أولا:
يوجد بداخل الكعبة المشرفة ريح طيب من خليط المسك والعود والعنبرالذي يستخدم بكميات كبيرة لتنظيفها ويستمر مفعوله طوال العام
ثانيا:
تغطى أرضية الكعبة برخام من اللون الأبيض في الوسط، أما الأطراف
التي يحددها شريط من الرخام الأسود فهي من رخام الروزا (الوردي) الذي يرتفع
إلى جدران الكعبة مسافة 4 أمتار دون أن يلاصق جدارها الأصلي. أما المسافة
المتبقية - من الجدار الرخامي حتى السقف (5 أمتار) - فيغطيها قماش الكعبة
الأخضر (أو ستائر من اللون الوردي) المكتوب عليه بالفضة آيات قرآنية كريمة
وتمتد حتى تغطي سقف الكعبة. كما توجد بلاطة رخامية واحدة فقط بلون غامق
تحدد موضع سجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. بينما توجد علامة أخرى من نفس
الرخام في موضع الملتزم حيث ألصق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بطنه الشريف
وخده الأيمن على الجدار رافعا يده وبكى (ولذا سمي بالملتزم)
ثالثا:
ثلاثة أعمدة في الوسط من الخشب المنقوش بمهارة لدعم السقف بإرتفاع حوالي 9 أمتار محلاة بزخارف ذهبية
رابعا:
عدد من القناديل المعلقة المصنوعة من النحاس والفضة والزجاج المنقوش بآيات قرآنية تعود للعهد العثماني.
خامسا:
درج (سلم) يصل حتى سقف الكعبة مصنوع من الألومنيوم والكريستال.
سادسا:
مجموعة من بلاطات الرخام التي تم تجميعها من كل عهد من عهود من
قاموا بتوسعة الحرم المكي الشريف. يوضع من وقت لآخر جهاز رافع آلي (مان-ليفت) لعمال التنظيف داخل الكعبة مع
مضخة ضغط عالي تعبأ بالماء ومواد التنظيف.
تغسل الكعبة المشرفة من الداخل مرة واحدة في كل عام بالماء والصابون أولا
ثم يلي ذلك مسح جدرانها الداخلية وأرضيتها بالطيب بكل أنواعه وتبخر بأجمله

الحجر الأسود
بئر زمزم
تقع على بعد 21م من الكعبة المشرفة وافادت الدراسات أن العيون المغذية للبئر تضخ ما بين 11 الى 18.5لترا من الماء في الثانية .
وقد كان على بئر زمزم بناء يغطيه ومساحته 88.8متر مربع وهدم ما بين عام 1381-1388 هجريه لتوسعة المطاف ونقل مكان شرب ماء زمزم الى بدروم مكيف اسفل المطاف بمدخل منفصل للرجال والنساء ويمكن رؤية البئر من داخل الحاجز الزجاجي فضل ماء زمزم : هو خير ماء على وجه الارض وظهر بواسطة جبريل عليه السلام ونبع في اقدس بقعة على وجه الارض وغسل به قلب المصطفى صلى الله عليه واله وسلم أكثر من مرة وبارك فيه الرسول صلى الله عليه واله وسلم بريقه الشريف .
وهو لمن شرب منه

مقام سيدنا ابراهيم عليه السلام
هو الحجر الذي قام عليه خليل الله ابراهيم عند بناء الكعبة وكان اسماعيل يناوله الحجارة
وكل ما كمل جهة انتقل الى اخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه حتى انتهى الى وجه
البيت وقد كان من معجزات ابراهيم عليه السلام ان صار الحجر تحت قدميه رطبا فغاصــــــت
فيه قدماه وقد بقي أثر قدميه ظاهرا فيه من ذلك العصر الى يومنا وان تغير عن هيئتـــــــــــه
الاصليه بمسح الناس بأيديهم قبل وضع الحجر في المقصورة الزجاجية.
فضل مقام ابراهيم عليه السلام من اعظم افضاله أن حفظ الله حجر المقـــــــــام طوال هذه القرون ليكون اية من ايات الله الباقيه ومن افضاله انه في موقعه لم يتغير على مدى القرون كذلك ....ونزول ايات كريمة بالامر في اتخاذ مقام ابراهيم مصلى هو فــــــــضل عظيم صلاها الرسول صلى الله عليه واله وسلم فيه وصلاها صحابته ومن تبعهم باحــسان الى يوم الدين وقد جاء في أخبار مكة عن ابن عباس انه قال ليس في الارض من الجنــــــــــةا الا الركن الاسود والمقام ولو لا ما مسهما من اهل الشرك ما مسهما ذو عاهة الا شفاه الله

الصفا:
جبل صغير يبدأ منه السعى وهو في الجهة الجنوبية مائلا الى الشرق
على بعد نحو 130 متر من الكعبة المشرفة..وقد ورد ذكره في القران
قال تعالى {ان الصفا والمروة من شعآئر الله...}سورة البقرة 158
الصفا:
جبل صغير يبدأ منه السعى وهو في الجهة الجنوبية مائلا الى الشرق
على بعد نحو 130 متر من الكعبة المشرفة..وقد ورد ذكره في القران
قال تعالى {ان الصفا والمروة من شعآئر الله...}سورة البقرة 158

المروه:
جبيل صغير من حجر المرو وهو الابيض الصلب وهو في الجهة الشرقية
الشمالية على بعد نحو300متر من الركن الشامي للكعبة المشرفة وهو منتهى
المسعى الشمالي واحد مشاعر الحج

المطاف :
هو المساحة التى تحيط بالكعبة المعظمة ويستخدمها المسلمون في طوافهم بالبيت العتيق وفيه الحركة متصلة آناء الليل والنهار مابين طائف وراكع وساجد وخاشع أمام اللملتزم يدعوالله ويسترجيه

كسوة الكعبة المشرفة على مدار التاريخ !!
--------------------------------------------------------------------------------
التعلق بأستار الكعبة من الأمور ذات الدلالة الهامة في موروث التدين الشعبي للمسلمين، فعند غالبية المسلمين يرتبط الدعاء متعلقا بأستار الكعبة عادة بدرجة عالية من الإلحاح في الدعاء، ومن تتاح له الفرصة لزيارة بيت الله الحرام، وتواتيه القوة للوصول إلى الكعبة المشرفة سيجد أن هذا الموروث ما زال متصلا، بل ربما شاهد بعضا من آثار التعلق بأستار الكعبة.
وكما كان عامة المسلمين دوما يحلمون بنيل شرف التعلق أو حتى التمسح بأستار الكعبة، فإن حكام المسلمين على مر العصور ظل يداعب خيالهم الحصول على شرف القيام بإعمار بيت الله الحرام وكسوة الكعبة المشرفة، ومن هنا احتلت كسوة الكعبة المشرفة مكانا خاصا في الوعي المسلم على المستوى الرسمي أو الشعبي، ويتناول هذا الملف تاريخ كسوة الكعبة المشرفة.
اختلف المؤرخون في أول من قام بكسوة الكعبة المشرفة؛ فقيل إن أول من كسا الكعبة هو نبي الله "إسماعيل" عليه السلام، وقيل إن أول من كساها هو "عدنان بن أد"، بعدما خاف أن ُيدرس الحرم فوضع أنصابه، فكان أول من وضعها وأول من كسا
الكعبة، وأشار "البلاذري" أن "عدنان" هذا هو حفيد نبي الله إسماعيل -عليه السلام- ويليه بخمسة أجيال كاملة.
غير أن الثابت تاريخيا أن أول مَن كساها هو "تبع أبي كرب أسعد" ملك حمير سنة 220 قبل الهجرة بعد عودته لغزوة يثرب؛ فروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن سب تُبَّع ملك حمير بقوله: "لا تسبوا تبعا، فإنه كان قد أسلم"، رواه أحمد في مسنده عن سهل بن سعد.
وكان تُبّع هو أول مَن كسا الكعبة كسوة كاملة - كساها "الخصف"، وتدرج في كسوتها حتى كساها "المعافير" وهي كسوة يمنية، كما كساها "الملاء" وهي كسوة لينة رقيقة، وعمل لها بابا ومفتاحا، ولم يكن يغلق الباب قبل ذلك، ثم تبعه خلفاؤه من بعده فكانوا يكسونها.
وكانت قريش ترافد في كسوة الكعبة، وذلك بأن يقدروا بعضا من المال على القبائل بقدر احتمالها، في عهد "قصي بن كلاب" حتى جاء "أبو ربيعة بن المغيرة المخزومي"، وكان من الأثرياء فقال لقريش: "أنا أكسو الكعبة وحدي سنة، وجميع قريش سنة"، وظل يكسو الكعبة، إلى أن مات، فكانت قريش تلقبه بـ"العدل" وذلك لأنه كان يعدل قريشا وحده في كسوة الكعبة.
أما أول امرأة كست الكعبة في الجاهلية فهي "نبيلة بنت حباب" أم العباس بن عبد المطلب، وكانت قد نذرت ذلك.
ومن المعلوم أن الكعبة قبل الإسلام كانت تُكسى في يوم عاشوراء، ثم صارت تُكسى في يوم النحر، وصاروا يعمدون إليها في ذي القعدة فيعلقون كسوتها إلى نحو نصفها، ثم صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوها الكسوة الجديدة.
الكسوة في العصر الإسلامي
لبست الكعبة أول كسوة إسلامية في العام التاسع الهجري بعد أن فتح المسلمون مكة، وكسا النبي -صلى الله عليه وسلم - الكعبة مرة واحدة في حجة الوداع كساها الثياب اليمانية، كما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يتحمل بيت مال المسلمين نفقتها.
وعلى خطى النبي -صلى الله عليه وسلم- صار الخلفاء الراشدون في تقليد كساء الكعبة مرة كل عام حيث كسيت بالقباطي في عهد أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم-، و"القباطي المصرية" هي أثواب بيضاء رقيقة كانت تُصنَع في مصر، غير أنها لم تكس في عهد علي بن أبي طالب.
وكان "عثمان" أول من ظاهر كسوتين القباطي والبرود، وكان عمر بن الخطاب يكسوها من بيت المال، وينزع ثياب الكعبة في كل سنة فيقسمها على الحجيج.
ولقـد حظيت مصـر بشرف صناعة كسوة الكعبة منذ أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطـاب - رضي الله عنه- حيث كتب إلى عامله في مصر لكي تحاك الكسوة بالقماش المصري المعروف باسم "القباطي" الذي كان يصنع في مدينة الفيوم.
وقد اهتم الخلفاء الأمويون بكسوة الكعبة المشرفة اهتماما بالغا، فكسا "معاويـة بن أبي سفيان" -رضي الله عنه- الكعبة كسوتين في العام، كسوة الديباج تعلق يوم عاشوراء، وكسوة القباطي في آخر شهر رمضان ابتهاجا واستعدادا لعيد الفطر، ومعاوية هو أول من طيب الكعبة وأجرى لها الطيب لكل صلاة فكان يبعث بالطيب في موسم الحج وفي رجب، وخصص لها عبيدا بعث بهم إليها ليخدموها، ثم اتبع ذلك الولاة من بعده.
وعندما انتهى "عبد الله بن الزبير" -رضي الله عنه- من بناء الكعبة المشرفة عام (64هـ) كساها بالقباطي والديباج الخسرواني، وكان يبعث إلى أخيه مصعب بن الزبير ليبعث بالكسوة كل سنة فكان يكسوها يوم عاشوراء"، كما كان يطيب الكعبة الشريفة في كل يوم برطل من الطيب ويوم الجمعة برطلين، ويقال أيضا إنه أول من طيب جوف الكعبة.
كذلك كساها بالديباج (الحرير) "الحجاج بن يوسف الثقفي" بأمر الخليفة "عبد الملك بن مروان" طوال حكمه، فكان عبد الملك بن مروان يبعث بالكسوة من الشام، فيمر بها على المدينة المنورة؛ فتنشر يوما في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم- ثم تطوى ويبعث بها إلى مكة.
وفي عام (91هـ) قدم الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وأحضر معه كسوة للكعبة مصنوعة من الديباج، وتكرر نفس الشيء منْ هشام بن عبد الملك، الذي يقال إنه أول من دعي له على الكعبة، وكذلك فعل سائر خلفاء بني أمية.
العباسيون.. والكسوة
لم يهتم خلفاء الدولة العباسية في بداية عهد التأسيس بكسوة الكعبة المشرفة؛ نظرا لكثرة القلاقل والاضطرابات داخل الدولة، وعندما تولى "المهدي" الخلافة قام بكساء الكعبة المشرفة كسوة جديدة، بعد أن قام بتجريدها مما اجتمع عليها من كسوة.
وقد بلغ اهتمام خلفاء بني العباس بكسوة الكعبة شأنا كبيرا، فكانت تصنع من أجود أنواع الحرير، وكانت تكسى في بعض السنوات ثلاث مرات في السنة، كما أن الخلفاء من بني العباس كانوا يصنعون كسوة الكعبة من الديباج الأحمر والقماش الأبيض القباطي، والديباج الأبيض والحرير الفاخر وخاصة في أيام قوة الدولة العباسية وقوة خلفائها.
وقد أمر الخليفة "المأمون" أن تكسى الكعبة ثلاث مرات كل سنة، فتكسى الديباج الأحمر يوم التروية، وتكسى القباطي أول رجب، وتكسى الديباج الأبيض في عيد الفطر.
وظل العباسيون يهتمون بأمر كسوة الكعبة حتى إذا ضعف أمرهم صارت ترسل الكسوة تارة من بعض ملوك الهند، وفارس، واليمن، وأخرى من مصر حتى اختصت مصر بكسوة الكعبة.
ومع انتهاء دولة بني العباس سنة 656هـ انتهى تقريبا دورها الحضاري في كسوة الكعبة المشرفة، وبدأت دول أخرى تنافسها هذا الشرف العظيم، من المشرق ومن المغرب، وخاصة مصر التي أخذت قوتها تبزغ وتنفصل عن التبعية للدولة العباسية، ويصبح لها الكيان المستقبل المنفرد، وكانت آخر كسوة عباسية للخليفة الناصر، وتحدد لونها في اللون الأسود، واستمر ذلك من بعده إلى أن انتهت الدولة
العباسية.
مصر.. وكسوة الكعبة
شهد عصر الدولة الفاطمية بداية التحول نحو بروز دور مصر في كسوة الكعبة وهو الدور الذي استمر حتى القرن الرابع عشر الهجري بصور متعددة، فمنذ العصر الفاطمي حرص حكام مصر على إرسال كسوة الكعبة في كل عام.
وتميزت الكسوات الفاطمية بطابعها الغريب، فخليفتهم الثاني العزيز بالله كسا الكعبة في عام 381هـ بكسوة بيضاء اللون، أما كسوة الحاكم بأمر الله فقد ذكر بن إياس" ضمن حوادث سنة 387هـ أن جماعة من العربان وثبوا على كسوة الكعبة وانتهبوها جميعا، فكسيت الكعبة في تلك السنة بنوع من القماش يُسمى الشنفاص الأبيض.
ومع بداية الدولة المملوكية اختصت مصر بإرسال كسوة الكعبة، فأرسلها السلطان الظاهر بيبرس في القرن السابع الهجري حيث كانت أول كسوة مصرية للكعبة سنة (661هـ - 1262م) وظلت تكسى من مصر طوال العصر المملوكي باستثناء سنوات قليلة، حيث تشبث المماليك بما اعتبروه حقهم في كسوة الكعبة رافضين أن ينال أحد غيرهم هذا الشرف، حتى وإن اقتضى ذلك التصدي لأي طامع في نيل شرف كسوة الكعبة بالسلاح.
وتعددت محاولات بعض ملوك وأمراء الأقاليم الإسلامية الأخرى في القيام بكسوة الكعبة، مستعينين في ذلك بالقوة تارة وبالحيلة تارة أخرى، إلا أن كل ذلك لم يجد نفعا مع المصريين.
ففي عام 751هـ أراد ملك اليمن "المجاهد" أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ويكسوها كسوة من عنده باسمه، فلما علم بذلك أمير مكة أخبر المصريين فقبضوا عليه، وأرسل مصفدا في الأغلال إلى القاهرة، وبعد مرور نحو نصف قرن على هذه الحادثة، تجددت محاولات اليمنيين مرة أخرى لكسوة الكعبة، إلا أن مصير تطلعات اليمنيين لكسوة الكعبة لم تكن أحسن حالا من مصير المحاولة السابقة، حيث منع أمير الحج المصري دخول حجاج اليمن ومعهم الكسوة اليمنية التي جهزها صاحب اليمن "إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد" وعادت الكسوة اليمنية إلى جبال اليمن، وماتت تطلعات اليمنيين في كسوة الكعبة.
ولم يكن اليمنيون وحدهم من سعوا إلى منافسة المصريين شرف كسوة الكعبة، بل حدث نفس الأمر من العراقيين والفرس أيضا إلا أن هذه المحاولات كان مصيرها الفشل أمام تمسك سلاطين المماليك بشرف كسوة الكعبة الذي كان في حقيقته يحمل أهدافا سياسية؛ حيث إن كسوة الكعبة دليل على القوة والنفوذ في العالم الإسلامي.
وقد انعكس حرص السلاطين المماليك ورعايتهم للكسوة الشريفة، في الوقفيات التي خصصت للكسوة؛ ففي عام 751هـ أوقف الملك الصالح إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر وقفا خاصا لكسوة الكعبة الخارجية السوداء مرة كل سنة، وكان هذا الوقف عبارة عن قريتين من قرى القليوبية هما بيسوس وأبو الغيث، وكان المتحصل منهما سنويا 8900 درهم، وبذلك تم تأسيس نظام الوقف على الكسوة وغيرها؛ ما أعطى لها الاستمرار والاستقرار، وظل هذا هو النظام القائم إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني.
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»..............«®°·.¸.•°° ·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
الكعبة المشرّفة : سرُّ البناء والموقع
(قراءة في خطبة القاصعة)
عبد السلام زين العابدين
احتلّ حديث الإمام عليّ(عليه السلام) حول الكعبة المشرّفة في خطبة (القاصعة) مساحةً واسعةً ، ركّز فيها على سرّين أساسيين :
السرّ الأوّل : طبيعة البناء (أحجارٌ لا زمرّد ، ولا ياقوت) .
السرّ الثاني : طبيعة الموقع (جبالٌ خشنة ورمالٌ دمثة) .
لقد كشف الإمام(عليه السلام) أسرار كون بيت الله الحرام من أحجار «لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع» .
لماذا كانت الاُسس والبناء من حجارة ، وليس «من زمرّدة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء»؟!
ولماذا كان الموقع الجغرافي «بأعور بقاع الأرض حجراً ، وأقلّ نتائق الأرض مدراً ، وأضيق بطون الأودية قطراً ، بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة»؟!
لماذا لم يضع الله ـ عزّوجلّ ـ بيته الحرام ومشاعره العظام «بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتفّ البنا ، متّصل القرى ، بين بُرّة سمراء ،
وروضة خضراء ، وأرياف محدقة وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة ، وطرق عامرة»1؟!
وبكلمة واحدة : لماذا كانت الكعبة أحجاراً بواد غير ذي زرع؟!
أسئلةٌ مهمّة يجيب عنها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) في خطبة هي من أروع خطبه التي جمعها الشريف الرضي في نهج البلاغة تسمّى (القاصعة) .
المبحث الأوّل
خطبة القاصعة : الهيكلية ودلالات السياق
جاء في الحديث عن مكّة والكعبة في سياق خطبة القاصعة منسجماً مع محورها العام ، وموضوعها الأساس الذي ركّزت عليه من أوّلها إلى آخرها ، وفي جميع فقراتها .
وقد سمّيت الخطبة بـ (القاصعة) لأنّها تزيل الكبر عن قلب سامعها أو قارئها إذا أصغى قلبه إلى كلماتها ، كما يقصع الماء العطش ، من قَصَعَ بمعنى أزال ، أو لأنّها تحقر وتشجب المتكبِّرين والمترفين الذين ينازعون الله رداء عزّه وكبريائه ، قصع بمعنى حقر وصغّر ، وقيل غير ذلك .
يطرح العلاّمة ميثم البحراني وجوهاً أربعة قد ذكرها الشارحون لنهج البلاغة في معنى (القاصعة) جاء الوجه الثالث منها : «سمّيت بذلك لأنّها هاشمة كاسرة لإبليس ، ومصغّرة ومحقّرة لكلّ جبّار ، وهو وجه حسن» ، أمّا الوجه الرابع : «لأنّها تسكِّنُ نخوة المتكبّرين وكبرهم فأشبهت الماء الذي يسكِّنُ العطش ، فيكون من قولهم : قصَعَ الماء عطشه إذا سكّنه وأذهبه»2 .
وجاء في بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي في معنى (القاصعة) «من قصع فلانٌ فلاناً : أي حقّره; لأنّه(عليه السلام) حقّر فيها حال المتكبّرين»3 .
تبدأ خطبة (القاصعة) بتقرير حقيقة إذا غفل عنها الإنسان أصابه الكبر; ألا وهي أنّ «العزّ والكبرياء» لله عزّ وجلّ فحسب ، لا يشاركهما فيه أحد :
«الحمدُ لله الذي لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمىً وحَرَماً على غيره ، واصفاهما لجلاله ، وجعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده» .
المستكبرون عبر التاريخ : نماذج ومصاديق
ثمّ تبدأ فقرات الخطبة باستعراض المصاديق الصارخة لأولئك الذين نازعوا الله رداء العزّة والكبرياء ، فعاشوا الاستكبار والاستعلاء ، منذ مرحلة التمهيد للخلافة (دور جنة آدم(عليه السلام)) وهي مرحلة ما قبل هبوط آدم ، إلى الأرض ، إلى (الناكثين) و(القاسطين) و(المارقين) الذين قاتلهم عليّ(عليه السلام) ، وجاهدهم ودوّخهم!
المصداق الأوّل : إبليس إمام المتعصّبين وسلف المستكبرين; لذا فإنّ خطبة القاصعة تبدأ بمصداق الاستكبار الأوّل إبليس الذي هو أوّل من قال (أنا) ، فأسّس الأنيّة والأنانية : {أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين} ، لذلك أبى السجود بقوله : {أأسجدُ لمن خلقت طيناً} ، {أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} :
«ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، لتميزَ المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ، ومحجوبات الغيوب :
{ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِين* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاَّ إِبْلِيسَ} اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله . فعدّه الله إمام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ونازع الله رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التعزّز ، وخلع قناع التذلّل . ألا ترون كيف صغّره الله بتكبّره ، ووضَعَه بترفّعه ، فجعله في الدنيا مدحوراً ، وأعدَّ له في الآخرة سعيراً؟!» .
ولم يكن إبليس شخصاً عادياً ، فله تأريخٌ عبادي طويل ، ترسمه خطبة (القاصعة) بأبلغ وصف :
«فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذْ أحبط عمله الطويل ، وجهدهُ الجهيد ، وكان قد عبد الله ستّة آلاف سنة ، لا يُدرى أمِنْ سِني الدُّنيا أم من سِني الآخرة ، عن كبر ساعة واحدة» .
ثمّ يتساءل أمير المؤمنين(عليه السلام) محذِّراً :
«فمن ذا بعد إبليس يسلمُ على الله بمثلِ معصيته؟ كلاّ»
المصداق الثاني : قابيل
«ولا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله به الندامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة» .
المصداق الثالث : فرعون الطاغية
وفي سياق التحذير من طاعة السادات والكبراء والأدعياء «الذين تكبّروا على حسبهم ، وترفّعوا فوق نسبهم» ، والاعتبار «بما أصاب الأمم المستكبرين . . . من بأس الله وصولاته ووقائعه ومثلاته»4 ، يذكر الإمام(عليه السلام)مصداقاً صارخاً للطاغية المستكبر الذي ما فتئ يدقُّ على طبل «أنا ربّكم الأعلى» و«ما علمت لكم من إله غيري» :
«ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون(عليهما السلام) على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العِصيّ فشرطا له إنْ أسلم بقاء ملكه ودوام عزّه ، فقال : «ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذلّ ، فهلاّ أُلقي عليهما أساوِرةٌ من ذهب»؟ إعظاماً للذهب وجمعه ، واحتقاراً للصوف ولبسه! . ولو أراد الله لأنبيائه حيث بعثهم أنْ يفتح لهم كنوز الذِّهبان5 ، ومعادن العِقيان6 ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء ، ووحوش الأرض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء7 ، وبطل الجزاء8 ، واضمحلّت الأنباء9 ، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين10 ، ولا لزمت الأسماء معانيها»11 .
«ولكنّ الله سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأُ القلوب والعيون غنًى ، وخصاصة تملأُ الأبصار والأسماع أذًى» .
وفي هذا السياق; سياق الحديث عن الابتلاء في ساحة الصراع ، وميدان المواجهة بين المترفين والأنبياء ، وسرّ ما يعيشه الأنبياء(عليهم السلام) ، على مرّ التاريخ ، من استضعاف ومحنة ومعاناة وخصاصة ، لأسباب ومقاصد عديدة . . عرّج الإمام(عليه السلام)على مكّة المكرّمة والكعبة المشرّفة كمصداق من مصاديق الاختبار والابتلاء ، من خلال طبيعة المادّة والبناء أوّلا ، وطبيعة الموقع الجغرافي الصعب ثانياً .
المبحث الثاني
طبيعة البناء : حجارةٌ صمّاء لا ياقوتة خضراء
النصّ الأوّل : «ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ـ صلوات الله عليه ـ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرُّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً»!
النصّ الثاني : «ولو كان الأساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها ، بين زمرّدة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفّف ذلك مصارعة الشكّ في الصدور ، ولوضَعَ مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتَلَجَ الرَّيب من الناس .
ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجاً للتكبّر من قلوبهم ، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله ، وأسباباً ذُلُلا لعفوه» .
في هذين النصّين الرائعين يرسم أمير المؤمنين سرَّ طبيعة بناء الكعبة المتواضع المتكوّن من أحجار جامدة ، ينظرُ إليها الناظر فيراها لا تمتلك شعوراً ولا إحساساً . . فلا بصر ولا سمع ، ولا ضرّ ولا نفع . . ومع كلّ ذلك يسعى الحجيج للطواف حولها بكلِّ خشوع واستكانة وخضوع . بل نراهم (يتقاتلون) على استلام الحجر الأسود والسلام عليه ومعاهدته!! وهو لا يملك بريق الزمرّد ، وتلألأ الياقوت . .
وفي ذلك سرٌّ كبير يكشفه لنا أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبته القاصعة . . لأنّ البناء لو كان من «زمرّدة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفّف ذلك مصارعة الشكّ في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس في القلوب ، ولنفى معتلج الرّيب من الناس» .
ما معنى ذلك؟ وكيف يحصل كلُّ ذلك؟
لقد أراد الله عزّوجلّ أنْ يكون القصد لبيته الحرام نابعاً من معاناة ووعي وإيمان ، خالصاً من الدوافع المادّية العاجلة . . ولو كان البيت من تلك الأحجار النفيسة (الزمرّد والياقوت) :
أوّلا : «لخفّف ذلك مصارعة12 الشكّ في الصدور» ، لأنّ نفاسة تلك الأحجار هي التي تدفعهم إلى التصديق والاعتقاد بأنَّ البيت بيته ، كما تدفعهم إلى الطواف حولها .
ثانياً : «ولوضع مجاهدة إبليس في القلوب» ، لأنَّ قصد البيت وزيارته تكون من منطلق الانبهار بجواهره ، والتأثّر بدرره ونفاسة أحجاره ، والتمتّع برؤية زينته ومنظره ، وليس من منطلق مجاهدة إبليس الداعي إلى التخلّف عن حجّه وإيثار الدعة والسلامة على قصده .
ثالثاً : «ولنفى معتلج الرَّيب من الناس» ، أي لزال تلاطم واضطراب الريب والشكّ من صدور الناس .
إشكاليّة ابن أبي العوجاء :
لو لم يكن البيت من أحجار عادّية لما تحقّق الابتلاء الإلهي والاختبار الربّاني للإنسانية على طول مسيرتها التاريخية : «من الأوّلين من لدن آدم(عليه السلام) إلى الآخرين من هذا العالم» ، حيث تنجلي قصّة العبودية لله عزّوجلّ ، والطاعة لأوامره فيما شرعه من مناسك الحجّ من طواف وسعي ورجم قد ينظر إليها من لم يدرك أسرارها ومقاصدها أنّها حركات غير عقلائية لا يمارسها إلاّ الذين اختلّت عقولهم . . فما قيمة الطواف حول بيت من حجارة صمّاء ، والسعي بين جبلين صلدين ، والرجم لأحجار كبيرة بأحجار صغيرة ، واستلام حجر أسود كالفحم ، وما إلى ذلك من المناسك والممارسات؟
وهذا النمط من التفكير كان يراود بعضهم في زمن الأئمّة(عليهم السلام) من أمثال ابن أبي العوجاء ، فخاطب الإمام الصادق(عليه السلام) قائلا :
«إلى كم تدوسون هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ، من فكر في هذا أو قدّر ، علم أنَّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر» .
ثمّ خاطب الإمام قائلا :
«فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسّه ونظامه؟»
فأجابه الإمام(عليه السلام) قائلا :
إنَّ من أضلّه الله وأعمى قلبه استوخم الحقّ ، فلم يستعذ به وصار الشيطان وليّه ، يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره» .
«وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثّهم على تعظيمه وزيارته ، وقد جعله محلّ الأنبياء وقبلة المصلّين ، فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدِّي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، ومجتمع العظمة والجلال . .»
13 .فقد أكّد الإمام في المقطع الأوّل من جوابه على مدى ضلال تلك النظرة ، وعمى قلب صاحبها ، ممّا تجعله يستوخم الحقّ ، ولا يدرك مدى دلالات وإيحاءات تلك المناسك المشحونة بالدلالات والإيحاءات .
وأعطى في المقطع الثاني بعضاً منها ، كان أوّلها استعباد الله خلقه بهذا البيت «ليختبر طاعتهم في إتيانه» .
وهكذا نلتقي بمقصد الابتلاء والاختبار الذي أكّدته خطبة القاصعة : «ألا ترون أنَّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ـ صلوات الله عليه ـ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع . . .» .
الحجر الأسود : تجديد العهد والميثاق
لا يتصورنَّ أحدٌ أنَّ مناسك الحجّ هي مجرّد فعّاليات تقام تعبّداً ليس إلاّ ، من دون أن تختزن أسراراً وبواطن وقيماً وتأريخاً . . لننظر إلى الحجر الأسود ـ مثلا ـ مجرّداً عن كلّ تأريخ ومعنى ، بعيداً عن عالم الملكوت .
مرَّ عمر بن الخطّاب على الحجر الأسود . فقال : والله يا حجر إنّا لنعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، إلاّ أنّا رأينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) يحبّك فنحن نحبِّك .
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : كيف يا ابن الخطّاب! فوالله ليبعثنّه الله يوم القيامة وله لسانٌ وشفتان ، فيشهد لمن وافاه ، وهو يمينُ الله عزّوجلّ في أرضه يبايع بها خلقه .
فقال عمر : لا أبقانا الله في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب14 .
وسئل الإمام الصادق(عليه السلام) : لأيّ علّة وضع الله الحجر في الركن الذي هو فيه؟ ولأيّ علّة يُقبّل؟
فقال(عليه السلام) : إنّ الله وضع الحجر الأسود ، وهو جوهرة اُخرجت من الجنّة إلى آدم(عليه السلام) فوضعت في ذلك الركن لعلّة الميثاق ، وذلك أنّه لمّا أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريّاتهم حين أخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان . .
وأمّا القُبلة والاستلام فلعلّة العهد تجديداً لذلك العهد والميثاق ، وتجديداً للبيعة ليؤدّوا إليه العهد والميثاق ، وتجديداً للبيعة ليؤدّوا إليه العهد الذي أخذ الله عليهم في الميثاق ، فيأتوه في كلِّ سنة ويؤدّوا إليه ذلك العهد والأمانة اللذين أخذا عليهم . ألا ترى أنّك تقول : أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة . ووالله ما يؤدّي ذلك أحدٌ غير شيعتنا ـ إلى أن قال : ـ وذلك أنّه لم يحفظ ذلك غيركم ، فلكم والله يشهد ، وعليهم والله يشهد بالخفر15 والجحود والكفر . . .»16 .
وروى الصدوق مثله في (علل الشرائع) عن أبيه عن محمّد بن يحيى17 .
وجاء في (علل الشرائع) عن عبدالله بن سنان قال : «بينا نحن في الطواف إذ مرَّ رجل من آل عمر فأخذ بيده رجل فاستلم الحجر فانتهره وأغلظ له وقال له : بطل حجّك ، إنّ الذي تستلمه حجر لا يضرّ ولا ينفع ، فقلت لأبي عبدالله(عليه السلام) . . . فقال(عليه السلام) : كذب ثمّ كذب ثمّ كذب . إنّ للحجر لساناً ذلقاً يوم القيامة يشهد لمن وافاه بالموافاة ـ ثمّ ذكر حديث خلق آدم وأخذ الميثاق على ذريّته ، وأنّ الحجر التقم الميثاق من الخلق كلّهم ، إلى أن قال : ـ فمن أجل ذلك أمرتم أنْ تقولوا إذا استلمتم الحجر :
أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة»18 .
ولهذاكان الناس منذ عصرالنزول يتقاتلون على استلام الحجرالأسود وتقبيله، رغم استحباب ذلك وعدم وجوبه ، ولشدّة الزحام على استلامه كان الإمام الصادق(عليه السلام) يترك ذلك لمن يستغرب عليه فعله: «أكره أن أؤذي ضعيفاًأو أتأذّى»19.
وقد أجاب عن سؤال حول امرأة حجّت وهي حبلى يزاحم بها حتى تستلم الحجر؟ فقال(عليه السلام) : «لا تغرّروا بها»20 .
لذا جاء في الروايات عن أهل البيت(عليهم السلام) : «إنّ الله وضع عن النساء أربعاً ، وعدَّ منهنّ استلام الحجر»21 .
المبحث الثالث : طبيعة الموقع (بين جبال خشنة ورمال دمثة)
لم يكن هناك سرّ في طبيعة البناء فحسب ، بل هناك سرٌّ بل أسرارٌ في طبيعة الموقع الجغرافي لبيت الله الحرام ، والذي يعبّر عنه القرآن الكريم على لسان إبراهيم الخليل(عليه السلام) : {بواد غير ذي زرع} .
وقد ركّزت خطبة (القاصعة) على طبيعة الموقع في سياق حديثها عن الاختبار الربّاني التاريخي للبشرية في طبيعة البناء :
النصّ الأوّل : «ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً ، وأقلّ نتائق الدنيا مَدَراً ، وأضيق بطون الأودية قُطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقُرًى منقطعة; لا يزكو بها خُفّ ولا حافر ، ولا ظلف»
إنّه وصف رائع وبليغ لمدى صعوبة ذلك الموقع على صعيد الجغرافيا . . فقد اجتمعت فيه كلّ العناصر التي تجعله موقعاً صعباً ، يشقّ على الحجيج مزاره; فهو ليس بواد غير ذي زرع فحسب ، بل إنّه «من أضيق بطون الأودية قطراً» و«أقلّ نتائق الأرض مدراً» و«أوعر بقاع الأرض حجراً»!! ، لتكون تلك البقعة للناس رغم صعوبتها وجدبها وضيقها «مثابةً لمنتجع أسفارهم ، وغايةً لمُلقى رحالهم» .
النصّ الثاني : «ولو أراد الله ـ سبحانه ـ أنْ يضع بيته الحرام ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار ، جمَّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتفّ البُنى ، متضيّل القرى ، بين بُرّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراصي مغدقة ، ورياض ناضرة، وطُرق عامرة، لكان قد صغّر قدْرُ الجزاء على حسب ضَعْفِ البلاء».
يقول العلاّمة ميثم البحراني بخصوص النصّ الثاني :
«صغرى قياس ضمير استثنائي حذف استثناؤه . وهي نتيجة قياس آخر من متصلتين تقدير صغراهما : إنّه لو أراد أنْ يضع بيته الحرام بين هذه المواضع الحسنة المبهجة لفعل ، وتقدير الكبرى : ولو فعل لكان يجب منه تصغير قدر الجزاء على قدر ضعف البلاء ، وتقدير استثناء هذه المتّصلة; لكنّه لا يجب منه ذلك ولا يجوز; لأنّ مراد العناية الإلهية مضاعفة الثواب وبلوغ كلّ نفس غاية كمالها ، وذلك لا يتمّ إلاّ بكمال الاستعداد بالشدائد والميثاق; فلذلك لم يرد أن يجعل بيته الحرام في تلك المواضع لاستلزامها ضعف البلاء»22 .
لقد أراد الله عزّوجلّ لبيته الحرام أن يكون محكّاً لمدى الإرادة والعزم ، والتضحية والبذل ، والخشوع والخضوع ، والحبّ والعشق : «تهوي إليه الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزّوا مناكبهم ذلُلا يُهلِّلون لله حوله ، ويرمُلونَ على أقدامهم شُعثاً غُبراً له . قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاءً عظيماً ، وامتحاناً شديداً ، واختباراً مبيناً ، وتمحيصاً بليغاً ، جعله الله سبباً لرحمته ، ووُصلة إلى جنّته» .
وهكذا نلتقي مرّة اُخرى بقصّة الابتلاء والامتحان والاختبار والتمحيص . . التي هي سبب الرحمة والوصلة إلى الجنّة ، لتكون المعادلة كما ترسمها خطبة «القاصعة» :
«كلّما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل» .
معادلة الجزاء على قدر الابتلاء
إنّها المعادلة ذاتها التي أراد الله للكعبة أنْ تكون من أحجار عادية وليس من زمرّد وياقوت ، كانت مشيئة الله عزّوجلّ أن يكون الإنسان (آدم) من طين ، يقول عليّ(عليه السلام) في (القاصعة) :
«ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رُواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عَرفُه ، لفعل .
ولو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة . ولكنّ الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزاً بالاختبار لهم ، ونفياً للاستكبار عنهم ، وإبعاداً للخيلاء منهم» .
وهكذا الحال في تفسيره(عليه السلام) للأنبياء في استضعافهم وخصاصتهم :
«ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا تُرام ، وعزّة لا تُضام ، ومُلك تمتدُّ نحوه أعناق الرجال ، وتشدُّ إليه عُقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم في الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيّات مشتركة ، والحسنات مقتَسَمة»!
الكعبة : الامتداد التاريخي
من خلال خطبة القاصعة ندرك أنَّ إبراهيم(عليه السلام) لم يكن هو المؤسّس الأوّل لبنائها :
«ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ـ صلوات الله عليه ـ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً» .
يتجلّى من خلال هذا النصّ أنّ البيت الحرام من لدن آدم(عليه السلام) . . وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا . . .} ، حيث يمكن أن نفهم من الآية أنّ القواعد كانت موجودة ، وقد عمل إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) على رفعها .
وقد يكون قوله تعالى : {إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً}23 ، شاهداً على ذلك .
وممّا يؤيّد ذلك الروايات الكثيرة الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام)وغيرهم والتي تتحدّث عن (دحو الأرض) من تحت الكعبة ، نذكر منها ما جاء في علل الصدوق عن الإمام الباقر(عليه السلام) .
«لمّا أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجاً ثمّ أزبد فصار زبداً واحداً فجمعه في موضع البيت ، ثمّ جعله جبلا من زبد ثمّ دحى الأرض من تحته ، وهو قول الله : {إنَّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً}فأوّل بقعة من الأرض الكعبة ، ثمّ مدّت الأرض منها»24 .
يرى العلاّمة الطباطبائي أنّ «الأخبار في دحو الأرض من تحت الكعبة كثيرة ، وليست مخالفة للكتاب ، ولا أنَّ هناك برهاناً يدفع ذلك» .
كما يرى العلاّمة أنّ ما ورد من الروايات من أنّ الكعبة أوّل بيت بمعنى أوّل بقعة من الأرض ، وأنّ الظاهر من قوله تعالى : {إنَّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكّة مباركاً} ما تشتمل عليه الروايات التي تقول : «قد كان قبله بيوت ، ولكنّه أوّل بيت وضع للناس مباركاً» ، أو «كانت البيوت قبله ، ولكنّه كان أوّل بيت وضع للعبادة» .
بينما يرى العلاّمة الطبرسي أنّ الآية فيها دلالة على أنّه «لم يكن قبله بيت مبني ، وإنّما دُحيت الأرض من تحتها ، وهو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الله تعالى السماء والأرض من تحتها . . .» ، ثمّ أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)«ببنيان البيت على القواعد»25 .
وينقل الطبرسي رواية عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، حيث سئل عن الحطيم ـ وهو ما بين الحجر الأسود والباب ـ لِمَ سمّى الحطيم؟ قال(عليه السلام) : «لأنّ الناس يحطّم بعضهم بعضاً ، وهو الموضع الذي فيه تاب الله على آدم(عليه السلام)»26 .
والبحث التاريخي يحتاج إلى وقفة أكثر تفصيلا لا يسع لها المقام .
الهوامش :
(1) نهج البلاغة، خطبة 192 (القاصعة) .
(2) ميثم البحراني ، شرح النهج 4 : 234 .
(3) شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار 2 : 520 .
(4) العقوبات .
(5) جمع ذهب .
(6) نوع من الذهب ينمو في معدنه .
(7) البلاء في ساحة الصراع بين المستضعفين والمستكبرين إذ لا مستضعف يبتلي به المتكبرون :} وكذلك جعلنا لكلّ نبيّاً عدوّاً من المجرمين{ .
(8) لأنّ العبادات والطاعات تكون عن رهبة أو رغبة دنيويتين .
(9) فلا رسالة ولا رسل .
(10) حيث لا معاناة ولا مجاهدة ولا عطاء ولا تضحية .
(11) فلا معنى لكلمة مؤمن ومجاهد وصابر وزاهد . . فتصدق الأسماء بدون مسمّيات .
(12) وقرئ مسارعة ، كما قرين مضارعة .
(13) بحار الأنوار 99 : 29 .
(14) علل الشرائع للصدوق : 425 ، والرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام) ينقلها الشيخ الصدوق بهذا السند : «عن محمد بن الحسن ، عن الصفّار ، عن علي بن حسّان الواسطي عن عمّه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) . راجع : الوسائل 13 : 320 ، تحقيق مؤسسة أهل البيت(عليهم السلام) ، ط3 .
(15) خفر العهد : نقضه .
(16) الكافي 4 : 184 ، وعنه : وسائل الشيعة 13 : 317 باب 13 (استحباب استلام الحجر ، الحديث 5) .
(17) علل الشرائع : 429 .
(18) علل الشرائع : 425 . عنه : وسائل الشيعة 13 : 319 ـ 320 .
(19) الكافي 4 : 409 .
(20) التهذيب 5 : 399 .
(21) من لا يحضره الفقيه 2 ، 1 ، 4 : 210 ، 194 ، 263 .
(22) شرح النهج للبحراني 4 : 282 .
(23) آل عمران : 96 .
(24) تفسير الميزان 3 : 356 . نقلا عن (علل الشرائع) .
(25) مجمع البيان 1 ـ 2 : 606 ط : بيروت عام 1992 م .
(26) المصدر نفسه : 607 .
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»....................«®°· .¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
ميزاب الكعبة المشرفة
--------------------------------------------------------------------------------
ميزاب الكعبة هو الجزء المثبت على سطح الكعبة في الجهة الشمالية والممتد نحو حجر إسماعيل عليه السلام والمصرف للمياه المتجمعة على سطح الكعبة المشرفة عند غسل السطح أو سقوط الأمطار , وأول من وضع ميزابا للكعبة المشرفة قريش حين بنتها سنة 35 من ولادة النبي صلى الله عليه وسلم , حيث كانت قبل ذلك بلا سقف كما تقدم تفصيله , ثم لما بناها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وضع لها ميزابا وجعل مصبه على حجر إسماعيل كما فعلت قريش , ثم لما أنقص منها الحجاج بن يوسف ما زاده فيها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على بناء قريش على حسب قواعد إبراهيم , صلى الله عليه وسلم وضع الميزاب في موضعه من الجهة الشمالية , وجعل مصبه على حجر إسماعيل عليه السلام كما كان سابقا.
قال الأزرقي: وذرع طول الميزاب أربعة أذرع , وسعته ثمانية أصابع في ارتفاع مثلها , والميزاب ملبس بصفائح الذهب , وكان الذي جعل عليه الذهب الوليد بن عبد الملك. وقد وقع تغيير وتبديل في ميزاب الكعبة المشرفة , وذلك لسببين أحدهما كان إذا اعتراه خراب عمل غيره , والثاني كان بعض الملوك أو الأغنياء من عظماء المسلمين يهدي للكعبة المعظمة ميزابا فيركب في الكعبة المشرفة , وينزع الذي قبله.
والميزاب الموجود في الكعبة المشرفة إلى العصر الحاضر هو الميزاب الذي عمله السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان , عمله في القسطنطينية ثم جيء به وركب سنة 1276 هـ , وهذا الميزاب مصفح بالذهب. وقد أدخلت عليه ترميمات جزئية في المسامير العلوية المانعة لوقوف الحمام عليه وذلك في عهد الملك سعود يرحمه الله حين رمم سطح الكعبة المشرفة
تحياتي وارجو الاستفادة للجميع