العودة   منتديات عشاق السودان > المنتديات العامة > منتدى الخواطر والنثر والقصص
التسجيل مستضيف الصور التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 07-09-2007, 15:11   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
Garcia
عضو متواصل
 
إحصائية العضو








Garcia غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
Garcia is on a distinguished road

 

 

ضحيتان فى بيت الجلاد - عمل مشترك


زخات مطر وصوت طائر مغرد وطقسا بارد , خلف ظلام يصارع البقاء فى وجه
صبح أراد ان يمحو جمال الليل وشاعريته ,هكذا يبدو المشهد لخلفية اللوحة
وهى حاضنة للثلاثة حالات الأولى , فى الجهة الأخرى لتلك اللوحة تشاهد
أطياف مبهمة وأشباح تبدو من على البعد , تتحرك فى عتمة هادئة وهى تلعن
قدوم صبح جردها من المسرح الخيالى , الذى يضج بحركتها اللانهائية ...
فإذا بك أنت تسير وحدك , فجأة يترائ لك طيفا شبحان من عالم الجن يهيمان
وسط تلك الأشجارالمتشابكة والكثيفة , يصل إلى مسامعك همسهما وهم يجرجران
أذيالهما بعد أن سلما بتقهقر مملكة الظلام لكن إلى حين .. قال أحدهم للآخر :
- ألا تتفق معى أن الصبح وضؤه رمزان للبلادة والمحدودية والجدب ..
رد الآخر بحسرة واضحة بدت من خلال زفراته :
- آه .... كفى لا تؤلمنى أكثر من ذلك فلنهرب من هذا الجحيم ..

وأنت تسقط من تلك اللوحة وبحدة صارخة , تدخل إلى عالم الواقع البائس و
الكئيب فتصل محطة القطار , تقف على الرصيف فى إنتظار أول قطار عند
الساعة الخامسة و سبعة عشر دقيقة لينطلق بك لمكان عملك , وصل القطار
متأخرا دقيقتين على غير المعتاد جلست فى مقعد عند أحدى الفواصل قريبا من
الباب لأنك ستغادره بعد دقائق , فى الجهة المقابلة يجلس شخصا نائم ممدا
أرجله على مقعد , ملقيا بظهره على فاصل كابينة غرفة قيادة القطار , يبدو
أنه فى طريقه لمكان عمله ويتضح ذلك من خلال البطاقة المتدلية من حزام
بنطاله , يبدو أنه لم يمضى وقت كافى من النوم أو أنه رافض فكرة الإستيقاظ
مبكرا وساخطا على وظيفته فى هذا الوقت ..ملامح شكله واضحة توحى بأنه
هنديا أحمر فالعين لا تخطئهم , قصير القامة وهذا يدل على أنه من إحدى دول
جنوب القارة الأمريكية , كان مرتديا زى ( الناهوم ) وتعنى الأغراب بلغة هنود
الأمازون .. يبدو عليه أنه أصيب بلوثة الحداثة و الحضارة والتقدم مثلك تماما
( فقد ولدت ملوثا بحضارتهم عندما كانت أرضنا مقصدا دائما للطامعين والمستعمرين )
لاشك أن هذا الهندى الأحمر الآن سابح فى أحلام وذكريات بعيدة ,
محلقا كطائر النورس فى ثنايا السماء الزرقاء دون أن يعكر صفوه شئ ..
قلت لنفسك ما أقسى الأقدار التى قذفت بك وبهذا الهندى الأحمرلأرض الجلاد
الأوروبى , الذى سرق وإغتصب خيرات وثروات البلاد ومحاولته إجتثاث الثقافة
المحلية وفرض ثقافته على مدى حقب زمنية طويلة , وخرج المستعمرمن باب
لكنه عاد ودخل مرة أخرة من النافذة , فهو مثل التنين ذو المئة رأس ..

قد يكون هذا الهندى الأحمر جاء بإرادته أو بغير إرادته سعيا وراء الرزق وقوت
الحياة , وأنت الأفريقى الذى دفعتك الظروف الطاردة هناك لمغادرة وطنك وأهلك
وإمتدت بك سنوات الغربة والمنفى و لا تدرى إلى متى تستمر ؟ الغربة والمنفى يا
لهما من تجارب فظيعة وورطة حقيقية , فى أثناء شرودك و تفكيرك إستعدت فى
ذاكرتك أغنية البلابل وسمعت تغريدهن عذبا :
نلقى وين طيبة أهلنا أو وطن يشبه وطنا
نحن والله ظلمنا روحنا لما هاجرنا ورحلنا
كادت دمعة ساخنة ان تسقط من عينيك لكنك كتمتها وحبستها فى آخر لحظة ,
قد تكون سألت نفسك لماذا حبستها ؟؟أليست دموع العين أهون من دموع القلب ؟
رددت هنا مع محمود درويش ( ربما كان هذا الحنين طريقنا فى البقاء ) وأنت
مشتت الأفكار وتائه بلا هوية مشدود بحنين العودة للوطن , والإقامة فى المهجر
والمنفى وأنت مفتقد لأهلك وأصحابك هناك تحمل معك ذاكرة هرمة أتعبتها الإسفار
وآلام البعاد وصدق من قال أن الغربة داء من أصيب به فلا شفاء منه , وتذكرت
المفكر الراحل إدوارد سعيد حين قال : أيا كانت نجاحات و إنجازات المنفى فإنها
خاضعة دوما على الإحساس بالفقد وإنها نوع من اليتم .. المنفى هو حياة تعاش
خارج النظام المعتاد , حياة مترحلة , طباقية , بلا مركز وما أن يألفها الإنسان و
يعتاد عليها حتى تتفجر قواها المزعزعة من جديد ....
يلوح لك بين الحين والآخر فى الأفق أمل العودة وقد يأتى ذلك اليوم الذى تعود
فيه لأحضان الوطن بعد غيابك الطويل , لكنك ستشعر أنك غريب هناك أيضا وهذه
هى العبثية إنها حيرة ومأزق مربكين , تذكرت فى هذه اللحظة مقولة عبدالرحمن
منيف ( أسواء أنواع الغربة هى أن تكون غريبا فى وطنك ) ...

وصل القطار سريعا عند محطة نقطة وصولك , وأنت تغادر القطار متجها صوب
عملك مثقلا بكل هذه المشاعر والذكريات والأطياف المبهمة , نظرت إلى الهندى
الأحمر قبل نزولك من القطار فما زال سابح فى فضاء أحلامه الوردية لم يعباء
بضجيج الركاب أو بصوت عجلات القطار , أحسست نحوه بتعاطف وكنت تعلم أن
بلادة الواقع ستسقطه من سماوات أحلامه بعد لحظات ...

( إنتهت )

الأخوة جبريل
محمد عثمان عوض - أمستردام
عوض عثمان عوض - لندن
(Garcia )
Garcia غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


الساعة الآن: 12:43


Powered by vBulletin® Version 3.6.8, Copyright ©2000 - 2008, Tranz By Almuhajir
جميع الآراء والتعليقات المطروحة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع
SudaBest.net SudaBest.net

Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0 RC5

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99