بداية التحية ليكم يا ناس بيت ( إشراقات ) ولعلكم طيبين ..... النص أدناه للدكتور كامل حسن وتم نشره قبل شهور تقريباً ووجدت نفسي أعدت قرأته لأكثر من مرة فوجدتني آتي به اليكم ... مع خالص ودي
نظريات حسن أفندي ... الودر الحمار جاب البربندي
أردت بشخصية بربندى أن تتحدث بلسان المواطن البسيط الذى جمع خبراته عن طريق الممارسة... ذلك الإنسان الذى عمل فى الزراعة .. وكسائق عربة .. وذاق الجوع .. ونام وسريره الأرض وغطاؤه السماء والنجوم..جاب أطراف السودان فتعرف على القبائل المختلفة وعاداتها المتباينة فأكسبه تجواله معارف ثرة وسّعت مداركه وجعلته أكثر تفهماً وتقبلاً للآخر....
ومن سمات شخصية بربندى الرئيسية انه يعبر عن نفسه ببساطة ووضوح دون أن يحاول تنميق كلماته...أى - كما نقول فى لغتنا العامية - يرسل بربندى رائه واضحاً " زى طق العصا فى الساق ".. قد يؤلم كثيراً ولكنه صريح ويعبر عن الواقع ...وأتمنى أن يكون بربندى قد أوصل رسالته.....
اذن لماذا حسن أفندى ؟
بدءاً أعتقد إعتقاداً راسخاً أن للأفندية بنوعيهما ( الملكي منهم والعسكري ) والجلابة دوراً بارزاً فى ما نعانيه من مشاكل وتخلف ... فالأفندية - وأقصد شريحة المتعلمين عامة والتى تصدرت العمل السياسى خاصة - قد فشلوا فى التوصل الى السبيل السوى لتنمية وتطوير الإنسان السودانى... وذلك إما لتبنيهم لسياسات ونظريات هى فى الأساس عتيقة وبالية وغير متمشية مع ما يحدث حولنا من متغيرات .... أو هم - فى أحسن الأحوال - لم ينجحوا فى تطويع سياسات ونظريات كانت أمامها أبواب النجاح مشرعة إن قام مطبقوها بتعديلها لتلائم ظروف السودان وتخلوا قليلاً من بعض أنانيتهم.... كما وقف - فى كثير من الأحيان - عدم إلمام هذه الشريحة بأساليب العيش فى البلاد وتنوع عادات وتقاليد أهله حائطاً سميكاً بين الأفندى - عسكرياً كان أم مدنياً - الذى فرض نفسه وأمسك بدفة الحكم وبين المواطن المحكوم والمغلوب على أمره ....
ومما زاد العزلة بين طرفى المعادلة إعتقاد الأفندية بأنهم الأدرى بمصالح الإنسان البسيط والأقدر على تحقيقها بدون مشاركة ذلك الفقير الجاهل...وهكذا جعل الأفندى من نفسه وصياً على شخص لا يعرف تطلعاته أو حتى جدول أولوياته... والنتيجة أن أصبح هو فى وادٍ والمواطن البسيط فى وادٍ آخر....كل منهم يتحدث لغة لا يفهمها الآخر... وكنتيجة منطقية تجذرت الجفوة والتباعد حتى من قبيل الاستقلال وهى مستمرة - للأسف - الى يوم الناس هذا....
ولهذا التباعد مؤشرات فى ميادين عدة قد تكون الثلاثة التالية أهمها ... وهى بالتحديد :-
* وصاية الأفندى على المواطن البسيط حرمت الأخير من المشاركة فى الحكم وبالتالى أَُسكت ولم يعد له صوت يُسمع فى كيف تحكم بلاده .... وأصبحت علاقته الوحيدة بالعمل السياسى منحصرة - فى أغلب الأحوال - فى الإدلاء بصوته لإختيار من سيصبح سيده الجديد دون أن يراوده حلم المشاركة....
* تبعاً لذلك فقد فرصة المشاركة فى مشاريع " التنمية " حسب جدول أولوياته..... وحتى دوره فى التنفيذ جاء مقتصراً على إطاعة أوامر " الجهات العليا "...
* وعليه صار مسار تبادل الخبرات طريقاً فى إتجاه واحد ... وإنتفت إمكانية مشاركة القاعدة والإستفادة من تجاربها وخبراتها المستقاة من واقع نشاطاتها العملية.....
الأصل الثانى للمصائب هم الجلابة وقد صدق المثل القائل : " الجلابة سبب الحرابة " ... ونقصد بهم الجماعة القابضة على مفاتيح النشاط الإقتصادى وصاحبة الأثر الأكبر فى تسيير دفة الحكم إما مباشرة بالمشاركة فيه أو بطريق غير مباشر وذلك بتأثيرهم على متخذى القرار...
والدور السالب لهؤلاء يظهر فى السياسات عامة .. ولهم دور خاص فى زيادة الشقة بين أبناء السودان ...بالذات بين الشمال والجنوب وذلك بسبب جرائمهم المتعددة إن كان ذلك فى العهدين التركى والمهدوى ...أوعلى أيام الإستعمار الثنائى وسنوات ما بعد الإستعمار خاصة الفترة الأولى من الإستقلال وبصورة أخص فى فترات الدكتاتوريات العسكرية وكلنا يتذكر إستغفال التاجر الجلابى لمواطن الجنوب البسيط ... ومن منا لم يسمع بقصة التاجر الذى إشترى الديك من الجنوبى بقرشين ثم نتف من ذيل الديك نفسه ريشات أربع ليبيع كل منها ولمن إشترى منه الديك بتعريفة ... وهكذا يتحصل على ما دفعه ثمناً للديك ليبقى له بعد ذلك الديك بشحمه ولحمه وبقية ريشه ربحاً صافياً حلالاً بلالاً...قد تكون القصة مختلقة ولكن المراد منها واضح وضوح الشمس في كبد السماء .. وقد أخذنا عنوان المقالات " نظريات حسن أفندي " .... من المقولة المشهورة : حسن أفندي .. الودر الحمار جاب البربندى " ... والمقصود أن هذا الأفندى الراكب عنوة صهوة السياسة وإتخاذ القرار والفاقد تماماً للتجربة - وقد أوكل اليه أن يرعى حمار القرية المستخدم أساساً فى " السقى " - أى لجلب ماء الشرب - فاذ به يضيع الحمار لإهماله وغفلته ويأتى بالبربندى وحده ... وتدل المقولة أن حسن أفندى أضاع الأهم والأساسى وأتانا بالقليل التافه وهو البربندى...والذى فقد وظيفته ( ربط الحمار ) وما علينا إلا أن نرميه فى ركن قصى منسى عسى أن يهون الله لأهل القرية شراء حمار جديد اذ لا يمكن الإستفادة من البربندي فى الوقت الراهن ..والحمار الذى أضاعه حسن أفندى قد يرمز الى أى من أو كل الأشياء التى أضعناها... مثلاً التنمية ... السلام ..الخدمة المدنية المتميزة ... المستوى الأكاديمى الرائع لجامعاتنا... صحة المواطن...العلاقة الطيبة بين أبناء الوطن الواحد ... بل وحتى وحدة الوطن..
التعريف بالشخصية :
حسن أفندى ينحدر من عائلة طيبة الأعراق.... " ولدوهو فى الدايات ... وحبا فى البلاط " - كما كان يقول صديقنا د. عوض دكام - رحمه الله.... ومنذ نعومة أظافره كان يتقمصه شعور متجذر بأنه شخصية متفردة... فمنذ البداية لم يكن مسار تعليمه كبقية أبناء جيله يبدأ بالخلوة أو كتاب الحى ... ثم المدرسة الوسطى بنفس المدينة أو فى مدينة مجاورة ... فالثانوى ثم كلية غردون التذكارية إن كان من الأذكياء المحظوظين.... فالرجل ولد فى النعيم " من جهلو وبيت أهلو "...أى - كما يقول المفلسون الفصحاء - ولد وفى فمه ملعقة من ذهب وأخرى من فضة وثالثة من بلاتين...فالمدرس هو الذى يحضر اليه فصديقنا لا يذهب الى المدرسة كبقية خلق الله... وعندما أكمل تعليمه المحلى وتخطى جميع المراحل قبل الجامعية بتفوق " من منازلهم " وأحرز المرتبة الأولى متفوقاً على نفسه...ابتعثته العائلة الكريمة لتكملة تعليمه فى بلاد الخواجات.... وهناك - بالطبع - لم يتمرمط فى الداخليات ... ولم ينضم الى مجموعة " عزابة " يتقاسمون الوجبات ...وينام كل مائة منهم فى ثلاث حجرات ... بل كانت الشقة المفروشة فى إنتظاره حتى تتوفر له سبل العيش المريح ويتفرغ لحصد العلم والمعرفة....ورغم جهلنا بالمدة التى إحتاجها صديقنا ليكنس المعارف كنساً..إلا - والحق يقال - إن الأفندي رجع وهو يتحدث عربية فصيحة ويرطن رطانة خواجية - يقول المتفقهون فيها - إنها سلسة.... وبز الرجل أقرانه فتكدس قاموسه بكل ما هو "غميس " ووحشى من المصطلحات ... فأصبح حاله يحاكى حال صديقنا مولانا أميدو توماس من سيراليون والذى أنهى دراسته - هو الآخر - فى بلاد الخواجات...وعندما سألناه : متى ينوى العودة الى أفريقيا ؟ ..ردعلينا قائلاً: ان ذلك لن يحدث قبل أن يكتنز أكبر كمية ممكنة من الكلمات الصعبة غير المتداولة ... بعدها فقط يعود الى بلاده ... وعندما يتكلم هنالك مع أهاليه فلن يفهمه أحد... وعندها سألناه : وما الفائدة من حديثك إن كان لا يفهم ؟ .. رد علينا رداً مفحماً ... قال - لا فض فوه - : لأنك إذا تحدثت وفهمك الأخرون وحتى البسطاء الجهلاء .. فذلك يعنى أنك غير متعلم ."
وهذا بالضبط ما حدث مع حسن أفندى... يقال أنه كان يخاطب جمعاً من الغبش " الواقفين صفوف " وقد حشا خطبته بكم هائل من شوارد اللغة ... رجع أحد الغبش "الى أهله يتمطى " معتزاً ومفاخراً بأنه قد حضر محاضرة لحسن أفندى ... وعندما سئل الأغبش عما قاله حسن أفندى ؟ .. كان رد الأغبش : هى..هى..وجع.. هو كمان حديس حسن أفندى بنعرف ولا بنعرف... لكن يكون قال كلام أصلو ما معقول " .. وبدأ الأغبش يغنى من فرط إعجابه بخطبة حسن أفندى غير المفهومة وهو ينطط مردداً :
كلام حسن أفندى أصلو ما معقول
هو دا مـن الناس ولا وليد الحور
ما يهمنا فى قصة حسن أفندى... انه وبمجرد رجوعه الى أرض الوطن قرر أن ينضم الى هيئة التدريس... ويقال أنه إتخذ هذا القرار لأنه " بغر " من صديقه.. والذى اسمه - بالصدفة - أيضاً حسن ويعمل مدرساً وكان مثار إعجاب بنات الحى لدرجة أن إحداهن " قطعت فيهو غنوة " تقول كلماتها :
يا الجاى من باريس
عاوزاك لى عريـس
لأنك لطيــف لبّيس
ومن هيئة التدريس
وبالطبع ليس حسن بأفضل من حسن... وكذلك ليس أستاذ حسن بأفضل من حسن أفندى ... فإن كان الأول قد درس بباريس فالثانى قد درس بلندن ... ولم تكن تلبية رغبة حسن أفندى تحتاج كبير عناء... فالعائلة تمتلك أغلب أسهم المدرسة التى يعمل فيها جل المدرسين.. وعليه إستخرج كبير العائلة - وهو فى نفس الوقت رئيس مجلس إدارة المدرسة - فرماناً رفت بموجبه ناظر المدرسة القديم - رغم خبرته وإخلاصه - ليعين حسن أفندى بدلاً عنه ... وقد نشأت نتيجة لذلك مشكلة صغيرة تتلخص فى أن تقاليد المدرسة كانت تستوجب أن يكون للناظر وقاره وهو لذلك يختار دائماً من قدامى المعلمين المجربين... وقد حلت هذه المشكلة وتخطتها إدارة المدرسة بأن فرضت على حسن أفندى إرتداء "باروكة مشيبة " فى أيامه الأولى لزوم التمويه... وسمح له بالتخلى عنها وإستبدالها بطاقية ملونة بمجرد أن تهدأ عاصفة المحتجين .. وقد كان وهذا ما حصل...
" الأيام دول " - هكذا تقول الحكمة... وهى صادقة بوجه أخص فى بلدان العالم الثالث وبصورة أخص في سوداننا الحبيب....اليوم ترفعك " طوطحانية " الأيام الى السموات العلى لتخسف بك غداً الى أسفل سافلين... ويصير حالك كزوجة سفوبدان ملسوفيتش... فمن سيدة يوغسلافيا الأولى الى زوجة سجين ( تقبض عليه العدالة الدولية ) تستجدى ضابط السجن " لحظة واحدة " تقابل فيها زوجها "ويرجع ينسجن " ويُرفض طلبها...وهكذا كان حال حسن أفندى ... فمن ناظر مدرسة الى لاجىء سياسى ... ثم تعود " الأيام وتصفالو " ...ويتعكر صفاء مائها ثانية وهلمجرا ... وأكلح أيامه كانت تلك أثناء فترة إستيلاء الأستاذ حسن وجماعته على مجلس إدارة المدرسة... وكنتيجة لإدخال سلم تعليمى جديد - لا يشبه بحال من الأحوال سلم محى الدين صابر التعليمى - تم فصل جميع الكوادر غير الموالية...وشحن بعضهم - وأولهم حسن أفندى - فى كومر عتيق سار بهم الليل كله ...ثم النهار والليل كله... وفى منتصف نهار اليوم الثالث رمى بهم فى حفرة كبيرة لا يعرف مكانها بالتحديد...وإن كان البعض يقول إنها عبارة عن منجم أقامه خواجة كان ينقب عن الحديد إسمه جارى كوبر...لا أحد يعلم بالتأكيد.. ولكن فى يوم مطير عاد حسن أفندى الى المدينة.. والإشاعة تقول إن ذلك قد تم بمساعدة " الجمالة " الذين يجوبون الصحراء صيف خريف بحثاً عن الكلأ والتماثيل القديمة التى يتم تهريبها وبيعها خارج الحدود... المهم عاد حسن أفندى والكل ظن أنه سوف يعلن الجهاد المدنى ضد أصحاب السلم التعليمى الجديد...ولكن المفاجأة كانت عندما أعلن حسن أفندى : أن المعاملة الرديئة التى عامله بها جماعة السلم ما هى إلا سحابة صيف إنقشعت وحملتها الرياح الى " بلدن طيرو عجمى " وإنهم أصبحوا سمن على عسل "... ثم ردد مقولته الممجوجة : عفا الله عما سلف... وأضاف ضاحكاً :" والدم عمره ما يبقاش موية "
إختلف القوم فى تقييم موقف حسن أفندى ...بعضهم قال : الزول دا عمره مابتغيير ..وقصتو زى قصة الموظف الذى عمل لمدة ثلاثين عاماً وعندما سئل رئيسه عن مدى خبرته...أجاب الرئيس - وسط دهشة الحضور : عام واحد .. إستفسر أحد الحضور : و لكن الرجل يعمل لمدة ثلاثين عاماً ؟ ...أنت لم تسأل عن مدة خدمته بل سألت عن خبرته .. فصديقك لا يزال يكرر أخطاء سنته الأولى طوال الثلاثين عاماً ولا يزيده كر الأيام الا تشبثاً بإسلوبه العقيم... أما البعض الآخر .. فيظن أن شمس الصحراء قد أثرت على رؤية حسن أفندى وأصابته بضربة شمس جعلته يتخيل أشياء غير موجودة ...مثلاً أن النظام قد إنتقل من المربع الأول الى الثانى وهو الآن يسعى فى خطى حثيثة نحو المربع الثالث وهلمجرا ... وصار مثل ذلك الملك الذى راح ضحية ترزى " مستهبل " إستطاع أن يقنعه بأنه صار يرى أشياء لا يراها الإنسان العادى... وتطور الأمر أن قدل الملك - ليس فقط حافى حالق - بل أيضاً عرياناً كما ولدته أمه معتقداً أنه يتبختر فى ثوب أنيق.... والحق يقال - أن حسن أفندى لم يستطع تطوير قدراته...وأصبح إما يلوك ويلوك ما كتبه أو يكتب ما يقوله دون تجديد...فصار كساقية جحا :" تشيل من البحر .. وتكب فى البحر "... وبهذه الطريقة يعيد كلاماً مكروراً...فلا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع..وزاد الطين بلة فى الأيام الأخيرة... أن حسن أفندى أصبح يعتقد أنه فليسوف وصاحب نظريات...وتمكن منه هذا الشعور خاصة بعد عودته عندما رضى من الغنيمة بالإياب..وما علم الرجل أنه قد أضاع ماءه من أجل السراب.. تمثل شخصية حسن أفندى تلك الصفوة التى تتحكم فى سير الأحداث فى السودان ...ونحن نريدها شخصية نمطية إلا أنها متبدلة كفرد...وعليه إن حدث ورأى أحدهم أنها تشابه أو حتى تنطبق على هذا أو ذاك لهذه أو تلك الدرجة فلأمر مجرد صدفة فنحن لا نقصد شخصاً بعينه..وإن كانت - الشخصية - تأخذ من كل منا شيئاً نحن والأجيال التى سبقتنا... وقد يكون التشابه أكثر مع قيادات العمل السياسى .....