|
ذكريات لا تنسى
الزمان : شتاء 1990 م
المكان : سور جامعة القاهرة فرع الخرطوم
كان يوم عادى مثل كل الايام , فقط فى الحلق غصة وفى القلب حسرة وغضب داخلى , على مصيرالديمقراطية التى وئدت فى مهدها وقبل نموها الطبيعى والتى لم تجد الفرصة الكافية ... حسب وصف استاذنا الدكتور احمد شوقى ( أستاذ النظم السياسية و القانون الدستورى ) ... إختصرت كلماته باننا شعب منحوس لااكثر او اقل .. خرجت من إحدى المحاضرات ومعى ثلاثة من الاصدقاء , وجلسنا فى السور
الخارجى للجامعة المقابل لهيئة الموانئ البحرية فى اثناء ذلك كان على بعد أمتار مننا يغنى شخص بصوت جميل لاحدى اغانى الراحل, عثمان الشفيع اغنية (الشاغل الافكار ) او شئ من هذا القبيل ...
علمنا لاحقا ان الشخص مجنون , وما اروع المجانين فى بلادى جنوههم متميز وفريد من نوعه .. مثل ذلك الذى كان يغنى مرة ( ياحبيبى انا عيان ) فكان يوصف نفسه وحالته المرضية تماما ... المهم سرح كل منا فى غناء ذلك الانسان وقد يكون البعض فكر فى حالته وما هو سبب جنونه ؟؟؟
فى تلك الاثناء قطعت علينا لحظات الصفاء تلك , صوت ماكينة عربية وقفت على بعد خطوات من مجلسنا .. وخرج صوت ظابط شرطة له نجمة واحدة فرحان بيها لدرجة السماء .. وقال :
- تعالوا انتو هنا عاملين إزعاج وبتغنوا فى الشارع كمان ...
ذهب الاصدقاء الذين كانوا معى ورفضت الذهاب , ونظرت له فى عينيه مباشرة بكل احتقار .. طلب من عساكره ان يحضرونى بالقوة لو رفضت , ذهبت معهم دون مقاومة حتى ارى ماذا يريد ذلك الشخص المعتوه , لم يمهلنا ان نتكلم طلب ان نركب العربة وفعلا ركبنا العربة واتجهت مباشرة نحوخيمة النظام العام ب ميدان الامم المتحدة ..فى تلك الاثناء لاحظت خوف عجيب على عيون من كانوامعى , لاهم ولا انا لا نعرف ماذا جنينا حتى تلك اللحظة ؟هل الجلوس قرب شخص مجنون
يغنى جريمة يعاقب عليها ؟؟
المهم وصلنا هناك ونزلنا ودخل الظابط وتحدث مع قاضى النظام العام (عقيد جيش ) لمدة دقيقة فقط ..
سألنا القاضى ووجهه صارى وعابث وسؤال تحصيل حاصل فقط منه :
- هل كنتم جالسون وتغنوا مع مجنون فى الشارع العام ..
اصحابى اختفى صوتهم تماما عن الوجود , نظرت له وقلت دون تردد :
- انا الوحيد الذى كنت اغنى مع ذلك الشخص , هؤلا لا ذنب لديهم كانوا جالسين فقط ...
لكن الظابط أكد انكم جميعا كنتم تغنوا مع ذلك المجنون ....
- لا تعليق
نظر لهم هل كلامه هذا صحيح ؟؟ ردوا برأسهم دون التحدث بكلمة واحدة ..
وأمر القاضى بجلدى 40 جلدة , ولا اذكر ماهى المادة التى إستند عليها ؟؟؟
وكانت أسرع محاكمة فى التاريخ ربما , لم تتعدى العشرة دقائق منذ جلوسنا فى السور .. وعرفت محاكم النظام العام بأن أحكامها فورية وجائرة ويمكن ان نتحدث عنها فى مرة اخرى ... هذه الممارسات لم تزيدنى إلا كرها واحتقارا لنظام الجبهة , وزادتنى صلابة وصمودا لمواجهتهم بقية تلك السنوات الغابرة والتى مازال اهلنا يدفعون ثمنها ...
* إستفزانى خبر الاسبوع الماضى وهو جلد بنات بالخرطوم 100 جلدة , جريمتهم انهم وجدوا بيشربوا الشيشة فى مكان عام , إضافة لوجود صور فاضحة بموبايلاتهم .... وربما تكون كلها ملفقة من قبل عساكر الشرطة ..
مخرج : الى متى ستستمر هذه الممارسات اللاإنسانية من قبل الحكومة ؟؟؟
|