الماضي لا يفنى والحاضر والمستقبل لا يُخلقان من العدم
لعل الملاحظة الصائبة تشير إلى أن بحر الإنجازات الجماعية الماضية المتدفق عبر فضاء الأزمنة يؤثر في الحاضر والمستقبل بدرجة كبيرة لكن ذلك لا ينفي بأي حال من الأحوال وجود عواصف الإرادات الفـردية الفذة التي تستطيع تغيير اتجاه مجرى التاريخ ، ولعل المنطق السليم يؤكد أن الايمان بقوة التراث الجماعي الماضوي لا يعني التكرار الميكانيكي السمج للماضي ولا يعني الانسياق اللاإرادي لعقلية القطيع التي تجتر نفس المقدمات لتصل إلى ذات النتائج بل يعني تطوير الحاضر والمستقبل عبر استلهام الانجازات وأخذ العبر الماضوية وهذا بالضبط ما تقوم عليه عملية التقدم البشري التي أخرجت الناس من ظلمات كهوف العصر الحجري إلى أضواء ناطحات سحاب العصر الحديث!
ولعل الاستنتاج المعقول ، القابل لإثبات العكس في بعض الحالات الاستثنائية، يشير إلى أن حكومة الماضي هي أقوى حكومة على وجه الكرة الأرضية لأن ثلاث أرباع الأفعال الحاضرة أو المستقبلية منجزة في الزمن الماضي أما الربع الافتراضي المتبقي فيتحول بدوره إلى فعل ماضي بقوة الزحف الزمني الذي يطمر الناس، الأشياء والمدن تحت ركام التاريخ!
بل يبدو أن منطق الأشياء يقول أن أي حداثة مهما بلغت درجة جدتها لا تخلو أبداً من أصالة ، لأن الماضي لا ينتهي مطلقاً بل يظل يمارس نفوذه الخفي ويتدخل بشكل أو بآخر في عملية صنع الحاضر والمستقبل معاً بحيث يصبحان مهما كانت قوة فعلهما مجرد تجسيد متطور لماضي شديد القدم أو ماضي شديد الحداثة!
حينما تقرأ كتاباً أو تطالع صحيفة أو تشاهد أحدث نشرة أخبار تلفزيونية ألا تسمع أقوالاً وتشاهد أفعالاً ماضوية تقوم بفرض نفوذها المكثف رغم انتهاء وقائعها الحية؟!
حينما تذهب لتشتري خاتم الزواج معتقداً أنك تمارس طقساً شديد العصرية ألا تقوم دون أن تشعر بتكرار طقس فرعوني شديد القدم تم اختراع رمزه الدائري القديم ليرمز إلى استمرارية العلاقة العاطفية القديمة المتجددة؟!
عندما تحلق في الفضاء على متن أحدث الطائرات أو تقود سيارتك الحديثة على الطرقات المعبدة ألا يخطر ببالك أن أجزائها قد اخترعت منذ سنوات بعيدة من قبل عشرات المراحيم الأذكياء؟! ألا تشعر بأنك ، مع كل الذكاء العصري الذي تملكه ، تكاد لا تساوي شيئاً أمام عظمة تلك الأشباح الخفية التي نجحت في عصور سابقة في تحريك الجماد بقوة المحرك وقوة الوقود؟!
فكر قليلاً سوف تكتشف أن عالمك الحديث قائم بأكمله على أفعال وقرارات ماضية نفذها أشخاص ماضويون ثم اختفوا في ذلك الفج العميق الذي يُسمى الزمن الماضي! نحن نؤمن بعقائد الماضي ، نفكر بأفكار الماضي ، نمشي على طرقات الماضي ، نرتدي أزياء الماضي ، نأكل منتجات الماضي ، نحب ونتزوج بمواصفات الماضي ، نعيش في مدن الماضي، نسكن بيوت الماضي ، نغني أغنيات الماضي ونضحك لنكات الماضي ، ومع ذلك نحاول دائماً التنصل من الماضي ونتشبث بقوة بالحاضر ونتطلع بطمع شديد للمستقبل!
ليس هذا فحسب بل أننا أنفسنا لسنا سوى ماضي يمشي على قدمين ، هل فكرت لحظة واحدة في أن أمزجتك وميولك الراهنة قد تكون صفات متنحية قديمة انتقلت إلى جيناتك الوراثية من جدك رقم ألف أو جدتك رقم مليون واللذان شبعا موتاً بحيث لا يمكنك التعرف على هويتهما أبداً ولكنك مع ذلك تمارس بعض نزواتهما العتيقة في هذه اللحظة بالذات!
فكر جيداُ في كل الأفكار التي تدور في رأسك! أليست كلها ماضوية الأصل بامتياز، هل يستطيع أي إنسان أن يمتلك فكرة واحدة حديثة لا صلة لها بأي ماضي فكري؟
هل يمكن اقتلاع النفس من جذور الماضي والعيش في قوقعة الحاضر أو شرنقة المستقبل دون أي تأثيرات ماضوية؟ هل يؤدي الإغتراب المستمر أو الهجرة الدائمة أو العزلة الفردية إلى قطع الأصول الماضوية العتيقة الكامنة في أعماق الذات؟ الإجابة القاطعة هي بالنفي .
وفي هذا العصر ، الذي تتأجج فيه الحروب والصراعات الدينية والمذهبية وتتعالى في فضائه صيحات المتطرفين من كل حدب وصوب ويُمارس فيه القتل على الهوية على أوسع نطاق تماماً كما كان يحدث في القرون الوسطى، لماذا لا نأخذ عبر الماضي لكي نتجنب كوارث الحاضر والمستقبل؟! لماذا لا نتوقف لحظة واحدة ونتأمل قطار الزمن المندفع من الأزل إلى الأبد ، كيف يواصل مروره السريع بمحطات الماضي، الحاضر والمستقبل ولا يكاد ركابه الغافلـون يلاحظون قوة التـداخل المـبهر؟! لماذا لا يتعلم ركاب قطار الزمن احترام التاريخ واحترام محطات الاختلاف الثقافي والعرقي والديني؟! لماذا لا يدفعنا ذلك التواصل الزماني والتداخل الجيني والتمازج الفكري إلى التسامح مع كل شخص وكل فكر في حدود العدل الانساني الموروث؟! هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب طرحه في هذا العصر بالذات ولا يجوز التهرب من الإجابة عليه بأي حال من الأحوال.

فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر