فلسفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــات
كل يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم
تشغلنا حياتنا العصرية المتخمة بالترف عن أجمل أمور حياتنا وأروع لحظات عمرنا... فحياتنا العصرية هذه أضحت تتطلب "جريا كجري الوحوش" في مقابل تأمين لقمة هنيئة.. تدرس؟ لم لا تدرس وتعمل؟؟! تعمل؟؟ إذن جد عملا إضافيا!!! وكلما زاد العمل زادت حاجتنا إليه أو بالأصح إلى المال الآتي منه فرفاهياتنا تزداد بزيادة مدخراتنا... والنتيجة؟ لا شيء مرضي كالعادة!!.. تجد الميسور يشتكي، والمعذور يشتكي.. "خلق الإنسان هلوعا!!".
ولنأخذ مثلا حضرت سيادتي البائسة الفقيرة!..منذ سنوات كنت كأغلب الشعب "المغلوب على أمره" أذهب للمدرسة "البائسة" عينها، أرتدي زيها "الرخيص" نفسه، وآخذ "المليمات" القليلة ذاتها لأسد بها جوعي بالإفطار أو ما يشبه "التصبر" حتى أعود للمنزل.. حياة بسيطة.. لم يكن بيتنا بالمرفه.. كان عاديا.. بل أقل من عادي.. لكننا عرفنا كيف نجعله مميزا بحركاتنا الشقية المرحة، وبقصاصات الورق التي كنا نشكلها أشكالا غريبة.. كان طعامنا قليلا لكننا لم ننم مرة جائعين "الحمد لله"..
بعد ذلك انتقلنا من هذا المستوى إلى مستوى أفضل.. بفضل العمل الإضافي طبعا!!.. حصلت على غرفتي الخاصة – كانت بالمشاركة مع أختي الصغيرة لكن لا يهم مادام القرار فيها بيدي أنا.. أختي المسكينة!! – تطلبت هذه النقلة العديد من التغيرات.. أمي لم تعد راضية لا بالمنزل ولا بأثاثه!! ترى أننا نحتاج إلى "طقم" جديد لاستقبال الضيوف، وإلى "سفره" جديدة لتناول الطعام، وإلى طعام جديد بالطبع فلن تقبل بطبق "الفول" مع "الطعمية" اللذان لم يصبحا "قد المقام".. لم تكن النقلة كبيره لكننا غيرنا كل شيء.. "لزوم الوجاهة" كما تقول أمي!!.. تقول "كيف سنقابل فلانة.. زوجة السيد رفيع المستوى!!.. وعلانه.. ابنة المدير!!" أي مدير؟؟ لا أدري منذ متى صرنا نبالي بالسيدة فلانة والآنسة علانه؟؟؟ بيتنا الصغير الدافئ المليء بالحياة والأحياء لم نكن نستحي منه!!.. لا يهم "مدام ربنا وسع علينا".. استمرت موجة التغيير هذه.. انتقلنا إلى مدارس جديدة.. أناس يلبسون بعناية.. يأكلون بعناية.. يعيشون بعناية.. ويتحدثون بغاية الحذر!!.. ليس في وسع عبد المأمور سوى أن يواكب التغير!! مواكبة التغير هذه استلزمته سبع ليال وثمانية أيام بين الأسواق فلا شيء جديد يرضي ذوقه القديم المحتاج إلى التغيير أيضا!! لكن التغيير ضرورة "مدام ربنا موسع" فالله يحب أن يرى أثر "نعمته" على عبيده!!
اكتملت كافة التغييرات لكن.. ألم تنس شيئا يا عبد المأمور؟؟ ماذا بعد أن غيرنا "الشقة" و"العفش" و"المدارس" و"الملابس"؟؟ ماذا بقي؟؟ بقي أن تتحدث مثلهم يا عبد المأمور "بعناية".. يجب أن تعلم الكلام!!.. كأن ما كنا نقوله ليس بالكلام!! افعل يا عبد المأمور.. أطاع عبد المأمور الأوامر و"تحدث" مثلهم!! "بابا" و"ماما" و"نونو" أختي ذهبوا إلى ال "مول" وقابلو "عمو هوبه" و"طنط ميمي"!!.. تابعنا حياتنا دون أن ننتبه إلى الوقت الذي صار يسرق منا في المجاملات والمداهنات ومتابعة أخبار الموضة والاشتراك في الأندية الرياضية لأن أولاد "الأكابر" يفعلون!
استمر حالنا على هذا المنوال قرابة السنتين أو الثلاثة كنا نبعد فيها عن أصدقائنا بقدر ما نداهنهم.. نبعد عن أهلينا بقدر ما يعملون لكي يوفروا ضريبة هذه الرفاهية.. ونبعد عن أنفسنا بقدر ما تشغلنا عنها أضواء هذه الرفاهية.
بعد مرور السنوات الثلاث انتقل والدي إلى عمل أكبر ووسع عليه الله قدر ما وسع.. لكن هذا التوسع استدعى عبد المأمور مرة أخرى.. ومرة أخرى "الطقم" لم يعد يرضي و"السفرة أصبحت قديمه".. الشقة لم تعد تتسع لأحلامنا.. لم يعد هناك شك في أننا سنترك المنزل "القديم"، والمدرسة "الباليه"، والأزياء "الرخيصة".. وجدنا الحل المناسب.. الرحيل.. نعم سنرحل إلى "فيلا" كبيره.. في مكان "راق" بمدارس "أرقى".. وأناس "أرقى" بالطبع!.. هيا يا عبد المأمور.. خذ أحلامك إلى المكان الجديد ف "ربنا قد وسع علينا!".. عبد المأمور.. لا تقل "بابا" و"ماما" قل "دادي" و"مامي".. ألم تسمع يوما بلغة "الخواجات" قل "هاي" ليس "مرحبا".. لكن.. هل أصبحت "طنط ميمي" من مستوانا؟ واثقة من أن "أنتي رورو" ستستغرب من أين نعرف هذه الأشكال؟؟.. مؤكد أن "أنكل ميتو" لن يعجبه هذا الحال!! هيا فقد "وسع علينا ربنا"..
أصبح لكل واحد فينا عالمه الخاص، أصدقائه من أصحاب المقام الرفيع!! نعيش في منزل واحد نتواصل فيه بال"مس كول" وال "مستر اس ام اس – الرساله –" كما كان يقال "قديما"!!
سرقت منا حياتنا المعاصرة المليئة بالترف أنفسنا، عائلتنا، وأناسا أحببناهم تركناهم لأنهم ليسوا "قد المقام"!! كل هذا لأن "ربنا وسع علينا" ياللمفارقة!!
تم بحمـــــــــــــــــــد الله
14/12/06
