لم يبد على الإدارة الأمريكية انها تشعر بتطورات العملية السلمية الجارية في السودان بدخول شرق السودان يوم السبت الماضي إلى ملف السلام وانطواء ملف الحرب و النزاع. ولعل عدم الاحتفاء الأمريكي، وغياب أي تعليق رسمي موضوعي حتى الآن عما أمكن إحرازه في شرق السودان يكشف بجلاء – على الأقل في هذه المرحلة – سوء نية واشنطن وتعلق نظرها فقط بإقليم دارفور. ذلك أن ما جرى من اتفاق سلمي في شرق السودان كآخر ملف سلام يطويه السودان استعدادا لانطلاقة وإعادة إعمار أقاليمه
وتسوية كافة أوضاعه ليس بالأمر العابر أو السهل إذا كانت واشنطن صادقة، وجادة بحق وحقيقة في حرصها على أمن واستقرار السودان كما ظلت تزعم. وتبدو من مفارقات السياسة الأمريكية تجاه السودان في هذه المرحلة العصيبة من علاقات البلدين أن واشنطن التي كانت حاضرة على مائدة ابوجا، وأسهمت بشكل أو بآخر في الإدلاء بدلوها في تلك المفاوضات، غابت الآن بقصد ظاهر عن الترحيب بما جرى في الشرق ولو عن طريق المجاملة الدبلوماسية ، وتأييد خطوة انضمام إقليم جديد للعملية السلمية في السودان، ففي الوقت الذي كان من المنتظر أن يكون المبعوث الذي وصل الخرطوم مؤخرا سعيا لإقناع الحكومة السودانية بقبول قوات دولية، مبعوثا لمتابعة سلام الشرق، فإن المبعوث الأمريكي أتى للحديث عن الغرب!، صحيح أن الفرقاء السودانيين الذين تفاوضوا في اسمرا ابتعدوا هذه المرة مدفوعين بإرادة سياسية سودانية خالصة عن العامل الأجنبي، وصحيح أيضا أن مفاوضات الشرق اكتفت فقط بالوساطة الأريترية، وكانت هذه الوساطة في خاتمتها وبالفعل عند حسن ظن الطرفين، ولكن أين المنطق الذي تتشدق به واشنطن وحليفاتها في أنهم يرغبون في عودة السلام والاستقرار للسودان؟ وأين دفاعهم المستميت عن أن كل دافعهم لاستصدار القرارات الدولية هي مصلحة السودان، وإخراجه من أزماته؟ إن أحداً لا يساوره أدنى شك أن واشنطن فعلت ما فعلت في مجلس الأمن الدولي من اجل مصالح خاصة بها تسعى سعيا حثيثا ومكشوفا لتحظى بها، ولهذا فإن شعورها الآن حيال سلام الشرق، لا يعدو كونه شعور خيبة ومرارة ، من أن السودانيين يمضون قدما نحو تحقيق استقرار بلدهم دون الحاجة إلى مساعدة المجتمع الدولي، وان إقليم دارفور لو كان مسلحيه قد احتكموا إلى عقولهم وضمائرهم الوطنية الخالصة لما وجدت واشنطن أية ثغرة تنفذ منها، وتظل تتلاعب بمقدرات بلد يحاول لعق جراحه والخروج من أزمته ، ولكن المجتمع الدولي يضع العراقيل تلو العراقيل في طريقه. إن غياب ترحيب الإدارة الأمريكية لسلام الشرق ليس تجاهلا وشعورا بالخجل فحسب، وإنما هو في الحقيقة خشية ظاهرة من أن تفلت الملفات السودانية من بين يدي واشنطن في السودان فيكون حصادها من كل هذه المجاذبات هشيما تذروه الرياح
