|
نحن .. والخيط الرفيع بين الجنة والنار !؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
عجيب أمرنا نحن المسلمين !.. نعبد إلها واحدا.. و نطوف حول
كعبة واحدة.. و نتوجه في صلاتنا إلى قبلة واحدة..
و نصطف في المسجد صفا واحدا.. و نقول جميعا: آمين..
في نفس واحد.. و مع ذلك لكل منا إسلام خاص به،
يختلف عن إسلام الآخر ! و كل منا يفهم الإسلام على
طريقته، و يباشره في حياته بمفهومه الخاص !
و قد تفرقت الجماعة الإسلامية إلى سنة و شيعة و أباضية
و دروز، بل إن الشيعة نفسها تفرقت إلى زيدية و اثنى عشرية
و إسماعيلية و علوية و بهرة و بكتاشية، و خرج منها غلاة
عبدوا عليا، و رأوا فيه ابنا لله، و اعتقدوا أن الرسالة أخطأته
و نزلت على محمد ! و الأكثرية التزمت جانب الاعتدال
و قالت: بل كان أولى بالخلافة.. و لم تزد.. و بين هؤلاء
و هؤلاء تعددت الفرق و بعيدا عن الطريق و المذهب اختلف
الناس بين مدخلين للإسلام.. المدخل السلفي الأصولي،
و المدخل الصوفي.
و في المدخل السلفي تمادى الأصوليون في الشكلية
و في الالتزام الحرفي بالنصوص، و في ظاهر سلوكيات المسلم:
طريقة إطلاقه لحيته، و تقصيره جلبابه.. و للمرأة: نقابها
و حجابها.. و هي الشريعة ذاتها.. بينما اهتمت
الصوفية بتطهير الباطن، و مجاهدة النفس، و التربية
الخلقية و تحصيل المقامات.. مقامات التوبة و الإخلاص
و الصدق و الصبر و الشكر و المراقبة و المحاسبة
و التقوى و الورع.. و تركت الظاهر لأهل الظاهر، و قالوا:
نحن عمدتنا القلب، و غايتنا اللب و ليس القشر.
و الكل مسلمون و لكن شتان بين فهم و فهم !
أن القرآن لم ينحصر في أي من هذين المسلكين، بل كان في مجموع آياته
يمثل الوسط العدل بينهما، و الجامع الأمين بين طهارة الظاهر و طهارة
الباطن.. و أن المذهبية و الحزبية أفسدت الإسلام تماما.
و لا يمكن فهم الإسلام إلا من خلال القرآن كله بمجموع آياته.. فهو يفسر
بعضه بعضا، و ما غمض في آية توضحه آية أخرى، و ما أجمل
في آية تفصله آية ثانية.
و التشديد لا يجيء في القرآن إلا لضرورة.. أما السياق القرآني العام.........؟
فهو العفو و المغفرة و السماحة.
((.. هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ
سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ.. )) [ الحج : 78 ]
((لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )) [ النور : 61 ]
و سلوك النبي عليه الصلاة و السلام:
(( و هو المؤشر إلى التفسير الصحيح للقرآن ))
هو الحلم بعينه، لا تزمت و لا تشدد و تنطع، و لا وقوف عند الفهم
الحرفي للنصوص.. و كمثال: حكاية الرجل الذي جاء يحكي
للرسول كيف اختلى بامرأة و نال منها ما يبتغي دون مباشرة..
فأطرق النبي – عليه الصلاة و السلام – و لم يعلق و قام للصلاة،
فنزلت الآية:
(( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) )) [ هود ]
فنصح الرجل بالصلاة و الإكثار من النوافل، و لم يقم عليه النبي حد
الزنا رغم اعترافه، و اعتبر ما حدث من (( اللمم ))، أي الذنوب التي
تغفر، و التي تجبرها الصلاة و التوبة.
و يذكرنا هذا بالمسيح – عليه السلام – حينما رفض أن يرجم (( المجدلية ))
الزانية، و قال لمن حوله: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر !
و لم يشهد المسيح و لا نبينا – عليهما الصلاة و السلام – من بعده ذلك العصر
الرديء الذي نعيش فيه، و الذي تدعو فيه أجهزة الإعلام و أغاني الإذاعة
و أفلام السينما و تمثيليات التليفزيون – إلى العلاقات الحرة.. و الأقمار
الفضائية التي تباشر الزنا علنا، و جهارا نهارا، و تغري الشباب بالصورة
و الكلمة و الحركة إلى المسارعة في قضاء الشهوات، و إلى التسابق
في المتع الحرام !
ماذا يكون موقف الشريعة من هذا العصر الذي شاعت فيه البلوى ؟!!
و ماذا يفعل الشباب.. و الزواج بعيد المنال.. هل يدخل في جب تحت الأرض ؟!!
و هل شبابنا في هذا الحال جناة، أم مجني عليهم ؟!
أنه لابد من فهم الشريعة الإسلامية في إطار مراد الله بها، و قصده من نزولها،
و هو صلاح أمر العباد و ليس شقاءهم. فالله تعالى يقول:
(( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ))..
و هكذا كان شأن الاجتهاد عند المفسرين الأوائل.. و هكذا كان شأن العقل
و الفهم و التدبر و التفكر.. و لم يظهر التشدد و التحجر و الانغلاق على
الألفاظ، إلا مع قرون التخلف و توقف الاجتهاد، و ظهور الدعوات الأصولية
التي تزايد على بعضها، و يسابق بعضها بعضا في الغلظة و في الرجم و الجلد.
و ليس في كلامنا تهوين من أمر الشريعة، فهي حبة قلب المسلم و سواد عينيه،
و لا يملك المسلم العابد أمام كلمة ربه إلا السمع و الطاعة.. و إنما هي الغيرة
على الكلمة و قداستها من أن تفهم على غير وجهها، و تستعمل في غير حقها،
فتكون ذريعة إلى ظلم بريء.. بل نحن أشد حبا للشريعة
من الذين يطبقونها في عمى.
و لقد تكاثر دعاة الأصولية الغلاظ، و تنافسوا في القسوة و في مطاردة
المسلمين و إرهابهم بالنصوص، حتى نفروهم من دينهم !
و الله يعلم مسبقا ماذا سيكون شأن هذا العصر الذي نعيشه، من شيوع
البلوى فيه، و من انتشار الفساد و الفقر و البطالة و الانحلال،
و تكالب الأعداء على الإسلام من كل جانب، و هوان حال المسلمين
و انقسامهم و تشتتهم و بوارهم.
و كل هذا يكشف عن عمق القرآن و رحابته و تعدد آفاقه، بحيث تغطي
آياته التشريعية كل العصور.. و يكشف عن روح التسامح و إيثار
فهم التشريع على الوجه الأصلح لحياة المسلمين.
و هو يكشف أيضا عن المرونة و عدم الجمود، و رفض الغلظة إلا في
ضرورتها القصوى حين يقتل القاتل ظلما و بغيا فيتوجب القصاص..
و لهذا اختلف الناس أمام فهم القرآن ، و انعكست نفس كل قارئ
في لون تفسيره.. فغلاظ القوم لم يشهدوا من القرآن إلا آيات النكال..
و الرحماء شهدوا رحابة التشريع، و انفساح آفاق التفسير أمام الفهم
الأرحب و الأرحم.. و اختلفوا، و الكتاب الذي يقرأونه واحد..
و ما اختلفوا بسبب الكتاب بل بسبب نفوسهم ! و هذه مشكلة
الحكومات الأصولية و الفرق المتشددة، و مرضى النفوس
و مرضى القلوب، و هواة التشفي من كل جنس !
و لقد نزلت الآيات بهذا التلوين لتمتحن القلوب، و لتمتحن النفوس،
و لتختبر المعادن.. و القرآن هو الشاهد على الكل، و هو الحجة..
و لا يصلح القرآن ذريعة لظلم أو جبروت، بل هو قاموس الرحمة بعينه.
و المختلفون من أهل الشقاق و النفاق شهدت أعمالهم على كفرهم..
فما اختاروا بغلظتهم القرآن حكما، بل اختاروا نفوسهم، و آثروا
رغباتهم الانتقامية، و اتخذوا من القرآن ستارا و ذريعة لقساوتهم !
و صدق الله العظيم في خطابه لرسوله:
(( مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) )) [ طه ]
فالقرآن هو الباب إلى النعيم، و لا يمكن أن يكون بابا للشقاء،
و لا بابا لكل هذا الخلاف و الفرقة و الانقسام.. و لا بابا لكل
هذا الإرهاب و الإجرام و القساوة.. و إنما اختلفت النفوس
التي تقرأ و تفهم و تفسر.
و لهذا قال ربنا عن قرآنه:
(( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26) )) [ البقرة ]
و ما أكثر فساق و مجرمي هذا الزمان، الذين اتخذوا من القرآن
ذريعة لإجرامهم و ستارا لإرهابهم ! و هؤلاء هم الذين أضلهم الله بقرآنه..
و كشفهم أمام الناس و أمام نفوسهم، و فضح ضلالهم و كفرهم.
و لا مفر من الاختلاف، بحكم اختلاف النفوس و اختلاف الطبائع،
قال ربنا عن الناس:
((.. وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) )) [ هود ]
و هذا الاختلاف أزلي، من قبل أن تولد النفوس و تجيء إلى الدنيا،
و سببه ثبوت وصف تلك النفوس في علم الله من الأزل، و هذا الوصف
هو ما أرادته النفوس لنفسها أزلا، و ليس ما أراده الله لها.
فالله لا يريد إلا الخير لكل الخلق.. و لقد فطر البشر على الحرية
و الاختيار، و كانت النتيجة أن اختلفوا حسب أهوائهم.
قال ربنا: (( و لذلك خلقهم )) ليميز الخبيث من الطيب، و لتكون خاتمة
كل مخلوق على وفاق نيته.
و كانت العاقبة في النهاية أن امتلأت بهم جهنم، و لم يدخل الجنة إلا القليل،
و استلزم الأمر (( الفرز )) و التصنيف، و تفاضل الرتب و المنازل،
لأن هذا كان مقتضى العدل، و الله أعدل العادلين.
و كان البديل الآخر أن يستووا عند الله رغم اختلافهم.. أن يستوي القاتل
و القتيل، و الظالم و المظلوم، و أن يستوي البر و الفاجر،
و هو الأمر المحال !
تعالى ربنا عن مثل ذلك العبث علوا كبيرا.
قال ربنا: (( و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ))..
و معنى ذلك أن داخل الجنة لن يدخلها بعمله وحده بل بفضل الله و رحمته،
و تلك هي النسمة الربيعية الجميلة التي تهب من أول صفحة في
القرآن إلى آخر صفحة.. من أول مفتتح الفاتحة..
بسم الله الرحمن الرحيم.. إلى آخر كلمة.. و الحمد لله رب العالمين
بعد أن يتم الحساب. و لقد اختار ربنا لرحمته من استحقها من الخلق..
و هو أعلم بقلوب خلقه، و لولا رحمة ربك لهلكنا جميعا.
و بين النار و الجنة ذلك الخيط الرفيع بين المؤتلف و المختلف..
بين الذين أسلموا للحق و انسجموا معه في كتيبة الخير،
و بين الذين أعرضوا و تفرقوا و اقتتلوا.. و ليس بالشعارات
و لا بالبطاقات سيكون دخول الجنة ! فما أكثر الذين حملوا
شعار لا إله إلا الله و خانوه، و حملوا بطاقة المسلم
و لم يسلموا لشيء سوى هوى نفوسهم !
و تظل الوسطية و الاعتدال هي النغمة القرآنية السائدة من أول آياته
إلى آخرها.. و الذين تطرفوا في الأخذ بالظاهر، و الذين تطرفوا
في الأخذ بالباطن – إنما أخذوا من القرآن ما ناسبهم، و لم يأخذوا به كله.
و محمد – عليه الصلاة و السلام – و هو القرآن الحي الذي يمشي على الأرض –
ما عرفناه إرهابيا، و لا عرفناه مجذوبا غائبا عن الوعي في سكرة الوجد
مثل مجاذيب الطرق الصوفية، إنما عرفناه يقظا متنبها، حاضر الذهن،
عقله مع الناس و قلبه مع ربه، يعيش الواقع و يلتحم بالدنيا،
و مع ذلك لا يغفل عن خالقه لحظة.
و ذلك هو الصراط المستقيم.. لا يمين فيه و لا يسار.. بل خط رفيع كالسيف..
من أصابه فقد عرف جادة الإسلام.. و لهذا جعله الله أسوة لنا جميعا،
و اختاره قدوة و مثالا.. و أرسله نبيا.. و قال له ما لم يقل لرسول:
(( و إنك لعلى خلق عظيم )).
و يجمع النبي – عليه الصلاة و السلام – كل هذا في جملة واحدة:
(( قل: آمنت بالله ثم استقم )).
فيضع كل مكارم الأخلاق تحت كلمة الاستقامة، و كل مقررات الإسلام
في كلمة الإيمان.. و ذلك لتأكيد أن الإسلام دين فطرة و بساطة،
و ليس فلسفة و حذلقة و تنطعا و جدلا.. فالأمر أبسط من كل هذا..
بل هو ثلاث كلمات !
و أصحاب النيات السليمة يفهمون هذا ببداهتهم و لا حاجة لهم
بجدل و لا بتنطع.. و أصحاب النيات الخبيثة.. المشكلة فيهم،
و ليست في الدين.. و بين الاثنين ذلك الخيط الرفيع بين الجنة و النار.
و لذلك قال ربنا في أهل الجنة:
(( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ))
– أي عن النار مبعدون –
كان هذا أمرا سبق نزولهم إلى الدنيا و هم مجرد نفوس..
و من قبل أن ينزلوا إلى عالم الامتحان و الابتلاء و دنيا أسفل سافلين.
هم إذن أهل الجنة من قديم.. و الآخرون أهل النار من قديم..
و إنما قضى الله بالامتحان و الابتلاء حتى تنقطع الحجة..
و حتى لا يكون لأحد عذر.
و يبقى بعد ذلك السؤال: كيف كنا في ذلك الأزل قبل الخلق ؟
و كيف تفاضلنا ؟ و متى ؟ و أين ؟
أم أنه لا أين، و لا متى في الأزل.. حيث لا حيث.. و حيث لا مكان و لا زمان ؟!
و تلك من أسرار الغيب التي لا يعلمها إلا الله،
و لن يكشف عنها الستار إلا بعد الموت و البعث..
و العرض مستمر.. و القصة ممتدة فصولا..
و فيها مصيرنا كله.
**************
مقتبس بتصرف ...
| التوقيع |
|

|
|