|
وجع الفراق - قصة قصيرة
كان اهل الحى منقسمين حول نظرتهم الى فريد , جزء يعتبره شخصية محبوبة وطريفة لكنها حادة الطباع احيانا .. وجزء اخر ينظر له بعين الرهبة ويتجنبوا الحديث معه وذلك لصرامة شخصيته ... ومهما كان الاختلاف بين الطرفين الا انهم يتفقون على انه انسان شجاع ومصادم ويكفى موقفه الاخير ..حين اراد شخصان من الامن العام اخذه من المنزل واستفزاه احدهم وما كان من فريد الا ان احضر سوط من داخل المنزل وقام بضربهما وحين تجمع الناس قال لهم هؤلا لصوص ويمكن اللصوص
اشرف منهم بكثير .... انه نوع من الجنون لكنه كان يعلم انه حتى لو مشى بالذوق فسوف يضربونه ايضا .. عملا بمقولة ارنست همنغواى : ان تعيش يوما واحد كألاسود , افضل من تعيش مائة عام كالخراف .. بعد ذلك تم اعتقاله لمدة ثلاثة اشهر وخرج اكثر صلابة وكرها للحكومة من الاول ... لم يعرف له اهل الحى تنظيم سياسى لكنهم عرفوه معارض للنظام بصلابة ويقول رايه فى اى مكان ... وكان يسخردوما من شخصية المشير ويقول عنه :
- انه لا يصلح لرئاسة نادى كرة قدم درجة ثالثة ... فكيف يحكم دولة وشعب ؟؟؟؟؟
لقد كان فريد موظف باحدى الوزارات الحكومية , وفى نفس الوقت لديه متجر صغير فى الحى لكن دوره كان مقتصر على الاشراف ... وذلك نسبة لنشاطه الاجتماعى الكثيف وولعه بمشاهدة كرة القدم ... وهو متزوج وله ابنة واحدة تدعى ومضة ... ويحبها والدها بشدة وكيف لا وهى ابنته الوحيدة فى هذه الدنيا ويخاف عليها من
الهواء التى تتنفسه ان يؤذيها .....
ومضة فى الثامنة عشر من عمرها ... اية من الجمال والادب والاخلاق والذكاء ... محبوبة من قبل جميع اهل الحى .... ومن من شباب الحى لم يكتب فيها قصيدةاويرسم لوحة ...او يكتب خاطرة وترسل لها بطرق عجيبة وتحت امضاءات مختلفة مثل :المتيم , المعذب , المعجب والمخلص .... لكن ومضة لم تعير هذه المسائل كثيرا ليس من باب التجاهل والغرور ولكن من الرزانة والتركيز فى الدراسة اولا وبعد ذلك يأتى الحب والزواج ... ظهرت نتائج امتحان الشهادة الثانوية ونجحت ومضة , ولكن لم تجد فرصة دخول كلية الصيدلة التى كانت حلم حياتها ... طلب منها والدها اعادة السنة لكنها رفضت وكانت ترغب فى الدراسة بالخارج بعد ان ضاقت فرصة الدراسة فى الوطن ... فقدمت لمنحة للدراسة فى احدى الجامعات الهندية , وقبل طلبها بعد فترة من الوقت .
فى بداية الامر رفض فريد فكرة ان تدرس ابنته خارج الوطن وشاركته والدتها الراى.. كيف تبعد عنهما ابنتهما الوحيدة ؟؟؟ وكانت ومضة مصرة على السفر وحاولت بشتى السبل اقناع والديها ...وتدخل بعض الاقارب والاصدقاء لحسه للموافقة وبعد نقاشات طويلة وافق والدها .. وتسافر ومضة الى بلاد المهاتما غاندى ... وتمر الايام والاعوام شيئا فشيئا وتنهى سنتها الثالثة بكلية الصيدلة بجامعة دلهى .. وبعد ان انتهت الامتحانات بسلام بدأت فى حزم امتعتها للاستعداد الى السفر لارض الوطن ... وفى صباح يوم غائم خرجت للتسوق وشراء بعض الاغراض من المجمع التجارى .. وفى اثناء عودتها للمنزل وهى تقطع الشارع العام تعرضت لحادث مأساوى فظيع من عربة كبيرة .. وامتلاء الشارع ببركة دم حمراء وتناثرت الاكياس التى كانت تحملها فوق الدماء وهكذا فارقت الحياة مباشرة فى اقل من رمشة عين , دخل موظف من وزارة الخارجية قرب انتهاء موعد الدوام .. وسأل عن فريد وطلب مقابلته لامر هام جدا , وحين اخبره بوفاة ابنته لم يصدق فريد الخبر وقال له : اكيد انت مخطئ ابنتى كانت تتحدث معى بالامس ... وسوف تكون هنا فى اجازة بعد اسبوع ... عند ذلك اخرج الموظف ورقة من جيبه واعطاها لفريد ( عبارة عن فاكس معنون من السفارة السودانية - نيودلهى ) وبعد ذلك سمع الموظفين صراخ الموظف تحت قبضة فريد ولولا تدخلهم لكان راح فيها ... ولكنه تفهم شعور فريد كأب وقد
اعترف انه رمى له الخبر دون مقدمات ......
حين وصل الجثمان بعد ثلاثة ايام لارض الوطن خرج كل سكان الحى الذين لم يذوقوا طعم للنوم بعد ان سمعوا خبر الوفاه .. ووسط العويل والصراخ الشديدين سقطت والدتها بعد ان اغمى عليها ونقلت للمستشفى بعد ان تعرضت لصدمة عصبية قوية
من شدة حزنها وبكاؤها على ابنتها الوحيدة ..
سار كل افراد الحى والاحياء المجاورة فى موكب الجنازة ويهم يكبرون بأسم الله ... وحين جاء موعد دفن الجثمان فى الثرى بكى فريد وظلت دموعه منهمرة كالمطر وصرخ بأعلى صوته صراخ شق اذان الجميع : ( ادفنونى معها وانا على قيد الحياة ... انها ابنتنا الوحيدة فى هذه الدنيا فكيف نعيش من بعدها ؟؟ .. فلتذهب الحكومة للجحيم فهى السبب فى تشريد الطلاب خارج السودان .. وسياستها الرعناء و ..... الخ ) وكلام اخر يصعب فهمه نابع من الحزن والالم على فراق اعز انسانة له فى الوجود ..
مشهد الحى فى تلك الليلة والليالى التالية كان كئيب من ذلك الفقد العظيم .. الشوارع خلت من المارة ولا يوجد سوى الكلاب التى سكتت عن النباح وكأنها تشارك الناس الحزن والصمت ... ولا شئ سوى الصمت .. اه ما اقساك يا دلهى خطفتى اجمل انسانة فى دنيتى وزهرتى الندية ... لقد فجعتى قلبى وحطمتى كل دنياى ... اى سائق عربة ذلك الاعمى والغبى الذى غتلك وسحق روحك البريئة والطاهرة ..وما اقسى ان اعيش انا وترحلى انت .. فحين يرحل الابناء والاحباء عن الدنيا تفقد الحياة طعمها وتصبح اشد قتامة وبؤس ...
دخل فريد بعد ذلك فى عزلة من الناس واستقال من وظيفته الحكومية ... ولا احد يدرى الى متى سيظل على تلك الحالة الحزينة رغم انقضاء سنوات من الوفاة الا انه يتذكرها كأنها رحلت بالامس ...
( انتهت )
Garcia
|