* تعد حركة الخوارج من اكبر الحركات المعارضة التي رافقت الدولة الاسلامية الناشئة , وبالتدقيق منذ اواخر عهد الخلفاء الراشدين , ظهرت حركة الخوارج التي تحتل مكانا بارزا لانها اؤلت تعاليم الاسلام تأويلا جذريا , على المستوى السياسي في اتجاه الديمقراطية والمساواة بين المسلمين , ولانها قرنت القول بالفعل فتجندت لنشر دعوتها وأقضت مضاجع الخلفاء الاموين وولاتهم في الاقاليم بما انشبته من ثورات متعددة في اماكن مختلفه . وكان لنشاطها استمرار حتى في عهد الخلفاء العباسيين حيث استطاعت ان تستقل ببعض الاقاليم وتنشىء دولا مازال اثرها ساريا الى اليوم بعد مرور اربعة عشر قرنا بالتقريب على نشوئها . وحركة الخوارج تمثل بالنسبة لاي مؤرخ في عصرنا وجها للمعارضه السياسيه التي عرفتها الدولة الاسلامية الناشئه وتبرهن له في الوقت نفسه على وجود تلك الطاقات الفكرية والنضاليه التي كانت مكبوتة في المجتمع العربي الجاهلي والتي جاء الاسلام بدعوته الهادفة وتعاليمه الواضحة فحررها من عقالها واوجد لها الظروف المادية والادبية لتعبر عن نفسها , فتسجل لنفسها صفحة طويلة في تاريخ الاسلام , جديرة بأن تستوقف الباحث في تاريخ الفكر السياسي الاسلامي .
* وفي هذا البحث سنعرض اولا للسياق التاريخي الذي ظهرت فيه حركة الخوارج ثم نلقي نظرة على تنظيمهم الاول ونشاطهم في فترة الانطلاق , وعلى المطالب والشعارات التي كانوا ينادون بها ويلتفون حولها ثم ننتقل بتحليلنا بعد ذلك الى التطورات الخطيرة التي دخلت فيها حركتهم في عهد الدولة الاموية وما طرأ عليهم من خلافات داخل صفوفهم تحولت الى انقسامات نشأت عنها عدة فرق , وستكون الفرصة حينئذ مواتيه للتعرف بصورة اوسع على افكارهم وخلافاتهم :
1 - نشأت حركة الخوارج :
=============
* الرواية المتفق عليها عند المؤرخين في نشأة حركة الخوارج ترجع بنا الى سنة 36 هجريه 657 م . التي ذهب فيها الامام والخليفه على بن ابي طالب الى صفين , وهى قرية قديمة بالعراق تقع غربي نهر الفرات , بعد ان شق عليه معاوية بن ابي سفيان عصا الطاعة وقام يطالب بدم خليفة رسول الله عثمان بن عفان بصفته زعيما لبني اميه , وواليا على الشام . وتقابل الجيشان في عين المكان طوال سبعة شهور دون قتال , لكن في شهر صفر 37 هـ نشب القتال بينهما في معارك متواليه . وبدأت كفة الحرب ترجح لصالح الامام علي بن ابي طالب , وخاف معاوية من عواقب الهزيمة , فابتكر حيلة رفع المصاحف لمطالبة خصومه بالاحتكام الى كتاب الله .
* نجحت الحيله اذ استجاب اصحاب الامام علي الى الدعوة الموجهة اليهم ولم يستمعوا
الى نصائحه الذي حذرهم فيها من الخديعة التي دبرها لهم خصومهم بقصد تشتيت كلمتهم في الوقت الذي بدأ الانتصار يلوح في الافق , ولكنه لم يجد بدأ من اتباع رأي اصحابه الذين كان جلهم من اهل العراق , فقبل فكرة الاحتكام الى كتاب الله على مضض , تجنبا للفتنه . وجرت عملية التحكيم التي آلت الى مهزلة بسبب غفلة ابي موسى الاشعري ممثل الامام علي ودهاء عمرو بن العاص , ممثل معاويه , اذا انتهت الى الاتفاق على عزل الخليفه الشرعي علي بن ابي طالب وترك الباب مفتوحا في وجه معاوية كي يجرب حظه في في تولي الخلافة , وهكذا وجد رابع الخلفاء الراشدين نفسه امام وضعية خطيرة تنذر بانشقاق الامة الاسلامية الناشئة وتعرضها للفتنة .
* وحسب عدد من الروايات التاريخيه , فان الجنود الذين انتقدوا الامام علي فيما بعد وكونوا النواة الاولى للخوارج , كانوا هم الذين ضغطوا عليه من اجل قبول التحكيم , حينما رفع انصار معاويه المصاحف وطلبوا التحاكم الى الله . بل انهم هم الذين فرضوا عليه تعيين أبي موسى الاشعري كحكم عنه , وكان بوده هو ان يرشح ابن عمه عبدالله بن العباس لهذه المهمة ومع ذلك , فقد اصبحوا يطالبونه برفض قرار التحكيم ومواجهة خصومه بالقوة , وحاول من جانبه ان يرجعهم عن موقفهم بطرح خلافه معهم على بساط المناقشة , ووجه اليهم عبدالله بن العباس ليناظرهم . فسألهم : " لماذا نقمتم على امير المؤمنين ؟ فاجابوا - قد كان للمؤمنين أميرا , فلما حكم في دين الله , خرج عن الايمان , فليتب بعد اقراره بالكفر , نعد له " .
فاعترض عليهم ابن عباس :
- لاينبغي لمؤمن لم يشب ايمانه شك أن يقر على نفسه بالكفر : فقالوا - انه قد حكم .
قال - ان الله عز وجل قد امرنا بالتحكيم في قتل صيد , حيث قال عز وجل : يحكم به ذو عدل منكم , فكيف في امامة قد أشكلت على المسلمين ؟ فقالوا - انه قد حكم عليه , فلم يرض .
* اتضح من المناظرة ان الخوارج كانوا بعيدين عن سبيل التفاهم , وانهم كانوا يشترطون على الامام علي شروطا غير مقبولة ليعودوا الى طاعته والذي حز في نفس الخليفة هو تناقضهم في قضية التحكيم , وتقلبهم بين الالحاح على اجرائه والتبرؤ من قبول نتائجه , وقد عبر عن عن خيبته في خطبة مشهورة يقول فيها :
{ أما بع , فأن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحيرة وتعقب الندامة . وقد كنت امرتكم في هذه الحكومة أمري , ونخلت لكم مخزون رأيي , لو كان يطاع لقصير امر,
فأبيتم على اباء المخالفين الجناة , والمنابذين العماة , حتى ارتاب الناصح بنصحه , وضمن
الزند بقدحه , فكنت واياكم كما قال أخو هوزان : أمرتكم امري بمنعرج اللوى فلم تستبينوا
النصح الا ضحى الغد } .
* بدأ الخوارج يقاطعونه وهو يخطب في الناس ويرددون شعار " لاحكم الا لله " فتصدى لهم مرات ومرات قال في خطبة له في مسجده :
{ كلمة حق يراد بها الباطل ! نعم , انه لاحكم الا لله , ولكن هؤلاء يقولون : لا أمرة الا لله
وانه لابد للناس من امير بر او فاجر يعمل في امرته المؤمن , ويستمتع به فيها الكافر , ويبلغ الله فيها الاجل , ويجمع بين الفيء , ويقاتل به العدو , وتأمن به السبل , ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر } .
* بدأ الخوارج يفكرون في تنظيم حركتهم والانتقال من الاعلان النظري عن افكارهم الى طور التطبيق . فعقدوا اجتماعا لهم في حروراء , وهى قريةتبعد عن الكوفة ميلين فكانت اول مركز لهم حتى ان المؤرخين يسمونها الحرورية , ويصور لنا الطبري الجو الذي جرت فيه تلك الاحداث بهاته الكلمات وهو يتحدث عن الجنود الذين كانوا مع الامام علي في معركة صفين :
{ خرجوا الى صفين مع علي وهم متوادون أحباء , فرجعوا متباغضين اعداء مابرحوا من معسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم . ولقد اقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويتضاربون بالسياط . يقول الخوارج : يا اعداء الله أوهنتم في امر الله عز وجل
وحكمتم . ويقول الآخرون : فارقتم امامنا وفرقتم جماعتنا . فلما دخل علي الكوفة لم يدخلوا معه حتى اتوا حروراء , فنزل بها منهم اثنى عشر الفا , ونلدى مناديهم : ان أمير
القتال شبث بن ربعي التميمي , وامير الصلاة عبدالله بن الكواء اليشكري . والامر شورى بعد الفتح والبيعة لله عز وجل , والامر بالمعروف والنهي عن المنكر }
ولعل بعض الناس في هذا الزمان يظنون أن هذه المسميات قد مضى عهدها لكن الحقيقة غير ذلك ، فأهل البدع في زماننا هذا ما هم إلا ببغاءات يرددون ما يعتقده أسلافهم و الخوارج منهم