في يوليو 2002 وقّعت حكومة السودان والحركة،الجيش الشعبي لتحرير السودان بروتوكول ماشاكوس في نيروبي. وبموجب البروتوكول اتفق الطرفان على وقف لإطلاق النار في اتجاه البحث عن اتفاق نهائي للسلام. المحادثات التي ترعاها مجموعة ايغاد اقتصرت على طرفين فقط هما الحكومة والحركة الشعبية. بينما تقول الأخيرة إنها تتشاور مع قوى المجتمع المدني في الجنوب تقف الحكومة باستمرار حائلاً دون مشاركة المجتمع المدني في الشمال أو القوى السياسية فيه. ومع أن بروتوكول ماشاكوس تضمن على إشارة تقول بأن مسألة حقوق الانسان يتعين ضمانها في اتفاق السلام المرتقب إلا أن جولات التفاوض اقتصرت -حتّى الآن على الأقل- على مسائل تقسيم الثروة والسلطة والحدود والترتيبات الأمنية، على الرغم من الأهمية القصوى لتضمين عنصر حقوق الإنسان في أي اتفاق ومنحه اهتماماً رئيسياً.
أمكن خلال الأشهر الماضية إحراز اختراقات في عدد من القضايا التي ظلت محل خلاف في المحادثات بين الحكومة السودانية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان التفاوض، تحت رعاية مجموعة ايغاد وأصدقائها. ومع ترحيب المنظمة السودانية السودانية لحقوق الإنسان - القاهرة بما تم إحرازه من تقدم في المفاوضات، إلا أنها تجد نفسها قلقة من إستمرار التفاوض بشكل ثنائي وقصره على قضية الحرب في جنوب السودان وحده. ومع إدراك المنظمة لحقيقة أن هذه الحرب مثّلت أحد الجوانب الأكثر مأساوية للأزمة في السودان، ومع ترحيبها بأي اتفاق ينهي هذه الحرب، إلا أنها تعتقد بأنه لا أمل في سلام واستقرار عادل ودائم في البلاد بدون تحقيق تسوية سياسية شاملة وجذرية للأزمة.
في 25 سبتمبر الماضي وقّع الطرفان في نيفاشا على اتفاق حول الإجراءات الأمنية أثناء الفترة الانتقالية. تناول الاتفاق جملة من القضايا منها وضع الجيشين، وقف إطلاق النار، إعادة نشر القوات وحجمها والتنسيق بينها.
فيما يتعلق بوضع الجيشين قال الاتفاق إنه في حال جاءت نتيجة الاستفتاء حول تقرير المصير بخيار الوحدة، فسوف يتم تكوين "جيش المستقبل في السودان" من القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان. ولمّا كانت القوات المسلحة السودانية بشكلها الراهن لا تمثل جيشاً قومياً، ولا يمكن أيضاً اعتبار الجيش الشعبي بدوره جيشاً يمثّل التنوع الإثني الموجود في الجنوب فسوف يصبح "جيش المستقبل" الذي يتحدث عنه الاتفاق جيشاً حزبياً عقائدياً لا يعبر عن الوطن. ومن الواضح أنه لن يصيب أي تغيير بنية القوات المسلحة السودانية أو الجيش الشعبي في حال جاءت نتيجة الاستفتاء لغير صالح الوحدة. ويعني هذا أن تظل القوات المسلحة السودانية قوة عسكرية تمثل التيار الإسلامي الحاكم، وأداة يستخدمها النظام الحاكم في قهر وإخضاع المخالفين له.
تقول الفقرة (د) من البند (1) في الاتفاق "لن يكون للقوات المسلحة الوطنية تفويض داخلي في ما يتعلق بالقانون والنظام، ما عدا في حالات الطواريء المنصوص عليها دستورياً". ولمّا كانت حالة الطواريء معلنة باستمرار، دون أن تتوفر مؤشرات إلى إلغائها، فسوف يستمر استخدام القوات المسلحة في أعمال قمع واضطهاد المخالفين للنظام.
وتقول الفقرة (د) من البند (3) -إعادة الإنتشار- "تتعهد الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، باستيعاب السودانيين الجنوبيين المسرحين من العاملين حالياً في القوات المسلحة السودانية بجنوب السودان، في المؤسسات الحكومية لجنوب السودان إسوة بالجنود المسرحين من الجيش الشعبي لتحرير السودان". لا توجد أية إشارة في الفقرة أو الاتفاق إلى مصير آلاف الجنود والضباط الذين جرى تسريحهم من الخدمة في القوات المسلحة السودانية تعسفياً ولكونهم لا يتفقون مع النظام الحاكم فكرياً. وتكشف الفقرة (د) عن نية النظام الحاكم في الشمال تسريح الجنوبيين العاملين في قواتها المسلحة، ما يعني أن تصبح هذه القوات أكثر حكراً للإسلاميين. كما أن النص على استيعابهم في مؤسسات حكومية في الجنوب وليس في جيش جنوب السودان يعني من جانب حرمانهم من مواصلة العمل الذي احترفوه، ويعني من جانب آخر حرص الجيش الشعبي لتحرير السودان بدوره على عدم تغيير تركيبته وهويته.
تقول الفقرة (أ) من البند (7) إنه "لن يسمح لأية مجموعة مسلحة متحالفة مع أي من الطرفين بالعمل خارج القوتين". ويعني هذا نية الطرفين على الاحتفاظ بالمليشيات والمجموعات المسلحة التي كان يجري استخدامها في الصراع، وهي نية تعبر عن عدم إطمئنان وثقة الطرفين في اتفاق السلام الذي سيتم التوصل إليه.
لم يعالج اتفاق الإجراءات الأمنية وضع قوات الأمن والشرطة، وقال بان "البنى والترتيبات التي تشمل كل أجهزة الأمن والنظام، وعلى وجه الخصوص الشرطة وأجهزة الأمن الوطني، ستكون جزءاً من ترتيبات اقتسام السلطة".
وفي 4 يناير توصلت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى اتفاق حول تقاسم الثروة أثناء الفترة الانتقالية. وبموجب الاتفاق اتفق الطرفان على تقاسم ايرادات النفط بنسبة 50 في المائة لكل منهما، وعلى أن تقوم الحكومة في الشمال بتخصيص نسبة مساوية من الإيرادات غير النفطية التي تجمع في الجنوب لحكومة جنوب السودان. إلى ذلك اتفق الطرفان على إنشاء نظامين مصرفيين في السودان خلال الفترة الانتقالية، حيث يقوم نظام مصرفي إسلامي في الشمال ونظام مصرفي غير إسلامي (أو عادي كما أسماه الاتفاق) في الجنوب.
تعتقد المنظمة أن ما تضمن عليه الاتفاق من إنشاء نظاميين مصرفيين أحدهما إسلامي في الشمال والآخر علماني في الجنوب، مقترناً مع مؤشرات عديدة أخرى وتصريحات للمسئولين الحكوميين، تكشف عن الوجهة التي ستنتهي إليها المفاوضات، وهي تمكين النظام القائم من الشمال وإطلاق يده في تنفيذ برنامجه الإسلامي غير الديمقراطي في الشمال، وتمكين الحركة الشعبية لتحرير السودان من الجنوب. وتعتقد المنظمة أن مثل هذه النتيجة ستمثل صدمة وخيبة كبيرة لآمال وطموحات السودانيين وقواهم الديمقراطية التي نجحت في تلمّس جذور الأزمة السياسية في البلاد والاتفاق حول سبل معالجتها. وكما جاء في ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي فان لا يمكن تحقيق سلام حقيقي إلا "على قواعد الديمقراطية وحق المواطنة والعدالة واحترام حقوق الإنسان"، وبدون التأكيد على "الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية المتمثلة في حق الحياة وحرية التنظيم والفكر والعقيدة والتعبير والنشر والتنقل وضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية."
وكما أدركت هذه القوى عن صواب في ميثاقها فلا بد من تأسيس السلام على مبادي هامة منها:
"أ-استقلال القضاء وسيادة حكم القانون والفصل بين السلطات، ب- استقلال مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي، ج- استقلال الحركة النقابية وبقاؤها موحدة وديمقراطية، د- قومية القوات المسلحة والشرطة والقوات النظامية الأخرى، هـ- قومية أجهزة الإعلام المسموع والمرئي بما يعكس التنوع الثقافي والطبيعة السياسية والدينية للمجتمع السوداني".
فوق ما سبق فمن غير الممكن البحث عن سلام واستقرار في ظل وجود كافة القوانين المقيدة للحريات، وفي ظل استمرار تقييد الحريات الأساسية، ومن دون محاسبة ومحاكمة كل من قام بإساءة استخدام السلطة وإلحاق الأضرار البالغة بالمواطنين المدنيين وبموارد البلاد، ومن دون تسريح المليشيات القائمة ونزع سلاحها.
وترى المنظمة إن الحق في الحكم الذاتي أو الحق في تقرير المصير يتعيّن كفالته لأية مجموعة اقليمية وأن لا يتم قصره على مجموعة دون أخرى، أو وقفه على على من يسعون إليه بالسلاح.
ولئن كانت محادثات السلام الجارية قد أهملت منذ انطلاقها إشراك الأطراف السياسية المعنية الأخرى، ترى المنظمة أهمية أن تكون هناك مشاركة لهذه الطراف، وأن يكون لها وجود في التوقيع عليه.
لقد أدت جهود الوسطاء في محادثات السلام إلى إحراز وقف لإطلاق النار في الجنوب خلال الأشهر العشرة الأخيرة، وأستطاع المدنيون خلال هذه الفترة أن يعيشوا -ولأول مرة- فترة من السلام والهدوء، غير أن حجم الصراع العسكري والمعاناة البشرية إتسع بشكل غير مسبوق في غرب السودان حيث تشن قوات الحكومة والمليشيات الموالية لها حرب إبادة ضد المجموعات الافريقية في المنطقة. إلى ذلك لم يعرف شرق السودان الاستقرار، فيما تواصلت الانتهاكات اليومية للحقوق والحريات في سائر أنحاء البلاد. إن أزمة الحكم القائمة في البلاد وغياب الديمقراطية كانا ولا يزالان وراء المظالم والتهميش الذي يلحق بمناطق عديدة من البلاد، ما يعني إن أية معالجة لا تمس جوهر الأزمة ولا تفضي إلى نظام ديمقراطي حقيقي، وأية مفاوضات للسلام لا تستوعب كافة الأطراف لن تحقق الاستقرار أو السلام الحقيقي.
إن المنظمة السودانية لحقوق الإنسان - القاهرة مع تقديرها للجهود التي يبذلها الوسطاء لتسريع الوصول إلى اتفاق للسلام، إلا أنها تنبّه إلى خطورة أن يؤدي ذلك التسريع الى إتفاق مبتسر لا يعالج كافة القضايا، ولا يشارك فيه كافة الأطراف. وتشير المنظمة في هذا الصدد إلى تجربة اتفاقية أديس أبابا التي وُقعت في مارس 1972 بحضور المنظمة الإفريقية ومجلس الكنائس العالمي والتي لم تعمّر طويلاً بسبب اقتصارها على طرفين فقط، وبسبب إغفالها للعديد من القضايا الهامة.
وترى المنظمة أن أي اتفاق نهائي على وقف إطلاق النار لا بد من رعايته دولياً بواسطة قوات حفظ سلام دولية وليس من قبل فرق مراقبة من قبل الإيغاد، أو قوات مشتركة للطرفين، على نحو ما تقول الحكومة في السودان. إن مهمة الفصل بين جيشين ظلا يحاربان بعضهما البعض لعشرين عاماً لهي مهمة لا تتيسر لفريق من المراقبين الدوليين بل تستدعي قوات حفظ سلام دولية لها الإمكانيات والوسائل اللازمة لإنجاز عملها. وحسب علم المنظمة فان دولاً عديدة قد بادرت للتعبير عن رغبتها في المشاركة في حفظ السلام في السودان عند الوصول لاتفاق نهائي. ولا تجد المنظمة تفسيراً منطقياً لخشية حكومة السودان من فكرة السماح لقوات دولية بتولي مهمة الحفاظ على السلام.
يجدر بالذكر إنه وفقاً لايغاد ستقوم ثلاثة فرق بمهمة مراقبة اتفاق وقف اطلاق النار خلال الفترة الانتقالية التالية للتوقيع على اتفاق سلام. تتكون هذه الفرق الثلاثة من: فريق مراقبة مشترك (JMC)، وفريق دولي للإشراف على تنفيذ الاتفاق (تقوم مجموعة منه حالياً بالإشراف على اتفاق وقف اطلاق النار في جبال النوبة)، ووحدة مراقبة خاصة بحماية المدنيين (CPMT) جرى اعتمادها كمبادرة أمريكية عقب اتفاق مارس 2002.
تدعو المنظمة الحكومة السودانية وأجهزة أمنها إلى التوقف فوراً عن إضطهاد المخالفين سياسياً واعتقالهم، وإلى تمكين نشطاء المجتمع المدني السوداني من مناقشة الموضوعات المتعلقة بمحادثات السلام. وترى المنظمة أنه في الوقت الذي تتفاوض فيه الحكومة مع الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان حول اتفاق للسلام ينهي الحرب الأهلية، يتعيّن إتاحة الحرية للسودانيين كافة للمشاركة في مناقشة مستقبهم. إن مواصلة حكومة السودان مصادرة حرية التنظيم والتعبير، واستمرارها في التضييق على نشطاء المجتمع المدني والخصوم السياسيين لا تحمل تفسيراً آخر سوى نية الحكومة في حرمان المجتمع المدني في الشمال من حقه في المشاركة في تقرير مستقبل بلده. ولقد سجلت الفترة الماضية انتهاكات خطيرة في كافة المجالات (راجع تقرير حالة حقوق الإنسان).