لم أر فيهما
سواي فأرجو فضله أو فأخشاه
وقد حزت أنواع الكمال، وأنني
جمال جلال الكل، ما أنا إلا هو
إلى أن يقول:
وإني رب للأنام وسيد
جميع الورى اسم، وذاتي مسماه
أما "الحلاج" – وهو إمام من أئمة الصوفية – فإنه يقول في كتاب (الطواسين/34) :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
طبقات الشعراني والشذوذ بأنواعه !!
ثم هذا هو "النابلسي" يقول معقباً على قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10]: أخبر تعالى أن نبيه محمداً r هو الله تعالى وتقدس، وبيعته هي بيعة الله، ويده التي مدت للبيعة هي يد الله.. كما يقول في تفسير قول الله تعالى لموسى { } [طه: 13] بأن تكون أنت أنا وأكون أنا أنت !!
وقبل أن يمضي الدكتور جميل غازي في عرض نماذج أخرى لأفكار الصوفية ومعتقداتهم في وحدة الوجود نستوقفه لنسأل: ما لنا ولهذا الهراء الذي مضى وانقضى ؟ ولماذا نضيفه على حساب الصوفية ونبني عليه اتهامنا لهم بالتناقض مع الإسلام ؟
فيجيب: لأن الصوفية ما زالوا يتعبدون بهذا الكلام في مساجدنا ومازالت هذه الأفكار هي التي تسود حلقاتهم وأذكارهم، ويستشهد بأحد الأوراد الذي ينشده دائماً المنتسبون إلى الشاذلية والذي يعبر عن وحدة الوجود.
"اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أجد ولا أحس إلا بها".
ثم يضيف فضيلته بصوت تمتزج فيه السخرية بالمرارة بأن ما كتبه هؤلاء المشايخ بما فيه من خبل وهوس مازال حتى يومنا هذا هو الدستور السائد بين الصوفية الذي تستند إليه معتقداتهم، ويصوغ مناهجهم في العبادة، ويضرب على ذلك مثلاً بكتاب الطبقات الكبرى للشعراني.. ويقول: إنه كتاب متداول بين الصوفية يأخذون منه ثقافتهم ومعرفتهم بالله فماذا يحتويه هذا الكتاب ؟ دجل وخرافة ومجون وجنون.. وماذا عرض الشعراني في كتابه هذا عن أولياء الصوفية وكراماتهم؟.. لا شيء سوى الخرافة والشذوذ الجنسي والقذارة ثم يدعونا إلى جولة في هذا الكتاب لنرى الشعراني يصف أحد أوليائه فيقول:
وكان رضي الله عنه يلبس الشاش المخطط كعمامة النصارى وكان دكانه منتناً قذراً لأن كل كلب وجده ميتاً أو خروفاً يأتي به فيضعه داخل الدكان، فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده.
ثم يعقب فضيلته: بأن الشعراني لا يكتفي بهذا من كرامات سيده الشيخ فيضيف: إنه توجه إلى المسجد فوجد في الطريق مسقاة كلاب فتطهر فيها، ثم وقع في مشخة حمير.
ثم يواصل قراءة ما جاء بكتاب الطبقات عما يقوله الشعراني عن "أبي خوزة".. وكان رضي الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرداً (شاب بلا لحية) راوده عن نفسه وحسس على مقعدته سواء كان ابن أمير أو ابن وزير ولو كان بحضرة والده أو غيره ولا يلتفت إلى الناس.
ويقرأ عما يتحدث به الشعراني عن سيده (علي وحيش) فيقول: "وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة ويقول له أمسك رأسها حتى أفعل فيها فإن أبى شيخ البلد تسمر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوة".
ويعقب فضيلته على ذلك بقوله.. هذه بعض كرامات الصوفية المخففة التي تسمح الآداب العامة بذكرها دون أن نتعرض لنماذج أخرى فاضحة امتلأ بها كتاب الطبقات الكبرى للشعراني، وهو كتاب أطالب بإعدامه لما اشتمل عليه من خزي وتشويه للعقيدة.
زوجات الصوفيين أرامل !!
وكان لابد لنا من لحظة صمت لنسترد فيها أنفاسنا اللاهثة ونجمع فيها شتات أفكارنا التي تبعثرت أمم هذا السيل من الخرافة والخبل لكي نعود فنسأل: إذا ما تجاوزنا عن هذه الخرافات والأفكار المشبوهة التي جاءت يقيناً نتيجة لدسائس التيارات والفلسفات المعادية للإسلام، ألم تؤد الصوفية دورها – كما يرى الكثيرون – في خدمة الإسلام وحمايته في مواجهة الفكر الوثني المادي.
ويجيب فضيلته متسائلاً: كيف يمكن للصوفية أن تخدم الإسلام وهي تتعارض معه أساساً، ثم كيف لها أن تحميه وهي دعوة صريحة للتواكل والانعزالية بينما الإسلام دعوة للعمل والجهاد؟.. ثم يضيف أن الله جل شأنه قد استخلفنا في الأرض لنعمرها بإذنه ومشيئته والقرآن العظيم حافل بالآيات الكريمة التي تدعو للجهاد والتعمير بالحق والعدل والخير، والرسول الكريم صلوات الله عليه يدعونا للجهاد ويقود رايته، ويأمرنا بالعمل ويسبقنا إليه، ويقول صلوات الله وسلامه عليه في حديث شريف:
”إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (النخلة الصغيرة) فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها“.
ويضيف.. هذا ما يأمر به الإسلام ويدعو إليه، فبماذا تدعو الصوفية!؟ وماذا تطلب من المريد ليكون من الأولياء؟ لنقرأ مما يقوله الشعراني في كتابه (الطبقات) :
"لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، وأولاده كأنهم أيتام، ويأوي إلى منازل الكلاب".
ثم يعقب فضيلته متسائلاً: أليست هذه دعوة خطيرة لا تخدم إلا أعداء الإسلام؟ ألا نجد في هذه الدعوة تفسيراً واضحاً لما لاقته الصوفية من ترحيب وتشجيع من جميع الأنظمة الاستعمارية التي تعاقبت على المنطقة الإسلامية ؟
ثم ما الذي يتحقق إذا حصل المريد على واحدة من منازل الصديقين التي أطلق عليها الشعراني منازل الكلاب.. يقول الصوفية: تطوى له الآفاق ويصبح البعيد قريباً، أو بعبارة أخرى يصبح من أهل الخطوة أولئك الذين يطيرون في الهواء ويمشون على الماء..
ويعلق فضيلة الدكتور غازي بقوله: هذا هو أفك الصوفية.. إن العالم حولنا قد قطع أشواطاً بعيدة المدى في طريق التقدم العلمي والحضاري، وحقق انتصارات مذهلة.. وهذه هي آثار أقدامه فوق القمر وفي أعماق المحيط وفي كل مكان في أرض الله.. ونحن.. أين نحن ؟ تائهون غارقون نقنع بأن نقبع في زوايا ضريح، نردد التوسلات، وندعو أصحاب القبور لحل مشاكلنا، ونجتر ذكرياتهم في المشي على الماء أو الطيران في الهواء.. ويضيف: إن أي صوفي تلقاه مهما علا مركزه، وعلت درجته العلمية تجده إنساناً يعادي العقل والنقل والعلم والحضارة، ويردد شعار "مجانين ولكن على أعتابنا سجد العقل".
ثم يتساءل فضيلته: أليس في هذا كله تخريب لملكات التفكير التي فضل الله بها الإنسان على كثير من مخلوقاته؟ ثم ألا يعد ذلك مسؤولاً عن تأخر الأمة الإسلامية وإفساد عقول شبابها.
في الإسلام وحده السمو النفسي !
وهنا نقاطعه.. فقد كان لنا تحفظ هام.. أن الصوفية في رأينا لا تعادي العقل أو العلم بل إن كثيراً من أئمتها يحملون أرقى المؤهلات العلمية، وهذا وحده دليل على إيمانهم بالعلم ومعاناتهم في سبيله.. إنما هم فقط يؤمنون بأن العلوم التحصيلية أمور نسبية متغيرة، بينما الحقائق المطلقة تتجاوز طاقة العقل البشري، ولا تتاح إلا لمن صفت نفسه، وأشرقت روحه، وتلقى مدداً إلهياً يعبرون عنه بأنه نور يقذفه الله في القلب، وهو أمر لا ينكره المؤمنون الذين يوقنون بالغيب.
ومن ناحية أخرى قد يكون هناك ما يبرر وجهة النظر التي تتهم الصوفية بالتواكل والسلبية، فمما لا شك فيه أن الصوفية قد علقت بها كثير من السلبيات والشوائب سواء عن جهل أو عن سوء قصد.
ومما لا شك فيه أيضاً أن بعض الفرق قد تجاوزت الحق والصواب في ممارستها للتجربة الصوفية.. ولكن يبقى السؤال الهام: إن التصوف في جوهره دعوة لإحياء الروح، ومنهج لمجاهدة النفس والسمو بها.. أفلا يعتبر ذلك عاملاً إيجابياً يستحق التزكية والإنماء.
وكان للدكتور غازي رأي آخر:
يقول: "إن إحياء الروح، ومجاهدة النفس، والارتقاء بها، هي أمور من صميم ما يستهدف الإسلام ويدعو إليه، كما أن التخلق بأخلاق القرآن الكريم وسنة الرسول هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك، فكيف نلتمسه عند الصوفية وهم يتجاوزون أصلاً ما جاء بكتاب الله وسنة رسوله، ويؤمنون بعقائد تتصادم مع ما يدعو إليه الإسلام".
ومضت أكثر من ثلاث ساعات والحوار يستمر وتتصاعد درجة حرارته والأستاذ غازي يمضي في إطلاق قذائفه الثقيلة على أفكار الصوفية ومعتقداتها.. ولكن يلح علينا سؤال هام: إذا كانت الصوفية كما يتهمها فضيلته تتناقض مع الإسلام وتتجاوز عن السنة الشريفة.. فكيف يمكن تفسير ما نسمعه وما يؤمن به الكثيرون من كرامات أولياء الصوفية وشفافيتهم؟
ويجيب: أية كرامات، وأية شفافية.. إن ما يتحدثون به من كرامات ما هي إلا أوهام يخدعون بها البسطاء لكي تمتلئ صناديق النذور بأموال الضعفاء المخدوعين، ويضيف: تعالوا بنا نستعرض كراماتهم المزعومة كما يتحدثون عنها بأنفسهم ويفتح كتاب "الطبقات الكبرى" يقرأ لنا ما يرويه الشعراني بلسان أحد أوليائه: "أشهدني الله ما في العلا وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء وأنا ابن تسع سنين، ورأيت في السبع المثاني حرفاً معجماً حار فيه الجن والإنس ففهمته وحمدت الله تعالى على معرفته، وحركت ما سكن، وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى: وأنا ابن أربع عشرة سنة".
ثم يقرأ ما يقوله الشعراني عن الشويمي: "ومرض سيده مدين (رضي الله عنه) مرة أشرف فيها على الموت فوهبه من عمره عشر سنين ثم مات في غيبة الشويمي فجاء وهو على المغسل، فقال: كيف مت؟ وعزة ربي لو كنت حاضرك ما خليتك تموت، ثم شرب ماء غسله كله".
"الكواكب الدرية" يقرأ لنا الدكتور جميل غازي ما يؤكده (المناوي) من أن للصوفيين أنواعاً من الكرامات:
النوع الأول منها: إحياء الموتى وهو أعلاها، فمن ذلك أن (عبيد اليسرى) غزا ومعه دابة فماتت فسأل الله أن يحييها فقامت تنفض أذنيها. وأن (مفرجا الدماميني) أحضر له فراخ مشوية فقال: طيري بإذن الله تعالى فطارت. ووضع (الكيلاني) يده على عظم دجاجة أكلها، وقال لها: قومي بإذن الله فقامت، ومات لتلميذ (أبي يوسف الدهماني) ولد فجزع عليه فقال له الشيخ: قم بإذن الله فقام وعاش طويلاً، وسقط من سطح (الفارقي) طفل فمات فدعا الله فأحياه".
ثم ينتقل الدكتور غازي إلى كتاب الأبريز ويقرأ: "وأهل الديوان إذا اجتمعوا فيه اتفقوا على ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله من الغد، فهم يتكلمون في قضاء الله تعالى في اليوم المستقبل والليلة التي تليه، ولهم التصرف في العوالم كلها السفلية والعلوية، وحتى في الحجب السبعين فهم الذين يتصرفون فيه وفي أهله وفي خواطرهم وما تهجس به ضمائرهم فلا يهجس في خاطر واحد منهم شيء إلا بإذن أهل التصرف" ويعقب فضيلته على ذلك متسائلاً: "أليس هذا هو قمة الشرك بالله جل وعلا؟".
ويعقب د. جميل غازي على ما تراه لنا من كرامات فيقول: أليست هذه خرافات وضلالاً واستخفافاً بالعقول.. بل وافتراء على الله جل شأنه ؟!
ثم يضيف: إن الصوفية يعتبرون أولياءهم أعلى درجة من الأنبياء، ويتجرءون أشنع الجرأة على رسل الله.. فيقول "البسطامي" في "الكواكب الدرية": "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت" ويقول في جواهر المعاني: "خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله".
وعند هذا الحد كان لابد للحوار من أن ينتهي رغم أن د. جميل غازي يقول: مازال هناك الكثير مما ينبغي أن يقال للتعرف على أهل التصوف.
ذكرهم.. موالدهم.. نذورهم.. قبورهم.. عباداتهم.. شيوخهم.. مريديهم..
وتبقى لنا كلمة.. إن البعض قد يغضبه، ما جاء في هذا الحوار من آراء.. وقد يكتفي بأن يصدر ضدنا ما يتراءى له من الأحكام.. ولكننا نرى أن الحوار الجاد المثمر هو وحده القادر على إجلاء الحقيقة وتوضيح الصورة.. إن في بلدنا مؤسسات دينية كثيرة تحتشد بقمم شامخة من أصحاب الفكر الإسلامي.. وأولئك جميعاً مطالبون بأن يقولوا رأيهم بصراحة ووضوح في هذه القضايا.
إن (التعاون) تفسح صفحاتها لكل صاحب فكر، وتدعوه لكي يسهم برأيه ويعطي ما عنده من أجل التفهم الصحيح للإسلام، وترسيخ عقيدة التوحيد حماية لشبابنا من المزالق والانحرافات.
الجولة الثانية
ماذا يقول ابن عربي في فتوحاته
إذا كانت الخرافة مدسوسة عليهم فلماذا يبقون عليها ؟!
ليس في الكتاب ولا في السنة شيء اسمه التصوف !!
متى قال الرسول.. إن للقرآن ظاهراً.. وباطناً ؟!
هناك أكثر من سبب يدعونا إلى أن نلتقي مرة أخرى بالرجل الذي شن هجوماً عنيفاً على التصوف والصوفية.. كان منه على سبيل المثال ذلك السيل المنهمر من رسائل القراء الذين تجاوبوا معه فيما ذهب إليه من اتهام للصوفية بالتناقض مع الإسلام، وطالبوا بأن تفسح له الجريدة صفحاتها لكي يعطي ما عنده، ويجيب على ما أرسلوه من أسئلة واستفسارات.. ثم كان هناك سبب يتمثل في سؤال هام: ترى ماذا يكون رأيه في التصوف بعد الحوار الذي أجريناه مع الدكتور "أبو الوفا التفتازاني" أستاذ التصوف الإسلامي بجامعة القاهرة، والذي أوضحت فيه كثيراً من اللبس الذي اكتنف قضايا الصوفية واستنكر فيه كثيراً من الشوائب التي تخرج عن آداب التصوف الصحيح.
تأليه "إبليس" في طبقات الشعراني:
وعلى غير موعد كان هذا اللقاء مع الأستاذ محمد جميل غازي إمام مسجد العزيز بالله في مكتبته الحافلة بالمؤلفات العديدة في الفقه والحديث والتفسير واللغة، والأدب، والتاريخ.
قلنا له في محاولة للاعتذار عن هذه الزيارة المفاجئة: ربما اخترنا موعداً غير مناسب ولكن قد يكون ما جئنا من أجله يستحق أن تضحي معه بالقراءة.
فيجيب مبتسماً: لم أن أقرأ بالمعنى المفهوم، ولكني كنت أسلي نفسي باستعراض بعض كرامات الصوفية وهي في الواقع مجموعة من الطرائف والأساطير تستحق أن أعرض عليكم بعضاً منها.. اسمعوا معي ماذا يقول الشعراني في كتابه (الطبقات الكبرى) وهو يتحدث عن سيده محمد الخضري ثم يقرأ: "أخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي أنه جاءهم يوم الجمعة فسألوه الخطبة، فطلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه ومجده ثم قال: "وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام" فقال الناس: كفر!! فسل السيف ونزل فهرب الناس كلهم من الجامع فجلس على المنبر إلى أذان العصر، وما تجرأ أحد أن يدخل الجامع ثم جاء بعض أهالي البلاد المجاورة، فأخبر أهل كل بلدة أنه خطب عندهم وصلى بهم، فعددنا له ذلك اليوم ثلاثين خطبة، هذا ونحن نراه جالساً عندنا في البلدة"!!
وقبل أن يمضي الأستاذ جميل غازي في عرض نماذج أخرى من هذه الشعوذة نستوقفه لنقول: ليكن ما قرأته علينا هو منطلقنا لبداية حوارنا معك اليوم.. إن بعض أقطاب الصوفية يعتبرون أن أمثال هذه الخرافات أمور مدسوسة على التصوف، وأن القول بما قد شاع في عصور التدهور الفكري والحضاري، ولقد سبق أن أوضح الدكتور "التفتازاني" أن العشراني نفسه قد ذكر أن خصومه دسوا عليه آراء لم يقل بها للنيل من مكانته.. لذلك فقد لا يكون من العدل اتهام التصوف ومحاولة إدانته من خلال كتابات يتبرأ منها مشايخ الصوفية أنفسهم.
ويجيب سيادته قائلاً: إن ادعاء الدس ليس جديداً على الصوفية،
يتبع
يتبع
اخى ود لطفى ... تحياتى ايها الرجل الكريم ....
لعل فائده الصراع مابين السلفيه والصوفيه ... لا نجد منه فائده ... سوى الاختلاف والانشقاق بين صفوف المسلمين ...
اهديك هذا الرابط ... وارجو منك اخى الاستماع لهذه المحاضره القيمه ..... وكل من يخط قلمه هنا ... حتى يكتب ...
في هذا المجال :
سوف تفتح لك الصفحه .. ومن ثم تجد .... مشغل المحاضره في الريل بلير .....
وشكرا .. وارجو ان تستمع ... جيدا .. وقل لى انطباعك .......
التوقيع
سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم ..
ربنا آتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار
....
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك