|
رحيل عثمان ... والعشاء الأخير - قصة قصيرة
كانت امسية حالمة ولا كل الامسيات , كيف لا وفرحة العيد تكسو وجوه الكثيرين رغم قسوة الايام ..التقى الاصدقاء فى مكانهم المحدد بعد جولة ومعايدات للاهل والاصدقاء وتكون ونستهم عبارة عن كشكول يتطرقوا لعدة مواضيع مثل الثقافة والرياضة والسياسة ... الخ .
اقترح احدهم ان يقوموا برحلة فى صباح الغد, لمنطقة الخوجلاب كنوع من التغيير واطفاء نوع من التجديد .امن بقية الحضور لذلك الاقتراح ورتبوا كل شئ فى لحظات , وكان عثمان من اشد المتحمسين لتلك الرحلة .بحماسه المعهود وشخصيته المرحة وروحه الجميلة , وقوة اقناعه للاخرين ... فى تلك الفترة تكثر مناسبات الافراح فى معظم الاحياء , واثناء ونستهم سمعوا صوت موسيقى بديعة يرف لها القلب وهى عبارة عن مقدمة لاغنية واطل صوت المغنى عذبا :
( تذكار عزيز يا قلبى شايلو اسى وهموم )
قال عبده معلقا : ابراهيم عوض الليلة مزاجه فى السماء , ليهو مدة لم يغنى هذه الاغنية فى مناسبة زواج ..اعتذر عمر عن الذهاب معهم الى الرحلة , معللا ذلك بمرض والدته ووجودها بالمستشفى لاكثر من اسبوع , تفهم الحضور عذره وتقبلوه بكل ود ..
عبده ذو شخصية مرحة وصاحب نكتة ومواقف طريفة , وله مقدرة عجيبة فى حفظ وتأليف النكات .
وساعدته هذه الملكة فى حفظ المقررات من الغلاف للغلاف بكلية القانون , والتخرج بتقدير جيد لسنواته الاربعة بالجامعة .. حكى لهم عن موقف طريف حدث فى خطبة الجمعة الماضية قائلا :
( الامام شخصية غير معروفة لاهل الحى طبعا , بداء خطبة الجمعة بمدح وتطبيل للحكومة بلاتوقف,
الزمن مر ثقيلا وحرارة الظهيرة تزداد سخونة , وما كان الا احد الحضور وقف على طوله وخاطب
الامام مباشرة : لقد دوشتونا بهذا الكلام فى كل مكان , فلقد حضرناهنا للصلاة لا ان تعطينا خطبة سياسيةقميئة عن النظام وخرج ساخطا من المسجد )...
ضحك الحضور من ذلك الموقف واتفقوا على شجاعة ذلك الرجل , لكنهم كانوا مقتنعين انه سيتعرض لبعض المضايقات من عناصر الامن وخاصة ان وزير بالنظام كان يرتاد ذلك المسجد , وصدق حدسهم بعد ذلك بفترة .
مرة اخرى سمعوا صوت المغنى اكثر وضوحا وبلحن بديع , وكلمات تفوق الوصف ومليئة بالحزن :
ليه بتسأل عنى تانى بعد ما شلت الامانى
رحت خليتنى لزمانى وانت عارفو على جانى
وسط هدؤ وصمت وبعد توقف صوت المغنى , اطل صوت عثمان مدندنا ببعض كلمات اغنية لاتقل حزنا من اغنية الفنان وبنبرة حزن عميقة :
ننساك انت بتتنسى ..ما انت روحنا وحبنا
سافرنا فى عينيك ولسة .. قلوبنا بيك متجننة
عثمان شاب فى مقتبل العمر فى ال23 من العمر , له وجه وسيم تكسوه ابتسامة مشرقة دوما , يدرس بكلية الاداب قسم الاجتماع , ذو شخصية محبوبة ومرحة من قبل الجميع , حاس مرمى لا يشق له غبار ..يعشق الفن والاطلاع ومتفوق جدا فى دراسته الجامعية ...
بعد ذلك جاء موعد تناول العشاء والذى عادة يكون عند نهاية كل لقاء , ويكون بمثابة انتهاء الجلسة ولقد اعتادواعلى تلك الطقوس لفترة من الزمن .... وبعد انتهاء وجبة العشاء استأذن عمر الحضور للذهاب للمستشفى, والعودة قبل موعد حظر التجول المفروض من قبل الانقلابيون , طلب عثمان منه ان ينتظره لكى يذهب معه لزيارة والدته .
وحين وصلوا الى هناك قال لهم الغفير : يمكننى ان اسمح لواحد فقط بالدخول واعطاء الدواء ولمدة خمس دقائق فقط.
قال عثمان لعمر اعطنى ادخل الدواء وانت اصلك ستحضر فى الصباح مرة اخرى ..وبعد حضور عثمان من زيارةوالدة عمر اتجهوا مسرعين للحلة قبل 10 دقائق فقط من بدء حظر التجول ...
استيقظ عمر فى الصباح الباكر من حلم وكابوس مزعج ,ارقه طيلة تلك الليلة تمتم فى سره ( اللهم اجعله خيرا ) وذهب بعد ذلك لالقاء تحية الوداع الى الشباب وهم فى طريقهم لتلك الرحلة ... توجه بعد ذلك لزيارة والدته بالمستشفى وقضى معها حتى عصر ذلك اليوم , ولم تفارق ذاكرته ابدا تلك الرؤى والحلم المزعج ..
وفى اثناء عودته للحى ونزولة من حافلة مواصلات , سمع صوت يناديه من الجانب الآخر للشارع الرئيسى ... وحين اقترب منه عمر مندهشا من مشهد الدموع وهى تنزل من عينيه بغزارة .. صاح فى جهه : فى شنو مالك بتبكى؟؟؟
- خرج صوت ضعيف ومتلعثم من شدة البكاء ( صديقك عثمان غرق فى البحر ) وعاد للبكاء بصوت اعلى هذه المرة .
تجمد عمر مكانه وكأنه صنم ولم ينطق اى كلمة , وذهب مسرعا صوب منزل عثمان حتى يتأكد من ذلك الخبر وقطع المسافة فى زمن قياسى , وحين اقترب من المنزل سمع صوت عويل وبكاء شديدين يشقان طبلة الاذن , وشاهد حشد من كبير من سكان الحى متجمعين امام المنزل , جلس عمر على الارض واضعا يديه فى رأسه من شدة الصدمة ووقوع ذلك الخبر المؤلم عليه وشعر بصداع حاد كاد ان يفجر دماغه ... فقد كان عثمان اقرب صديق له فهم دفعة واحدة ان منذكانوا صغارا ودخلوا نفس الجامعة ولهم اهتمامات كثيرة مشتركة ...
اعاد عمر تفاصيل ليلة الامس بكل احداثها الدقيقة , وكم اندهش من بعض تصرفات عثمان الاخيرة مثل غناءه باغنية حزينة , وذهابه لزيارة والدته والاطمئنان عليها .. وتذكر ايضا قبل اسبوعين حين سأله عثمان :
- هل تؤمن بقراءة الكف يا عمر ؟؟؟
- لا لكن سؤالك دة ليه ؟؟
- صمت برهة من الوقت ثم قال له : يوم امس وانا فى طريقى للجامعة , حدث لى موقف غريب اوقفتنى بنت فى منتصف
الطريق وبعد ان سلمت على , طلبت منى ان اسمح لها بقراءة كفى (هكذا ودون مقدمات ) وبعد ان وافقت وقراءته بتأنى ودقة قالت لى : انت زول طيب وجميل وقلبك ابيض , لكن عمرك قصير جدا فى هذه الحياة , ودعتنى ووجها حزين بعض الشئ وذهب كل منا لحال سبيله ... قال عمر لنفسه هل هى الصدفة المحضة ام ان البنت محقة فى اطلاعها لكف عثمان لا ادرى لكننى لا اؤمن بقراءة الكف ولا الفنجان ايضا ..
وما زاد من دهشة عمر ما قاله له احد الذين كانوا فى الرحلة , ان عثمان قبل ان يغرق بمسافة كان واقفا على طرف البحر قال لنا ( لو غرقت فى البحر ارجو ان تقيموا لى دورة كرة قدم , على شرف ذلك الرحيل ) ضحك البعض من كلماته تلك ..هل كان عثمان يشعر بدنو اجله لهذه الدرجة ؟؟ وهو الذى يعوم مثل سمكة فى البحر .. هل صحيح ان عزرائيل يخبر الانسانبذلك قبل ثلاثة ايام قبل الوفاة ؟؟ يحمل قبره وكفنه على رأسه ودون ان يخبر اهله ويودعهم , ثم يتمدد فى سكينة العالم الآخر..هذا ما كنت اسمعه من جدتى حين كنت صغيرا ...بعد عدة ايام وجد جسد عثمان طافحا فى النيل , وحين احضر الجثمان لمنزلهم طغى الحزن والبكاء على المكان ورهبة الموتمرسومة فى وجوه الحضور . وفى المقابر ذرف الاصدقاء الدموع والبكاء كما لم يبكوا من قبل اى احد فى حياتهم فكان بكاء تسوده المرارة والحسرة والالم , على فراق صديق عمرهم الذى كانوا يعزونه ويقدرونه خير تقدير ..
رحل عثمان دون يكمل سنته الاخيرة بالجامعة , ودون ان يحقق طموحاته فى مواصلة الدراسات العليا فى مجال علم الاجتماع السياسى ... فهكذا لم ترى احلامه النور ابدا وذهب لآخرته, فى رحلة لم يخترها هو ولا البحر يختار موتاه بل يجئبهم القدر واليوم المسطر الذى لا مفر منه على الاطلاق ...وهكذا لبس الحى ثوب الحزن والحداد , بعد ان كانت فرحة العيد تغمر وتسود المكان , وان رحل عثمان فستظل ذكراه عطرةبين اهله واصدقاؤه وهكذا تمضى الحياة سريعا مثل ومضة حلم وكما قال عبده ( مع زحمة الحياة ننسى ان هناك شئ اسمه موت ولا نتذكره الا نكون وسط المقابر ) ....
( اانتهت )
Garcia
|