|
ضحيتان فى بيت الجلاد - عمل مشترك
زخات مطر وصوت طائر مغرد وطقسا بارد , خلف ظلام يصارع البقاء فى وجه
صبح أراد ان يمحو جمال الليل وشاعريته ,هكذا يبدو المشهد لخلفية اللوحة
وهى حاضنة للثلاثة حالات الأولى , فى الجهة الأخرى لتلك اللوحة تشاهد
أطياف مبهمة وأشباح تبدو من على البعد , تتحرك فى عتمة هادئة وهى تلعن
قدوم صبح جردها من المسرح الخيالى , الذى يضج بحركتها اللانهائية ...
فإذا بك أنت تسير وحدك , فجأة يترائ لك طيفا شبحان من عالم الجن يهيمان
وسط تلك الأشجارالمتشابكة والكثيفة , يصل إلى مسامعك همسهما وهم يجرجران
أذيالهما بعد أن سلما بتقهقر مملكة الظلام لكن إلى حين .. قال أحدهم للآخر :
- ألا تتفق معى أن الصبح وضؤه رمزان للبلادة والمحدودية والجدب ..
رد الآخر بحسرة واضحة بدت من خلال زفراته :
- آه .... كفى لا تؤلمنى أكثر من ذلك فلنهرب من هذا الجحيم ..
وأنت تسقط من تلك اللوحة وبحدة صارخة , تدخل إلى عالم الواقع البائس و
الكئيب فتصل محطة القطار , تقف على الرصيف فى إنتظار أول قطار عند
الساعة الخامسة و سبعة عشر دقيقة لينطلق بك لمكان عملك , وصل القطار
متأخرا دقيقتين على غير المعتاد جلست فى مقعد عند أحدى الفواصل قريبا من
الباب لأنك ستغادره بعد دقائق , فى الجهة المقابلة يجلس شخصا نائم ممدا
أرجله على مقعد , ملقيا بظهره على فاصل كابينة غرفة قيادة القطار , يبدو
أنه فى طريقه لمكان عمله ويتضح ذلك من خلال البطاقة المتدلية من حزام
بنطاله , يبدو أنه لم يمضى وقت كافى من النوم أو أنه رافض فكرة الإستيقاظ
مبكرا وساخطا على وظيفته فى هذا الوقت ..ملامح شكله واضحة توحى بأنه
هنديا أحمر فالعين لا تخطئهم , قصير القامة وهذا يدل على أنه من إحدى دول
جنوب القارة الأمريكية , كان مرتديا زى ( الناهوم ) وتعنى الأغراب بلغة هنود
الأمازون .. يبدو عليه أنه أصيب بلوثة الحداثة و الحضارة والتقدم مثلك تماما
( فقد ولدت ملوثا بحضارتهم عندما كانت أرضنا مقصدا دائما للطامعين والمستعمرين )
لاشك أن هذا الهندى الأحمر الآن سابح فى أحلام وذكريات بعيدة ,
محلقا كطائر النورس فى ثنايا السماء الزرقاء دون أن يعكر صفوه شئ ..
قلت لنفسك ما أقسى الأقدار التى قذفت بك وبهذا الهندى الأحمرلأرض الجلاد
الأوروبى , الذى سرق وإغتصب خيرات وثروات البلاد ومحاولته إجتثاث الثقافة
المحلية وفرض ثقافته على مدى حقب زمنية طويلة , وخرج المستعمرمن باب
لكنه عاد ودخل مرة أخرة من النافذة , فهو مثل التنين ذو المئة رأس ..
قد يكون هذا الهندى الأحمر جاء بإرادته أو بغير إرادته سعيا وراء الرزق وقوت
الحياة , وأنت الأفريقى الذى دفعتك الظروف الطاردة هناك لمغادرة وطنك وأهلك
وإمتدت بك سنوات الغربة والمنفى و لا تدرى إلى متى تستمر ؟ الغربة والمنفى يا
لهما من تجارب فظيعة وورطة حقيقية , فى أثناء شرودك و تفكيرك إستعدت فى
ذاكرتك أغنية البلابل وسمعت تغريدهن عذبا :
نلقى وين طيبة أهلنا أو وطن يشبه وطنا
نحن والله ظلمنا روحنا لما هاجرنا ورحلنا
كادت دمعة ساخنة ان تسقط من عينيك لكنك كتمتها وحبستها فى آخر لحظة ,
قد تكون سألت نفسك لماذا حبستها ؟؟أليست دموع العين أهون من دموع القلب ؟
رددت هنا مع محمود درويش ( ربما كان هذا الحنين طريقنا فى البقاء ) وأنت
مشتت الأفكار وتائه بلا هوية مشدود بحنين العودة للوطن , والإقامة فى المهجر
والمنفى وأنت مفتقد لأهلك وأصحابك هناك تحمل معك ذاكرة هرمة أتعبتها الإسفار
وآلام البعاد وصدق من قال أن الغربة داء من أصيب به فلا شفاء منه , وتذكرت
المفكر الراحل إدوارد سعيد حين قال : أيا كانت نجاحات و إنجازات المنفى فإنها
خاضعة دوما على الإحساس بالفقد وإنها نوع من اليتم .. المنفى هو حياة تعاش
خارج النظام المعتاد , حياة مترحلة , طباقية , بلا مركز وما أن يألفها الإنسان و
يعتاد عليها حتى تتفجر قواها المزعزعة من جديد ....
يلوح لك بين الحين والآخر فى الأفق أمل العودة وقد يأتى ذلك اليوم الذى تعود
فيه لأحضان الوطن بعد غيابك الطويل , لكنك ستشعر أنك غريب هناك أيضا وهذه
هى العبثية إنها حيرة ومأزق مربكين , تذكرت فى هذه اللحظة مقولة عبدالرحمن
منيف ( أسواء أنواع الغربة هى أن تكون غريبا فى وطنك ) ...
وصل القطار سريعا عند محطة نقطة وصولك , وأنت تغادر القطار متجها صوب
عملك مثقلا بكل هذه المشاعر والذكريات والأطياف المبهمة , نظرت إلى الهندى
الأحمر قبل نزولك من القطار فما زال سابح فى فضاء أحلامه الوردية لم يعباء
بضجيج الركاب أو بصوت عجلات القطار , أحسست نحوه بتعاطف وكنت تعلم أن
بلادة الواقع ستسقطه من سماوات أحلامه بعد لحظات ...
( إنتهت )
الأخوة جبريل
محمد عثمان عوض - أمستردام
عوض عثمان عوض - لندن
(Garcia )
|