كنت التقي به عقب كل صلاة أوديها في المسجد الذي يقع بالقرب من المنزل الذي اسكنه . كان معروف للمصلين بالشيخ أو يخاطبونه كذلك ، لكني أرى أن هذا الاسم لا يتطابق معه لماذا ؟ لا ادري أحيانا ً تلتقي بإنسان لم تعرفه ولم تلتقي به قبل ذلك ولكنك تختار له اسم من عندك على حسب معطيات معينة خاصة بك لوحدك ،هو كان كذلك بالنسبة لي. كان كل المصلين أو معظمهم عقب الصلاة يلقون عليه السلام أو يصافحونه وكنت حين أصافحه يترك يده في يدي ويربت على ظاهر يدي بيساره ، وكان كل ما التقيت به عقب صلاة المغرب أو صلاة العشاء يدعوني لكي اذهب معه إلى البيت كما يسميه هو لكي أتناول معه العصيدة باللبن ، لاحظت انه يقدم الدعوة إلى أكثر مما يقدمها للآخرين ، ورأيت ذلك عندما يكون هنالك شخص آخر يريد أن يصافحه يبدل يدي إلى يده اليسر ويتركها بها ، وبيمناه يصافح الآخر بكلمات سريعة كأنه يريد أن يصرفه . كان يجامل الآخرين وتحس ذلك من طريقة كلامه وسهولته معهم ، ويقول لهم تفضلوا معنا إلى البيت ، كنت أحس من صيغة حديثه أنه يعظم نفسه أو إنني وعدته بالذهاب معه من صيغة الجمع التي يطلقها ، كنت أحس انه يكن لي معزة خاصة ورغم ذلك كنت اختلق الأعذار وأحيانا أعتذر قبل أن يقدم لي الدعوة . وذات مرة بعد أن التقيت معه كالعادة وجدته يصر إصراراً لم ألحظه قبل اليوم رغم إنها المرة الوحيدة التي املك عذراً يحول بيني و بين تلبيتي لدعوته ، وجدته يجبرني جبراً فتملكتني الدهشة وسألت نفسي لماذا هذه المرة يصر على أن اذهب معه ولماذا أنا تحديدا ؟ وتحت الضغط الذي مارسه نحوي لقد انطلقت نحو بيته الذي لا يبعد عن المسجد كثيراً وهو يمسك يدي اليمنى بيساره ، وقبل أن نصل إلى البيت تجرأت وسألته لماذا هذه المرة أنت أكثر إصرارا ؟ لماذا لم تأجل الدعوة إلى المرة القادمة ؟ فكانت الإجابة التي لم تخطر ببالي ولم أتوقعها ولم احسب حسابها رغم توارد كل الأفكار والاحتمالات ، إنها المرة الوحيدة التي توجد فيها عصيدة بالبيت منذ أمد بعيد بل هي المرة الوحيدة التي توقد فيها نار بالبيت منذ أسابيع لطهي أي نوع من أنواع الطعام . فسألته لماذا ؟ فكان الجواب يدل على زهده في الدنيا وابتغاءه الآخرة فسألته وكأن برأسي دوار وماذا عن أطفالك وأبناءك ؟ فكانت الإجابة إن الله كريم وهو خلقهم وخلقني وخلقك لنعبده وهو يرزقنا جميعاً فوجدت نفسي ضعيفاً اردد وراءه ونعم بالله حسيبا وبحلقي قصة كادت أن تكتم نفسي وأمتلاءت عيوني بالدموع . ومنذ تلك اللحظة هو شيخي وأنا الدرويش والحوار المطيع . ]