مأمون ابو شيبة
الخال الأديب
* اليوم الاربعاء 30 مايو 2007م يتم تأبين زعيم امة الهلال والاداري السوداني الفذ الخال احمد الطيب عبد الله محمد علي الذي رحل عن دنيانا الفانية يوم السبت الرابع والعشرين من فبراير هذا العام بقاهرة المعز.. وهز رحيله الملايين.
* الاهتمام المتعاظم الذي وجده الفقيد منذ وفاته وحتى ليلة التأبين الكبرى اليوم.. أكد مدى التأثير الكبير والعميق للزعيم الفذ على الشعب السوداني وبالأخص شعب الهلال الوفي مما خفف كثيراً من أحزان اسرة الفقيد الذي لم يحظ بنعمة الأبناء ولكن عوضه الله بأبوته للملايين من أبناء الشعب السوداني الذين بكوه بدمع سخين ولا زالوا يبكونه حتى اليوم.. وحقاً فقد كان الطيب اباً لشعب كامل.
* الكل عرف الزعيم الطيب عبد الله وسيرته الطويلة كإداري فذ في العمل العام وكزعيم لأمة الهلال أرسى الكثير من الادب والمبادئ التي أصبحت منهاجاً في النادي العريق.. حتى أصبح الطيب مثلاً يضرب به ويحتذي.
* عرفنا الطيب ود السارة بأواصر القربى والرحم عبر أهل والدتي في أرض العلم الدويم.. وقد درج أهلنا هناك بنسب افراد الأسرة لامهاتهم تقديراً وعرفاناً للأم التي أكرمها رب العالمين.. ولذلك عرف الطيب عبد الله عند الأهل (بود السارة) .. والسارة على همام هي والدته وهي ابنة التاجر علي همام الذي نشأ وترعرع جوار أسرة والدي (له الرحمة) في مدينة الكوة التي انجبت العديد من الرموز السودانية.
* الفكي محمد علي جد الطيب عبد الله كان رجل دين في الدويم يعلم الصغار والكبار القرآن الكريم وفقه الدين، وهم من أصول قبيلة في مصر تنحدر من البدو العبابدة الذين كانوا يربون الابل والماعز في الصحراء ويعود نسبهم للقائد الاسلامي الزبير بن العوام الذي بعثه خليفة رسول الله (ص) عمر بن الخطاب مع أربعة فرق لمواجهة المقوقز في مصر فكانت تلك حقبة توطن العبابدة في الصحاري حول مجرى النيل في مصر والسودان ومنهم جاء الحربياب (ينتسبون الى جدهم حربي) وهم أجداد الخال الطيب.
* في الدويم تصاهر الحربياب مع أهلنا الجعليين العمراب، ومع تقادم السنين توسعت الانساب التي لم يعد يهتم بها الناس في زماننا هذا إلا في حدود بسيطة حتى اصبح جيل الشباب اليوم لا يفقه شيئاً عن أصله ونسبه.
* تفرق الأسر في شتى مدن وبقاع السودان وخارجه ومع ايقاع الحياة السريع لم تتح لنا فرصة التواصل مع اسرة الجدة السارة بنت همام إلا على نطاق الشيوخ والكبار وفي مناسبات متباعدة.
* لضعف صلات التواصل لم التق بالخال الطيب الا بشكل عابر ولكنه أرسل لي رسالة ذات مرة ويدعوني (مأمون ود نقرأ).. و(نقرأ) هذا لقب خاص يطلقه المقربون وكبار الاهل على والدتي اطال الله عمرها لأنها كما أظن كانت تطالب بالتعليم في المدارس وسط التشدد الديني للأجداد تجاه خروج المرأة للتعليم خارج المنازل .. جاءتني رسالة الخال ووقتها كنت اعمل بصحيفة الهدف.. وبأسلوبه الأنيق المعروف نورني الخال بايجاز عن الصلات الأسرية التي تربط بيننا وذكر المرحوم والدي ووالدتي، أطال الله عمرها، بالخير ودعاني لالتقيه ليسرد لي الكثير.. وفي ذلك الوقت كنت اناكف الهلال كثيراً بقلمي وحسبت ان الخال الطيب يريدني لتغيير الانتماء من المريخ الى الهلال فتكاسلت في مقابلته ولكنني ندمت على عدم لقائه وهو في كامل صحته بعد أن اقعده المرض.. فلقاء الخال الطيب كان بلاشك سيمنحني الكثير من المعلومات والادب مع استبعاد مسألة تغيير الانتماء بالطبع!!
* ندمت كثيراً على عدم توفر الفرص للجلوس مع الخال والنهل من معين علمه وخبراته الغزيرة خاصة بعد أن اتسعت الصلات الاسرية وشملت زوجتي التي تزوج حفيد عمتها المهندس سامي عبد الحميد احمد مدني ابنة أخت الخال الطيب السيدة امال عبد الله.
* الخال الطيب كان شخصية متفردة ولم يكن ادارياً فذاً له باع طويل في العمل في الكثير من اصقاع السودان فحسب، بل كان أديباً تتلمذ على يد العلامة عبد الله الطيب في مدرسة الدويم الريفية الوسطى.. ولعل كل من يطلع على الحوارات التي تجري معه يلاحظ الملكة الادبية وروعة التعبير وسحر البيان في اجابات الخال الطيب.
* وكل من يتعلم من الخال الطيب تظهر عليه الملكة الادبية.. وكثيراً ما يراودني الخاطر بأن الملكة الادبية للزميل ياسر عائس تنبع من معين الخال الطيب عبد الله لكثرة لقاءات واجتماعات الزميل ياسر مع الخال.
* واليكم ما كتبته ابنة اخته تيسير السنوسي وهي ترثي خالها الذي هو بمثابة الاب لها:
* أبي أب الخصال.. أبي أب الجمال.. أبي أب الهلال.. أبي عطر السودان وريحانة المكان.. لم ترحل فشذاك يفوح في الأركان.. استأذنك في الحديث عنك أمامك فاني أراك في كل الحضور.. اتحدث عن الأب الرقيق العطوف.. الحنين.. الانسان.. علمنا ان نحب الانسان بلا ألقاب.. تمتد علاقتنا بهم وتذوب كل الحواجز فكم كنا نسمعهم ينادونك (ود السارة).. العفة والقوة.. الحنية والمسئولية.. ارتبطت بها رباط السوار بالمعصم.. ويوم رحلت عنا كان موت الدنيا.. وكنت انت تتفانى وقتها في خدمة عشقك الازلي الهلال.. ألم اقل لك كانت تذوب الحواجز فنحن أنت، وأنت منهم.. وهم نحن.. أنت من زمان ولى يا أبي.. خلقت لتكون القدوة والزعامة والفداء.. تمردت على المألوف وبحكمة كنت بسيطاً .. وبحكمة اخترت من الجلاليب ما لم يكن مألوفاً.. منها المخطط بالازرق.. والرمادي.. والاحمر.. نعم الأحمر أحد ألوانك المفضلة.. فحذا حذوك كثر.. لا ادري ان كانوا يعلمون حكمتك؟.. كنت تختار البسيط الانيق ليزدان بك روعة وبهاء.. ابي أب الكرماء يا من تلذذت بعذاب نفسك.. لاسعاد الفقراء البسطاء.. ما أسعد الافواه التي اطعمتها يداك.. ويا لسعدنا من تربينا في رعاك.. ( ماهو الفافنوس.. ماهو الغليد البوص)؟! .. كنت تطرب لها وفي معانيها تغوص.. وكانت بنونة تتنبأ بمقدمك.. ابوداؤود.. الكابلي.. وحسن عطية.. والأخير كان يشكل عندك ثنائية.. لازالت اشرطتهم في مكتبتك تنتظر اناملك.. (يا أنة المجروح حياتك روح).. تدندن بها في عز الملك الذي به لم تبوح.. تحملت ما تنوء عنه الجبال.. بصمت يفصح عن شيم الرجال.. اللهم انه صبر على البلاء، لم فلم يجذع فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون أجورهم بغير حساب.. فانت سبحانك القائل

انما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب).. ياحي قبل كل وبعد كل حي.. اعف عن عبدك والطف به واحرسه بعينك التي لا تنام وياذا المعروف الذي لا ينقطع ابداً.. يامن لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة.. اغفر له ما لا يضرك وارحمه برحمتك التي وسعت كل شئ.. انشر عليه رحمتك وصب عليه بركاتك اجعل له القرآن شفيعاً وقائداً الى جناتك. اللهم لا تحرمنا اجره.. ولا تفتنا بعده.
* شكراً لكل من ذرف دمعة على رحيل الخال .. شكراً لكل من ذكره بالخير وضرب به المثل .. شكراً لكل الذين عملوا على تخليد اسمه وذكراه.. شكراً لكل من بذل ذرة من جهد من أجل هذه الليلة الخالد.. شكراً لكل من ترحم عليه وسأل له جنان الخلد .. ورحم الله عبده أحمد الطيب ود السارة.. إنا لله وإنا إليه راجعون.