|
الكذب
[ سؤال : هل هناك كذب أبيض و أسود كما يقولون ؟ و ما حكم الكذب لإنقاذ موقف معين ؟
جواب : للإجابة على هذا السؤال لا بُدَّ و أن نتعرف أولاً على المعنى اللغوي و الشرعي للكَذِب .
قال اللغويون : الْكَذِبُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ فيه ، و أمّا الصِّدقُ فَهُوَ مُطابَقَةُ القَوْلُ الضَميرَ و المُخْبَرُ عَنْهُ مَعاً .
فالكَذِبُ ضِدُّ الصِّدق ، و كُلّ إخبارٍ بخِلاف الواقع يُعَدُّ كَذِبَاً [1] .
و قال العلامة الطريحي : " الكذب : هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو فيه سواء العمد و الخطأ ، إذ لا واسطة بين الصدق و الكذب على المشهور ، و الكذب هو الانصراف عن الحق و كذلك الإفك ، و الكلام ثلاثة : صدق ، و كذب ، و إصلاح " [2] .
حُكم الكَذِب :
لقد حَرَّمَ اللهُ الكذب و أعتبره ذنباً عظيماً و كبيرةً من الكبائر[3] و عملاً قبيحاً مغايراً لروح الإيمان و حقيقته ، و ذَمَّ الكاذبين في كتابه الكريم و تَوَعَّدَهم بالعذاب و النار .
قال الله عَزَّ و جَلَّ : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [4] .
و قال جَلَّ جَلالُه : { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [5] .
هذا و لا يَجُوزُ الكَذِب بكل أنواعه جِدِّه و هَزَله في الشريعة الإسلامية ، إلاَّ في بعض الموارد المستثناة .
و أما الأحاديث الشريفة التي تحدثت عن الكذب و حرمته و قبحه و آثاره السيئة فهي كثيرة جداً نذكر نماذج منها :
الكَذِبُ شَرٌ :
قال أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) : " ... شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ " [6] .
و عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السَّلام ) ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِلشَّرِّ أَقْفَالًا وَ جَعَلَ مَفَاتِيحَ تِلْكَ الْأَقْفَالِ الشَّرَابَ ، وَ الْكَذِبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرَابِ " [7] .
الكَذِبُ ضِدُ الإيمان :
رُوِيَ أن الإمام أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السَّلام ) كَانَ يَقُولُ : " أَلَا فَاصْدُقُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّادِقِينَ ، وَ جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ يُجَانِبُ الْإِيمَانَ ، أَلَا وَ إِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَفَى مَنْجَاةٍ وَ كَرَامَةٍ ، أَلَا إِنَّ الْكَاذِبَ عَلَى شَفَى مَخْزَاةٍ وَ هَلَكَةٍ ، أَلَا وَ قُولُوا خَيْراً تُعْرَفُوا بِهِ وَ اعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ ... " [8] .
وَ رُوِيَ عنه ( عليه السَّلام ) أنه قال : " الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَ أَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ وَ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ " [9] .
و رُويَ عَنْ الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السَّلام ) أيضا أنه قال : " إِنَّ الْكَذِبَ هُوَ خَرَابُ الْإِيمَانِ " [10] .
وَ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ الإمام علي بن موسى الرِّضَا ( عليه السَّلام ) ، قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) : يَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً ؟
قَالَ : نَعَمْ .
قِيلَ : وَ يَكُونُ بَخِيلًا ؟
قَالَ : نَعَمْ .
قِيلَ : وَ يَكُونُ كَذَّاباً ؟
قَالَ : لَا " [11] .
ترك الكذب في الجِدِّ و الهَزَل :
كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ( عليه السَّلام ) يَقُولُ لِوُلْدِهِ : " اتَّقُوا الْكَذِبَ الصَّغِيرَ مِنْهُ وَ الْكَبِيرَ فِي كُلِّ جِدٍّ وَ هَزْلٍ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَأَ عَلَى الْكَبِيرِ ، أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) قَالَ : مَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ صِدِّيقاً ، وَ مَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ كَذَّاباً " [12] .
وَ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ : قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السَّلام ) : " لَا يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ هَزْلَهُ وَ جِدَّهُ " [13] .
الآثار السيئة للكَذِب :
لا شك و أن للكذب آثاراً سيئةً و عواقب خطيرة ، و هذه الآثار و العواقب تختلف بإختلاف نوع الكذب و حجمه ، فمنها ما تكون مادية و منها ما تكون معنوية أو تشمل الجانبين ، و قد تكون هذه الآثار و العواقب محدودة بالجانب الفردي ، و قد تمتد تلك الآثار و العواقب و تتسع دائرتها لتشمل المجتمع .
قال أمير المؤمنين علي ( عليه السَّلام ) : " ثمرة الكذب المهانة في الدنيا و العذاب في الآخرة " [14] .
و قال ( عليه السَّلام ) : " يكتسب الكاذب بكذبه ثلاثا : سخط الله عليه ، و استهانة الناس به ، و مقت الملائكة له " [15] .
و قال ( عليه السَّلام ) : " يبلغ الصادق بصدقة ما لا يبلغه الكاذب باحتياله " [16] .
و قال ( عليه السَّلام ) : " الكذب فساد كل شيء " [17] .
و قال ( عليه السَّلام ) : " الكذب يؤدي إلى النفاق " [18] .
و قال ( عليه السَّلام ) : " عاقبة الكذب ملامة و ندامة " [19] .
و قال ( عليه السَّلام ) : " لا حياء لكذاب " [20] .
الكذب الجائز :
رغم أن الشريعة الإسلامية تُحرِّم الكذب و تعتبره إثماً عظيماً و ذنباً كبيراً في الحالات العادية ، إلا أنها تستثني من الكذب المُحَرَّم بعض الموارد و تُجَوِّزه في حالات خاصة ، و تسمح بذلك و لا تعتبره حراماً بل تعتبره أمراً مطلوباً نظراً لما فيه من المصالح العامة و الآثار الحميدة التي تفوق الأضرار و المفاسد التي من أجلها حرَّم الله عَزَّ و جَلَّ الكذب ، و من تلك الموارد ما يلي :
الإصلاح بين الناس :
سمح الإسلام لمن أراد أن يقوم بدور المُصلح أن يستعين بالكذب لحل النزاع و إيجاد الألفة و الصلح بين الأفراد او الفئات المتنازعة ، أو إزالة حالة التوتر أو تخفيفه ، ذلك لأن الإصلاح بين الناس هدف مقدس يدعو إليه الإسلام .
فقَد رُوِيَ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) أنه قَالَ : " الْمُصْلِحُ لَيْسَ بِكَذَّابٍ " [21] .
وَ رُوِيَ عَنْهُ ( عليه السَّلام ) أيضاً أنه قَالَ : " الْكَلَامُ ثَلَاثَةٌ : صِدْقٌ وَ كَذِبٌ وَ إِصْلَاحٌ بَيْنَ النَّاسِ " .
قَالَ : ـ أي الراوي ـ قِيلَ لَهُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ ؟
قَالَ : " تَسْمَعُ مِنَ الرَّجُلِ كَلَاماً يَبْلُغُهُ فَتَخْبُثُ نَفْسُهُ فَتَلْقَاهُ ، فَتَقُولُ سَمِعْتُ مِنْ فُلَانٍ قَالَ فِيكَ مِنَ الْخَيْرِ كَذَا وَ كَذَا خِلَافَ مَا سَمِعْتَ مِنْهُ " [22] .
وَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وآله ) لِعَلِيٍّ ( عليه السَّلام ) ، قَالَ : " يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ الْكَذِبَ فِي الصَّلَاحِ وَ أَبْغَضَ الصِّدْقَ فِي الْفَسَادِ ... " [23] .
المكيدة في الحرب :
و أجاز الإسلام للمسلم أن يستعين بالكذب لخداع العدو في الحرب حتى يتغلب عليه ، و ذلك للمصلحة العامة و لأن الحرب خدعة .
فقد رُوِيَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وآله ) لِعَلِيٍّ ( عليه السَّلام ) أنه قَالَ : " ... يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ يَحْسُنُ فِيهِنَّ الْكَذِبُ : الْمَكِيدَةُ فِي الْحَرْبِ ... " [24] .
وَ رَوَى عِيسَى بْنِ حَسَّانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السَّلام ) يَقُولُ : " كُلُّ كَذِبٍ مَسْئُولٌ عَنْهُ صَاحِبُهُ يَوْماً إِلَّا كَذِباً فِي ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ كَائِدٍ فِي حَرْبِهِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ ... " [25] .
هذا و لعل المقصود من الكذب الأسود هو الكذب الحرام الذي يعاقب عليه الإنسان ، و المقصود من الكذب الأبيض هو الكذب الجائز الذي لا يُعاقب الإنسان عليه ، أو المقصود منه التورية
| التوقيع |
|

(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
hakam_power@yahoo.co.uk
رقم تلفوني 009746555073 بخصوص رابطة عشاق السودان
بالدوحة.
|
|