كعادتي دائماً آخذ كرسياً من البيت وأضعه أمام منزلي , أحدقُ في المارةِ , كان طريق الحافلة أمام بيتنا , كان قد خابرني بالهاتف صديق , وأخبرني أنه آتٍ , كنت أرغب بأن أذهب إلى ألنادي الرياضي لمتابعة إحدى المباريات , لا كن هذا الأخير لم يكن يحب الرياضة كثيراً , فكنت أفكر , كيف أتملص منه .
توقفت أحدى الحافلات المارةُ أمامي , فنزل منها مجموعة من الناس , ثم تحركت الحافلة مخلفة ورائها غيمة من الغبار , كان من بين الذين وطأة أقدامهم الأرض , شخص غريب لم أره من قبل , أخذ يبحث ويسأل على طول الطريق , فناديت عليه : ( هاي أنت ... عن ماذا تبحث ؟ أراك حائراً , فهل أساعدك ؟ ) , لم يعرني أنتباهه , كأن شيئ ثمين ضاع منه .
أنا : يا هذا حدثني , ربما ساعدتك ؟
نظر إلي لبرهة ثم عاد ليبحث . أخذني الفضول , فقد كانت عيناه غارقة في حيرة باكية , فزادني ذلك إصراراً على معرفة ماذا يريد .
أنا : أعلم انه لا يحق لي أن أسأل , ولا كن أحبُ أن أمد يد المساعدة وأخرجكَ من حيرتك هذهِ .
توقف ونظرَ إلي مباشرة .
هو : هل أنت متأكد من ذلك ؟ هل تستطيع أن تجد لي ما أضعته ؟
أحاول أن أجيب .
هو : لا تقاطعني , هل تريد حقاً أن ترشدني وأن تزيل حيرتي ؟
أوميء برأسي إجاباً .
هو : أنه الفضول البشري .
أنا : ( لعلي أجعل من مهمتك سهلة . ) قلتها بكل ثقة .
هو : أن كان ولا بد فيجب أن تسمع قصتي وإلا فتركني أذهب في حال سبيلي .
أظن أن المسألة زادتني حيرة .
أنا : نعم لما لا ما الذي يضير في ذلك , لا كن ألآ تكون القصة طويلة , إتفقنا ؟
هو : إذاً خذنا إلى مكان نجلس فيه .
ذهبنا بجوار منزلي حيث أحضرت كرسياً آخر وجلسنا , أخذ نفساً عميقاً ....
هو : آآآه .....
أنا : أرى أن المسالة عميقة جداً "
نظر ألي وتبسم وهز رأسه ونظر إلى السماء كأنه يسألها المساعدة .
هو : هل لديك أصدقاء , أعني أصدقاء مقربين إلى نفسك ؟
أنا : نعم هناك من هم أكثر من أخوةٍ لي .
هو : جيد . أضنكم تخبرون بعضكم البعض الأسرار ؟
أنا : بكل تأكيد , نحن لا نخفي شيء عن بعضنا البعض .
هو : وتتبادلون الزيارات ؟
أنا : لا أخفيك خبرأً , مشاغل الدنيا والعمل ... والمنزل , تأخذني عن أصدقائي في بعض الأحيان وبالأخص عن أعز أصدقائي , أعلم أن هذا ليس عذراً ... لا كن ما دخل هذا بقصتك . قد إكتفيت من الأسئلة , حان دورك قد حيرتني... هيا .
هو : إليك القصة وإياك أن تقاطعني حتى إن رأيتني أتمزق فلا تلملم أشلائي , وأن رأتني أحترق فلا تطفأ أحشائي , فيا ليت عذابي يكون لي مغفرة :
{ نحن مجموعة من الأصدقاء منذ الصغر , تعلم كيف هي الطفولة , لعب ولهو طوال اليوم معاً , يا لها من أيام , أيام الطفولة ... ( يبتسم ).... كان هناك هو , طفل , بيننا علاقة وثيقة َنَمت مع الأيام , كان إذا حصل أحدنا على مصروف زائد إقتسمناه معاً .... ً ( ينظر إلى كفيه )... كان حاد الذكاء , وكنا في تحدي طوال فترة الدراسة , لا كن هو كان سريع البديهة , وشديد الملاحظة , حينما كانت تفوت علينا التفاصيل الصغيرة كان صائدها , كنا متسرعين , وكان هو الحليم , أن أستعصت علينا مسألة كُنا أليه نلجأ , عندما نحزن هو أول المواسين , عندما نفرح هو أول المهنئين , كنت أشعر بالغيرة منه لأنه يحصل على الإهتمام , كان يجيد قيادة الحديث في مجالسنا دائماً , ليس عنوة , كانت لديه أفكار تزرع فينا الشغف والتحدي , ما أخطأ يومأً في حق أحد قط , كنا نقسو علية , نغيب عنه , فيبحث عنا ولا ييأس حتى تعود المياه إلى مجاريها .....}
طأطئ برأسه إلى الأرض , نظرت إلى عينيه فإذا هي سوداء مظلمة كأنها غاصت ببحر الألم . ثم يعود بنا فيقول :
{... تهب رياح السنين , وتطير بنا من سنة إلى أخرى , ونكبر وتكبر معنا أحلامنا , ما زلنا معاً من شدٍ وجذب , وما زالت صداقتنا , حتى أننا كنا نعرف على أي جنب يحب أن ينام أحدُنا , كنا نحكي له همومنا , أحلامنا , قصص حُبنا وكيف يؤرقنا , كان دائماً يجد الحلول وإلا يقول لنا ( تلك مرحلة , سوف نتجاوزها معاً ) , رغم ذلك لم نسمع أنه تألم , لم يشتكي , كان يعطي وما أخذ منا شيء .
تدور الأيام , وتدور الدوائر , شق طريقه باحثاً عن العلم والمعرفة خارج الوطن , لم تكُف رسائله تأتي ألينا , وأنا أن أستطعت أن أغصب على نفسي ببعض كُليمات أنثرها على ورق , ثم عقدت العزم على شق طريقي بكل ما أوتيتُ من قوة , أرحل إلى قطر آخر , أتممت فيها دراستي وحصلت على أعلى الدرجات . في تلك الفترة أنقطعت الأخبار بيني وبين صديقي تماماً , أتممت مهمتي , وحققت أمنيتي , وعدت إلى دياري أحمل راية النصر , أخبرتني والدتي أن صديقي كان دائم السؤال عني , لم أعر الأمر إهتماماً , وما فتأت أحلامي تتحقق واحدة تلو الأخرى , وبعد فترة من الزمن تحرك الفضول بداخلي , وبدأت أشعر بالوحدة , فذهبت أبحث عنه , توجهت إلى منزله , فطرقت الباب ففتح لي هو , فطارت ملامح وجهه فرحاً وأخذني بالأحضان , وغمرني بالأسئلة عن رحلتي عن أنجازاتي , وأخذت أنا بسرد روائع الملاحم ووصف الغنائم , كان سعيداً كأنه منطربٌ بشعر ألقيه , ولما أنتهيت سألته عن ماذا جنا هو , فبتسم في حزن وقال : ( لم تسعفني الأقدار , فلم أتمم دراستي , لا كن هذا مشروع مؤجل , فلا تأخذ بالاً لذلك ) ومع حديثنا الذي طال الكلام فيه عن رحلتي , طرأت فكرة في رأسي . وأشرت عليه بأن ألقي عليه هو وصديق آخر بعض الدروس في مجال خبرتي , فوافق من دون تردد , ووعدته أن يصبح متمكناً .
كنت أنا تحصلت على وظيفة مرموقة , وهو كان يعمل عاملاً في أحد المصانع , ورغم ذلك , نظم وقته ووضع لنفسه جدولاً وقسمه ما بين العمل والحصة التي ألقيها عليه , فما تخلف يوماً , ولا كن مع طول الأيام بدأت أنشغل عنه لنفس الأسباب التي ذكرتها أنت سابقاً , أحياناً العمل , أحياناً مع عائلتي , أحياناً في مقهى الأنترنت , بطريقة أو أخرى يذهب وقتي , ويجلس هو ينتظرني على أمل أن آتي , فيلتمس لي العذر , تباعدت أوقات الحصص , ثم انقطعت . ثم ركزت على عملي , وكنا لا نلتقي ألا نادراً , وفي أحد الأيام , ذهبت أليه على أن نخرج معاً في تلك الليلة , فأخذته معي بالسيارة , فمررنا على أحدى مقاهي الأنترنت , وسلمنا على الأصدقاء فاستأذنته , بأن أتصفح الأنترنت لمدة نصف ساعة , ودخلت إلى عالم أحلامي ومر الوقت سريعاً , وتفاجأت , قد مر على دخولي حوالي الساعة والنصف , عدت إلى الجميع في الخارج , فلم أجده , سألت عنه , قالوا لي أنه ذهب إلى السيارة منذ ساعة , وقفت معهم بعض الوقت , ثم عزمنا الرحيل , دخلنا السيارة ونحن في مزحٍ وضحك , كان هو ينام على المقعد الخلفي , قام ولم ينطق بحرف , جعلنا نهمزه ونلمزه , فكفهر وجهه , وكنا نحن ما زلنا في ضحك ومزاح , فطلب بهدوء أخذه إلى المنزل , نزل الجميع , وبقينا أنا وإياه , ثم ألتفتُ أليه أسأله ماذا به , فكان كالبركان , أنفجر في وجهي , وعنفني على تركه بالخارج لينام بالسيارة , وأن وعودي له كانت دائماً واهية , وأنني لا أحترم الصداقة ألتي تجمعنا و...و...و... وعدد مساوئي , كنت أستمع أليه كاتماً غضبي , بأن كيف سمح لنفسه أن يخاطبني بهذا الشكل , وعندما وصلنا شكرني على سوء معاملتي , ونزل .
.. ( نظر إلي , ثم عاد إلى الخلف وأسند ظهره على المقعد وأبتسم ) .... العجيب في ذلك أنني لم أحاسب نفسي على ذلك , بل كنت أقول لنفسي كيف سمح لنفسه أن يتجرأ علي هكذا , وأنا الذي وعدته بالكثير .... ( يضحك في هدوء ) .... وبعد أسبوع ذهبت أليه , فأخذ هو يتأسف ويعتذر , ويبرر غضبه علي , فأرضى ذلك غروري , وصفح كبريائي عنه , عُدنا كأيام الطفولة , أنا أجافيه , وهو يحاول دائماً أن يعيد المياه إلى مجاريها } .
أحضرت الشاي , وأخذنا نرتشفه في هدوء , عدت إلى ذكرياتي مع صديقي , أتذكر ما جرى بيننا من أحداث , طوال مدة صداقتنا , قاطعني من يجلس معي وأخذ بيد عقلي وسحبني إلى بحره من جديد .... { كان القدر أن أعمل في أحدى الشركات الكبرى بمدينة بعيدة , فرحلت إلى تلك المدينة , وركزت على عملي , فزاد دخلي , وهجرت عالم العلاقات الإجتماعية , وأحسست بالغرور يحكمني , فتكبرت , وأشار علي أحدهم بأن نترك العمل في هذه الشركة , ونعمل لصالحنا , نعم لما لا , أستوقدنا شمعة على أمل أن تصبح ناراً , فكانت الأقدار , خسرنا ما كسبناه كله , وعدة إلى نقطة البداية , كمن سحبوه من قدمه عنوة إلى مكان لا يحبه , عدة إلى مدينتي أرفع هذه المرة راية الهزيمة , كان هو أول المستقبلين والمواسين والمشجعين , وقال لي : ( تلك مرحلة وسوف نتجاوزها معاً ) ... كنت بأشد الحاجة إليه , ولم يخيب ضني أبدا , وعدة أشق طريقي , وعملت ساعات طويلة , وبعد مدة أنقطعَت عني أخبار رفيقي , فأحسست بأنني وحيد , فذهبت أقتفي أثره .... ( وضع رأسه على ذراعيه ) ..... تفاجأت ..... بخبر أنه أُخذ إلى المستشفى , ذهبت على الفور أزوره , دخلت عليه ففرح كطفل أهدوه لعبة , ولم يترك لي فرصة لأسأل عن حالته , أخذ يسألني عن عملي الجديد , وكيف تأقلمت مع العمل , فستوقفته أسئله عن صحته , فهون علي , أن المسألة بسيطه وأنها بضعُ أيام , وسوف يخرج , فضحكنا وحكينا وقصصنا قصصٍ , كان فرحاً جداً , وكنت أكثر , وكنت لا أريد الذهاب إلى البيت , فوعدته أن أعود غداً , وكنت واثقاً هذه المرة من وعدي , وذهبت إلى المكتبة , أبتعت بعض الكتب له , لتأنسه في المستشفى , وأخذت في تلك الليلة وعد صادقاً بيني وبين نفسي أن تكون هذه الصداقة قصة يحتذى بها , وأنبتُ نفسي بشدة على ما فعلت }
{ هكذا عزمت التغير , ونمت وحلمت بأنه يودعني , كنت أركض ورائه وهو يبتعد بسرعة , فصحوت فجأة على صوت هاتفي .........}
توقف , نظرت أليه لأعرف السبب , كان في حالة يرثى لها وأخذ ....... يبكي بكاءً , بكاءَ ثكلا , وقال { نعم قد مات ...}. وأجهش في البكاء , فقَبضت يدٌ على صدري , وأختنق حلقي بغصة , وحاولت كبت مشاعري , ولكن العين خانت , وسكبت مشاعري دمعاً , وأشحت بوجهي الدامع بعيداً , كانت الصدور في شهيق وزفير شديد , تبخرت زينة الدنيا وفرحها , فكانت فضاء أسود لف الرؤوس , وأخذنا موج الحزن المتدفق , فأرهق الصدور. ثم هدأت النفوس , واستجمع أنفاسه , واسترسل وعينه تذرف دمعاً : { كانت الصدمة ... لم أعرف ما الذي حصل , عادت بي الذكريات من جديد , البداية , بداية صداقتنا , وكان شريط طويل , تصلبت فيه , شلت حركتي , فقدت الأحساس بما حولي , وجائني صوت أمي لينتشلني من حالة الذهول , فارتديت ملابسي على عجل , فذهبت كالأعمى يتحسس الطريق بحثاً عن صديقي , أخذوه برداء أبيض , وصلينا عليه , وأنزلوه المثوى الأخير , قعدت أمام قبره مدة طويلة أنظر , كنت أتمنى أن يصحوا فآخذ بيده ونذهب , إلى بعيد , لا أعلم إلى أين , كنت أريده أن يصحوا , بدون جدوى , سحبت نفسي وحبستها عدة أيام في الغرفة , كنت أراه كما أراه الآن أمامي يقول ( تلك مرحلة سوف نجتازها معاً ) .... } وفجأة وقف وصرخ : { لماذا فعلت بي هذا ...} ثم جلس { نعم تركني , ورحل حتى كلمت آسف لم يسمعها مني , كيف أكفر عن أخطائي , لا فائدة كان مصابي جلل , لم أفهم الدرس ألا بعد فوات الأوان , تلك قصة صديق لي كنت أنشغل عنه لنفس الأسباب التي ذكرتها أنت , أنا الآن أبحث عن صديق لي علي أجده قبل فوات الأوان , فهل تعرفه؟ }
أنا : كان يسكن هنا .
هو : لا بأس , ربما أجده في مكان آخر .
أنا : لما لا نصبح أصدقاء , ربما نكون ....
فجأة جاء صوتٌ أعرفه , كان صدقي أنا , فسلمت عليه بحرارة , فندهش وقال :
صديقي : ماذا هناك ؟. كأنني قد سافرت منذ مدة طويلة .
أنا : لا عليك , لماذا لا نتعاهد على ألا يفرقنا شيء أبداً , وأن نكون سنداً لبعضنا , وأن ....وأن ... وأن نكون صدقين من جديد ؟
صديقي : لا أعرف ماذا أصابك ؟" لكن لا بأس , أعاهدك على ذلك .
انا : أعُرفك على .....
لم أجد ذلك الشخص خلفي "
أنا : أين ذهب ؟
صديقي : هل تعني ذلك الذي كان يقف بجانبك ؟
أنا : نعم
صديقي : أنه على آخر الشارع . هل تراه ؟
إلتفت إلى حيث أشار ورفعت يدي وحاولت مناداته ولا كنه أختفى مع أول حافلة مرت , حتى أسمه لم أعرفه , شددت على يد صديقي , ونظرت إليه وابتسمت له , وأخذت عهداً مع نفسي ألا.......