حبات المطر بدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى من خلف اللوح الزجاجي الملون للمقهى
المطل على النيل , كان الطقس باردا في تلك الليلة من ليالي الخريف في تلك المدينة
الحالمة التي يشقها نهر النيل من الناحية الغربية , كانت الحياة أقل صخبا وكان الزمان
في ذلك الوقت أقل جنونا من الآن , فضلا أن يكون أول لقاء بينهم في ذلك المكان قرب
النيل حتى يكون شاهدا على ذلك اللقاء الذي طال إنتظارهم له... مشهد النيل أثناء
الليل يدعو للتفكير والرؤية للأشياء بعمق وينشط أحلام اليقظة والذاكرة والأخيلة ..
إستنشقاء معا رائحة حبات البن وهى تحترق و تفوح منها رائحة الهبهان , إختلطت تلك
الرائحة بنسمة الهواء الباردة القادمة من النهر مع رائحة عطرها الأنثوي النفاذ
و المذهل .. كانت لحظة إحتراق البن بمثابة بداية لميلاد عشق قطعته سنين الهجر و
البعاد , مشهد ملئ بلحظات الشوق واللهفة ..
رشفا فنجان القهوة الأول على شرف ذلك اللقاء قال لها :
- تبا للغربة فقد سرقت منا كل هذه اللحظات البديعة .. ونظر للنيل معاتبا
( كم من أرواح صديقة إبتلعها هذا النيل ؟؟ ) ...
- هذه الحياة يا حبيبي مليئة بالذكريات الجميلة و المؤلمة , لكن هناك دائما أمل في الغد
ننتظره بشغف عسى أن يكون أجمل من ماضينا ..
-مؤكد أننا نحيا على ذلك الأمل يا توأم روحي ولولاه لمتنا من الحسرة والألم , يبدو أننا نحزن
دوما أمام الأشياء المدهشة ...
- فلنشرب فنجان قهوة آخر على شرف ذكراهم العطرة والحاضرة دوما بيننا ..
تناهى إلى مسامعهم صوت مقطوعة موسيقية شجية وهادئة تهز الأعماق وتجتاح النفس
بشدة وتتقلب مثل موج البحر , فجر صوت الفلوت الحزين نوافذ عديدة من الذكريات تدفقت
هائجة مثل التسونامي .. حدثها عن بعض ذكريات إغترابه وبعاده عن الوطن , وحدثته عن
غربتها داخل الوطن نفسه .. وبين كل لحظة و أخرى يسترق كلا منهما نظرة عشق وحب
للآخر كأن الكلمات لا تكفي للتعبير عما تحمله القلوب من حب وشوق , تأمل تقاسيم وجهها
المشرق ومحياها الطلق و إبتسامتها العذبة التي تعانق قلب السماء , وسرحت هى في
ملامح وجهه وحديثه الشيق العذب الذي لم تغيره كل سنوات الغربة و المدن الباردة التي
عاش فيها , تهامسا بكلمات عشق وحب و إشتبكا بالأيدي و تقاسما قبلة حب بريئة في
الهواء , رسما بالأحرف والكلمات خارطة طريق لشكل حياتهم ومستقبلهم القادم , لتتويج
ذلك العشق و الحب برباط أبدي حتى نهاية العمر ..