الناظر للأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية للبلاد هذه الأيام لا بد ان يصاب بالذهول والإحباط. فالصورة العامة تحكي عن امة عظيمة تبحر على ظهر مركب متهالك تتقاذفه امواج بحر عاتية وهي لا ترى يابسة او تهتدي الى مرسى آمن ومستقر. الحزن والإحباط يخيمان على الجميع لأنهم يدركون المصير المحتوم في ظل اوضاع مأساوية اختفت بل تلاشت فيها الآمال في الصفوة المقتدرة بحكمها وخبرتها وتجاربها للتصدي للواقع لتدارك الأمر او السعي لتدارك الأوضاع لتقليل الخسائر.
حقيقة انه لأمر اليم ان يفقد العامة الأمل في قادتهم وساستهم وولاة امرهم، ونحن كمراقبين للأحداث قد كنا ولا نزال نكتب ونحذر، ولكن وبكل اسف تذهب جهودنا الوطنية ادراج الرياح باعتبار ما نقدمه من جهد "كلام جرايد"، وباعتبارنا اعداء لا ولاء لنا للوطن ومواطنيه، بل الأدهى ان نعتبر مخربين وطابورا خامسا.. ونحن نقولها صراحة وسبق ان رددناها مرارا: نحن معارضون لأي نظام شمولى يأتي الى سدة الحكم على ظهر دبابة، ايا كان توجهه او اجندته او لونه السياسي، لأننا قد اعتبرنا بالسوابق الماضية ولا نقبل تكرار تجربة 17 نوفمبر 58 أو 25 مايو 1969م، وهذه المواقف المبدئية قد دفعنا ثمنها باهظا مرارا وتكرارا تشريدا وملاحقة واعتقالات وسجونا. لقد دفعها ايضا اطفالنا وأسرنا، ولكن كل ذلك يهون من اجل الوطن والمواطنين الأبرياء البسطاء فى بلادنا الحبيبة.
نحن ننشد الحرية والاستقرار والأمن والنماء، وإذا كانت لدينا اى مآرب شخصية او ذاتية اخرى فنحن نعرف الطريق السهل لتحقيقها وكفى الله المؤمنين القتال. ولكن اصولنا وتقاليدنا وتربيتنا الوطنية الحقيقية متأصلة فى وجداننا وتقف حائلا بيننا وبين التردي في مستنقع حب الذات والمصالح الخاصة.. والحق يقال ان هذا الأمر بالذات هو اس الداء وسبب البلاء، لذلك دعوتنا قد كانت ولا زالت وسوف تظل، ان يرتقي الجميع لقمة المسؤولية الوطنية المتجردة، لأن الوطن ينشد الآن الإنقاذ الحقيقي، وهو يصيح وينادى بنيه ان ينبذوا العصبية الزائفة والأجندة الخاصة والطموحات الشخصية. الوطن يستغيث: وحدوا الصفوف، اركلوا الخلافات، تعالوا الى كلمة سواء.. فالوطن يسع الجميع، والوقت يمر سريعا والأعداء والطامعون متربصون ينتظرون الوقت المناسب للانقضاض ويصبح بعدها الوطن اشلاء، وحينها لن ينفع البكاء على الأطلال.
قد يقول قائل: هذه نظرة متشائمة، ولكنها الحقيقة، والحقائق دائما مرة المذاق. لكن السؤال المهم هو: هل يصعب علينا -نحن ابناء هذه الأمة حكاما ومحكومين، مع النظام الحاكم او معارضين له او حاملين للسلاح- ان نجلس سويا للتفاكر لإيجاد الحلول لأزماتنا المتلاحقة؟
الإجابة فى تقديري ايجابية... نقول: لا. اذن كيف يكون ذلك.؟ الإجابة عند القابضين على زمام السلطة والحكم، والمبادرة الصادقة لا بد من ان تخرج منهم بكل شجاعة ووطنية وصدق وتجرد، وعندها نحن واثقون بأن اهل السودان اذا التقوا بندية واضعين (الهم) الوطني والقومي فى قمة اجندتهم فلا بد من ان يحققوا وفاقا وطنيا جامعا ينقذ البلاد، وعلى اقل تقدير يبيض وجهنا مستقبلا امام ابنائنا وأحفادنا والأجيال القادمة... لا ارغب فى الخوض فى تفاصيل الوفاق الوطنى والمصالحة مع الآخرين لأنه قد اصبح امرا معلوما وممجوجا من الجميع، ولكن المبادرة لا بد ان تكون من اهل السلطة والحكم وبوضوح كامل خالٍ من السيناريوهات والمناورات وأساليب كسب الوقت والانحناء للريح.
اللهم احفظ هذه البلاد آمنة ومستقرة. صحيفة السودان الدولية والهوية الجامعة