العودة   منتديات عشاق السودان > المنتديات العامة > المنتدى الإسلامي
التسجيل مستضيف الصور التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 02-08-2006, 19:12   رقم المشاركة : 11 (permalink)
معلومات العضو
طائر مهاجر
تم ايقافه
 
الصورة الرمزية طائر مهاجر
 

 

 
إحصائية العضو








طائر مهاجر غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
طائر مهاجر is on a distinguished road

 

 

مشاركة: تفسير ابن كثير

** يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مّا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مّنْ خَيْرٍ مّن رّبّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقامهم وفعالهم, وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص, عليهم لعائن الله فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا ويورون بالرعونة كما قال تعالى: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم, ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً}, وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون السام عليكم, والسام هو الموت, ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ «وعليكم», وإِنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا, والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً وفعلاً, فقال {ياأيها الذين آمنوا لاتقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم}. وقال الإمام أحمد: أخبرنا أبو النضر أخبرنا عبد الرحمن بن ثابت أخبرنا حسان بن عطية, عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم». وروى أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن أبي شيبة عن أبي النضير هاشم أخبرنا ابن القاسم به «من تشبه بقوم فهو منهم» ففيه دلالة على: النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا نعيم بن حماد أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا مسعر عن معن وعون أو أحدهما أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود فقال اعهد إلي, فقال: إذا سمعت الله يقول: {ياأيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش عن خيثمة قال ما تقرؤون في القرآن {ياأيها الذين آمنوا} فإِنه في التوراة ياأيها المساكين. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس {راعنا} أي أرعنا سمعك. وقال الضحاك: عن ابن عباس {ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أرعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عاطنا. وقال ابن أبي حاتم وروي عن أبي العالية وأبي مالك والربيع بن أنس, وعطية العوافي وقتادة نحو ذلك, وقال مجاهد: {لا تقولوا راعنا} لا تقولوا خلافاً, وفي رواية لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك. وقال عطاء لا تقولوا {راعنا}, كانت لغة تقولها الأنصار, فنهى الله عنها, وقال الحسن: {لا تقولوا راعنا}, قال الراعن من القول السخري منه, نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم, وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جريج, أنه قال مثله, وقال أبو صخر: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين, فيقول أرعنا سمعك, فأعظم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقال ذلك له. وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فإِذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع, وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا, فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع غير صاغر, وهي كالتي في سورة النساء, فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا راعنا وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا. قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم, نظير الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم راعنا. لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه صلى الله عليه وسلم, نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي» وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: {مايود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين, الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين, ليقطع المودة بينهم وبينهم, ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم, حيث يقول تعالى: {والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.


** مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {ما ننسخ من آية} ما نبدل من آية, وقال ابن جريج عن مجاهد {ما ننسخ من آية} أي ما نمحو من آية, وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {ما ننسخ من آية} قال نثبت خطها ونبدل حكمها, حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي نحو ذلك, وقال الضحاك {ما ننسخ من آية} ما ننسك, وقال عطاء أما {ما ننسخ}, فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني ترك فلم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وقال السدي {ما ننسخ من آية} نسخها قبضها وقال ابن أبي حاتم: يعني قبضها ورفعها, مثل قوله «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة», وقوله «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً» وقال ابن جرير: {ما ننسخ من آية}, ما ننقل من حكم آية إلى غيره, فنبدله ونغيره, وذلك أن نحول الحلال حراماً, والحرام حلالاً, والمباح محظوراً, والمحظور مباحاً, ولا يكون ذلك, إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة, فأماالأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ, وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها, فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارة إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها, إذ هي كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول, فاختلفت عباراتهم في حد النسخ والأمر في ذلك قريب, لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولحظ بعضهم أن رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل وعكسه والنسخ لا إلى بدله, وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوطة, في أصول الفقه. وقال الطبراني: أخبرنا أبو سنبل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد, أخبرنا أبي أخبرنا العباس بن الفضل, عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكانا يقرآن بها, فقاما ذات ليلة يصليان, فلم يقدرا منها على حرف, فأصبحا غاديين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكرا ذلك له, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مما نسخ وأنسي, فالهوا عنها, فكان الزهري يقرؤها: {ما ننسخ من آية أو ننسها}, بضم النون الخفيفة, سليمان بن الأرقم ضعيف. وقد روى أبو بكر بن الأنباري عن أبيه عن نصر بن داود عن أبي عبيد الله عن عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب عن أمامة بن سهل بن حنيف, مثله مرفوعاً, ذكره القرطبي, وقوله تعالى: {أو ننسها}, فقرىء على وجهين, ننسأها وننسها, فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه نؤخرها. قال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس, {ما ننسخ من آية أو ننسأها}, يقول ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها, وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها, نثبت خطها ونبدل حكمها, وقال عبد بن عمير ومجاهد وعطاء أو ننسأها, نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: أو ننسأها, نؤخرها فلا ننسخها, وقال السدي: مثله أيضاً وكذا الربيع بن أنس, وقال الضحاك: {ما ننسخ من آية أو ننسأها}, يعني الناسخ والمنسوخ. وقال أبو العالية: {ما ننسخ من آية أو ننسأها} نؤخرها عندنا, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي, أخبرنا خلف, أخبرنا الخفاف, عن إسماعيل يعني ابن أسلم, عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطبنا عمر رضي الله عنه, فقال: يقول الله عز وجل: {ما ننسخ من آية أو ننسأها}, أي نؤخرها, وأما على قراءة {أو ننسها}, فقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها}, قال كان الله عز وجل: ينسي نبيه صلى الله عليه وسلم ما يشاء, وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير: أخبرنا سواد بن عبد الله, أخبرنا خالد بن الحارث, أخبرنا عوف, عن الحسن أنه قال: في قوله: {أو ننسها} قال: إِن نبيكم صلى الله عليه وسلم, قرأ علينا قرآناً ثم نسيه, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن نفيل, أخبرنا محمد بن الزبير الحراني, عن الحجاج يعني الجزري عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم, الوحي بالليل وينساه بالنهار, فأنزل الله عز وجل: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}, قال ابن أبي حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل, ليس هو الحجاج بن أرطاة هو شيخ لنا جزري, وقال عبيد بن عمير: {أو ننسها} نرفعها من عندكم, وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم, أخبرنا هشيم, عن يعلى بن عطاء عن القاسم بن ربيعة, قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ {ما ننسخ من آية أو ننسها} قال: قلت له فإن سعيد بن المسيب يقرأ {أو ننسها} قال: قال سعد: إن القرآن, لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب, قال: قال الله جل ثناؤه: {سنقرئك فلا تنسى} {واذكر ربك إذا نسيت}, وكذا رواه عبد الرزاق عن هشيم, وأخرجه الحاكم في مستدركه, من حديث أبي حاتم الرازي, عن آدم عن شعبة عن يعلى بن عطاء به, وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال ابن أبي حاتم وروى عن محمد بن كعب وقتادة وعكرمة نحو قول سعيد. وقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: قال عمر: علي أقضانا وأبي أقرؤنا, وإنا لندع من قول أبي, وذلك أن أبيا يقول: ما أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله يقول: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}, قال البخاري: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: قال عمر: أقرؤنا أبيّ وأقضانا علي, وإِنا لندع من قول أبي, وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد قال الله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} وقوله: {نأت بخير منها أو مثلها}, أي في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين, كما قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس {نأت بخير منها} ويقول خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وقال أبو العالية: {ما ننسخ من آية} فلا نعمل بها {أو ننسأها}, أي نرجئها عندنا نأت بها أو نظيرها, وقال السدي {نأت بخير منها أو مثلها} يقول: نأت بخير من الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه. وقال قتادة: {نأت بخير منها أو مثلها} يقول: آية فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر فيها نهي, وقوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}, يرشد عباده تعالى بهذا, إلى أنه المتصرف في خلقه, بما يشاء, فله الخلق والأمر وهو المتصرف, فكما خلقهم كما يشاء, ويسعد من يشاء, ويشقي من يشاء ويصح من يشاء ويمرض من يشاء, ويوفق من يشاء, ويخذل من يشاء كذلك يحكم في عباده بما يشاء, فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه, ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون, ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ, فيأمر بالشيء لما فيه من المصحلة التي يعلمها تعالى, ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا, وامتثال ما أمروا, وترك ما عنه زجروا وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله, في دعوى استحالة النسخ, إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً, وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا, قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: فتأويل الاَية: ألم تعلم يا محمد, أن لي ملك السموات والأرض وسلطانها دون غيري, أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء, وآمر فيهما وفيما فيهما بماأشاء, وأنهى عما أشاء, وأنسخ وأبدل وأغير, من أحكامي التي أحكم بها في عبادي, بما أشاء إذ أشاء, وأقر فيهما ما أشاء, ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطاباً من الله تعالى, لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر, عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود, الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة السلام, لمجيئهما بما جاءا به من عند الله, بتغيير ما غير الله من حكم التوراة, فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما, وأن الخلق أهل مملكته, وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه, وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم عما يشاء, ونسخ ما يشاء, وإقرار ما يشاء, وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه, (قلت) الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ, إنما هو الكفر والعناد, فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى, لأنه يحكم ما يشاء, كما أنه يفعل ما يريد, مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية, كما أحل لاَدم تزويج بناته من بنيه, ثم حرم ذلك, وكما أباح لنوح, بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات, ثم نسخ حل بعضها, وكان نكاح الأختين مباحاً لإسرائيل وبنيه, وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها, وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده, ثم نسخه قبل الفعل, وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم, ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل, وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا يصرف الدلالة في المعنى, إذ هو المقصود, وكما في كتبهم مشهوراً من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه, فإنه يفيد وجوب متابعته عليه الصلاة والسلام, وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته, وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغيّاة إلى بعثه عليه السلام, فلا يسمى ذلك نسخاً لقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}, وقيل: إنها مطلقة, وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها, فعلى كل تقدير فوجوب متابعته متعين, لأنه جاء بكتاب وهو آخر الكتب عهداً با لله تبارك وتعالى, ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ, رداً على اليهود عليهم لعنة الله, حيث قال تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ؟ * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} الاَية, فكما أن له الملك بلا منازع, فكذلك له الحكم بما يشاء, {ألا له الخلق والأمر}وقرىء في سورة آل عمران, التي نزل في صدرها خطاباً مع أهل الكتاب, وقوع النسخ في قوله تعالى: {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} الاَية, كما سيأتي تفسيره والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى, لما له في ذلك من الحكمة البالغة, وكلهم قال بوقوعه, وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن, وقوله ضعيف مردود مرذول, وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ, فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول, لم يجب عن ذلك بكلام مقبول, وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة. عن بيت المقدس لم يجب بشيء, ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين, ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك, والله أعلم.


** أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىَ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ
نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الاَية الكريمة, عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم} أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم, ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة, ولهذا جاء في الصحيح: «إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً, فإن تكلم تكلم بأمر عظيم, وإن سكت سكت على مثل ذلك, فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها, ثم أنزل الله حكم الملاعنة, ولهذا ثبت في الصحيحين, من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال, وإضاعة المال, وكثرة السؤال. وفي صحيح مسلم «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم, وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم, «أن الله كتب عليهم الحج, فقال رجل أكل عام: يا رسول الله ؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا, ثم قال عليه السلام: «لا, ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم», ثم قال «ذروني ما تركتكم» الحديث, ولهذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء, فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: أخبرنا أبو كريب, أخبرنا إسحاق بن سليمان, عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب, قال: إن كان ليأتي عليّ السنة, أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء, فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب. وقال البزار: أخبرنا محمد بن المثنى, أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن {يسألونك عن الخمر والميسر ـ و ـ يسألونك عن الشهر الحرام ـ ويسألونك عن اليتامى}, يعني هذا وأشباهه.
وقوله تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل}و أي بل تريدون, أو هي على بابها في الاستفهام, وهو إنكاري, وهو يعمّ المؤمين والكافرين, فإنه عليه السلام رسول الله إلى الجميع, كما قال تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك, فقالوا: أرنا الله جهرة, فأخذتهم الصاعقة بظلمهم}, قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابنعباس, قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد, ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه, وفجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك, فأنزل الله من قولهم, {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ؟ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل}.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} قال: قال رجل: يا رسول الله, لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا نبغيها ـ ثلاثاً ـ ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل, كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها, فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الاَخرة, فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل», قال {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}, وقال « الصلوات الخمس ومن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن» وقال: «من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه, وإن عملها كتبت سيئة واحدة, ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة, وإن عملها كتبت له عشر أمثالها, ولا يهلك على الله إلا هالك», فأنزل الله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل}, وقال مجاهد: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل}, أن يريهم الله جهرة, قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً, قال: «نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل», فأبوا ورجعوا, وعن السدي وقتادة نحو هذا, والله أعلم, والمراد أن الله ذم من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء على وجه التعنت والاقتراح, كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتاً وتكذيباً وعناداً. قال الله تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان}, أي ومن يشتر الكفر بالإيمان {فقد ضل سواء السبيل} أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال. وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء, واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم, والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر, كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار}, وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.


** وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يحذر تعالى: عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب, ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر, وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين, مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم, ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال, حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح, ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه, كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب, من أشد يهود للعرب حسداً, إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم, وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا, فأنزل الله فيهما {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} الاَية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري, في قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب} قال: هو كعب بن الأشرف, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري, أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك, عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً, وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم, وفيه أنزل الله {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} إلى قوله {فاعفوا واصفحوا}, وقال الضحاك: عن ابن عباس, أن رسولاً أمياً يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والاَيات, ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم, ولكنهم جحدوا ذلك كفراً وحسداً وبغياً, وكذلك قال الله تعالى: {كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} يقول من بعد ما أضاء لهم الحق, لم يجهلوا منه شيئاً, ولكن الحسد حملهم على الجحود, فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة, وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين, ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم, وما أنزل من قبلهم, بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم وقال الربيع بن أنس {من عند أنفسهم} من قبل أنفسهم, وقال أبو العالية {من بعد ما تبين لهم الحق}, من بعد ما تبين أن محمداً رسول الله, يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل, فكفروا به حسداً وبغياً, إذ كان من غيرهم, وكذا قال قتادة والربيع بن أنس, وقوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}, مثل قوله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثراً} الاَية, قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله, {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}, نسخ ذلك قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}, وقوله: {وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر}, إلى قوله {وهم صاغرون}, فنسخ هذا عفوه عن المشركين, وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي, إنها منسوخة بآية السيف, ويرشد إلى ذلك أيضاً قوله تعالى: {حتى يأتي الله بأمره}, وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي: أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب, عن الزهري, أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب, كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم, يتأول من العفو ما أمره الله به, حتى أذن الله فيهم بالقتل, فقتل الله به من قتل من صناديد قريش, وهذا إسناده صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة, ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد. وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله}, يحثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم, وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة, من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة, حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}, ولهذا قال تعالى: {إن الله بما تعملون بصير}, يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل, ولا يضيع لديه سواء كان خيراً أو شراً, فإنه سيجازي كل عامل بعمله. وقال أبو جعفر بن جرير: في قوله تعالى: {إن الله بما تعملون بصير}, هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الاَيات من المؤمنين, إنهم مهما فعلوا من خير أو شر, سراً وعلانية, فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء, فيجزيهم بالإحسان خيراً, وبالإساءة مثلها, وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر, فإن فيه وعداً ووعيداً وأمراً وزجراً, وذلك أنه أعلم القوم, أنه بصير بجميع أعمالهم, ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخوراً لهم عنده, حتى يثيبهم عليه, كما قال تعالى: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله}, وليحذروا معصيته, قال: وأما قوله {بصير} فإنه مبصر, صرف إلى بصير, كما صرف مبدع إلى بديع, ومؤلم إلى أليم, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو زرعة, أخبرنا ابن بكير, حدثني ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو يقرأ هذه الاَية: سميع بصير, يقول «بكل شيء بصير».


** وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَىَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النّصَارَىَ عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النّصَارَىَ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه, حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى, أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها, كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة, أنهم قالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم, ولو كانوا كما ادعوا, لما كان الأمر كذلك, وكما تقدم من دعواهم, أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة, ثم ينتقلون إلى الجنة, ورد عليهم تعالى في ذلك, وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة, فقال: {تلك أمانيهم}, وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق وكذا قال قتادة والربيع بن أنس ثم قال تعالى {قل} أي يا محمد {هاتوا برهانكم} قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم, وقال قتادة بينتكم على ذلك: {إن كنتم صادقين}, أي فيما تدعونه, ثم قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن}, أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له, كما قال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} الاَية, وقال أبو العالية والربيع {بلى من أسلم وجهه لله} يقول: من أخلص لله وقال سعيد بن جبير: {بلى من أسلم} أخلص {وجهه}, قال دينه {وهو محسن} أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم, فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون صواباً خالصاً لله وحده, والاَخر أن يكون صواباً موافقاً للشريعة, فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد», رواه مسلم من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام, فعمل الرهبان ومن شابههم, وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله, فإنه لا يتقبل منهم, حتى يكون ذلك متابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم, المبعوث إليهم وإلى الناس كافة, وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً}, وقال تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية تسقى من عين آنية}, وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه, أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي, وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة, في الصورة الظاهرة, ولكن لم يخلص عامله القصد لله, فهو أيضاً مردود على فاعله, وهذا حال المرائين والمنافقين, كما قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً}, وقال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون} ولهذا قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فلعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} وقال في هذه الاَية الكريمة: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن}, وقوله: {فله أجره عن ربه ولا خوف علهيم ولاهم يحزنون}, ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور, وآمنهم مما يخافونه من المحذور, {فلا خوف عليهم} فيما يستقبلونه, {ولا هم يحزنون} على ما مضى مما يتركونه, كما قال سعيد بن جبير, {فلا خوف عليهم} يعني في الاَخرة, {ولا هم يحزنون} يعني لا يحزنون للموت.
وقوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب}, بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم, كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: لما قدم أهل نجران من النصارى, على رسول الله صلى الله عليه وسلم, أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء, وكفر بعيسى وبالإنجيل, وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء, وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة, فأنزل الله في ذلك من قولهما: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب}, قال: إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به, أن يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة, فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى, وما جاء من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يد صاحبه, وقال مجاهد في تفسير هذه الاَية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء, ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا, {وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} قال: بلى, قد كانت أوائل اليهود على شيء, ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا, وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية والربيع بن أنس في تفسير هذه الاَية: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا القول يقتضي, أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى, ولكن ظاهر سياق الاَية يقتضي ذمهم فيما قالوه, مع علمهم بخلاف ذلك, ولهذا قال تعالى: {وهم يتلون الكتاب}, أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل, كل منهما قد كانت مشروعة في وقت, ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عناداً وكفراً ومقابلة للفاسد, كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها, والله أعلم, وقوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم}, بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى {الذين لا يعلمون} فقال الربيع بن أنس وقتادة {كذلك قال الذين لا يعلمون} قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم, وقال ابن جريج: قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل وقال السدي كذلك {قال الذين لا يعلمون}, فهم العرب, قالوا ليس محمد على شيء, واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع, وليس ثم دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال, والحمل على الجميع أولى, والله أعلم وقوله تعالى: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}, أي أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد, ويفصل بينهم بقضائه العدل, الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة, وهذه الاَية كقوله تعالى في سورة الحج: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد}, وكما قال تعالى: {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم}.


** وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ مّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىَ فِي خَرَابِهَآ أُوْلَـَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاّ خَآئِفِينَ لّهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها, على قولين: أحدهما ما رواه العوفي في تفسيره عن ابن عباس, في قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} قال: هم النصارى وقال مجاهد: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وسعى في خرابها}. قال هو بختنصر وأصحابه, خرب بيت المقدس, وأعانه على ذلك النصارى. وقال سعيد عن قتادة: قال أولئك أعداء الله, النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس, وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس, حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف, وإنما أعانه الروم على خرابه, من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا, وروي نحوه عن الحسن البصري, (القول الثاني), ما رواه ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها}, قال: هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية, وبين أن يدخلوا مكة, حتى نحر هديه بذي طوى, وهادنهم وقال لهم: «ما كان أحد يصد عن هذا البيت, وقد كان الرجل, يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده» فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق, وفي قوله: {وسعى في خرابها} قال إذ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة. وقال ابن أبي حاتم ذكر عن سلمة قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس, أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام, فأنزل الله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}, ثم اختار ابن جرير القول الأول, واحتج بأن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة, وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس, (قلت) والذي يظهر, والله يعلم, القول الثاني كما قاله ابن زيد. وروي عن ابن عباس, لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس, كان دينهم أقوم من دين اليهود, وكانوا أقرب منهم, ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولاً إذ ذاك, لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم, ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون, وأيضاً فإنه تعالى, لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى, شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم: وأصحابه من مكة, ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام, وأما اعتماده على أن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة, فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم, كما قال تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون}, وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاَخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وقال تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} فقال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاَخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله}, فإذا كان من هو كذلك مطروداً منها مصدوداً عنها, فأي خراب لها أعظم من ذلك ؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط, إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها, ورفعها عن الدنس والشرك. وقوله تعالى: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين}, هذا خبر معناه الطلب, أي لا تمكنوا هؤلاء إذ قدرتم عليهم من دخولها, إلا تحت الهدنة والجزية, ولهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة, أمر من للعام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: «ألا لا يحجّن بعد العام مشرك, ولا يطوفّن بالبيت عريان, ومن كان له أجل فأجله إلى مدته», وهذا إنما كان تصديقاً وعملاً بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}, وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين, على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين, أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها, والمعنى ما كان إلا الحق والواجب إلا ذلك, لولا ظلم الكفرة وغيرهم وقيل إن هذا بشارة من الله للمسلمين, أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد, وأنه يذل المشركين لهم, حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم, إلا خائفاً يخاف أن يُؤخذ فيعاقب أو يقتل, إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد, كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام, وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان, وأن يجلى اليهود والنصارى منها, ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام, وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة, بشيراً ونذيراً, صلوات الله وسلامه عليه, وهذا هو الخزي لهم في الدنيا, لأن الجزاء من جنس العمل, فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام, صدوا عنه, وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها, {ولهم في الاَخرة عذاب عظيم} على ما انتهكوا من حرمة البيت, وامتهنوه من نصب الأصنام حوله, ودعاء غير الله عنده, والطواف به عَرْياً وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله, وأما من فسر بيت المقدس, فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه, فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنزل عليه: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} الاَية, فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً, وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه, أو قد أخيف بأداء الجزية, فهو يؤديها. وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة, (قلت) وهذا لا ينفي أن يكون داخلاً في معنى عموم الاَية, فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة, التي كانت تصلي إليها اليهود, عوقبوا شرعاً وقدراً بالذلة فيه, إلا في أحيان من الدهر أشحن بهم بيت المقدس وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضاً, أعظم من عصيان النصارى, كانت عقوبتهم أعظم, والله أعلم. وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا. بخروج المهدي عند السدي وعكرمة ووائل بن داود, وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون, والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله, وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الاَخرة, كما قال الإمام أحمد: أخبرنا الهيثم بن خارجة, أخبرنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس, سمعت أبي يحدث عن بشر بن أرطأة, قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الاَخرة» وهذا حديث حسن, وليس هو في شيء من الكتب الستة, وليس لصحابيه وهو بشر بن أرطاة حديث سواه, وسوى حديث لاتقطع الأيدي في الغزو .







** وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ إِنّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
وهذا, والله أعلم, فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه, الذين أخرجوا من مكة, وفارقوا مسجدهم ومصلاهم, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه, فلما قدم المدينة, وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً, ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد, ولهذا يقول تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}, قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: أخبرنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء, عن عطاء عن ابن عباس قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا, والله أعلم, شأن القبلة. قال الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق, ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها. فقال {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام, وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة, وكان أهلها اليهود, أمره الله أن يستقبل بيت المقدس, ففرحت اليهود, فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم, وكان يدعو وينظر إلى السماء, فأنزل الله {قد نرى تقلب وجهك في السماء} إلى قوله {فولوا وجوهكم شطره} فارتاب من ذلك اليهود, وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها, فأنزل الله {قل لله المشرق والمغرب}, وقال: {فأينما تولوا فثم وجه الله} وقال عكرمة عن ابن عباس {فأينما تولوا فثم وجه الله} قال: قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً, وقال مجاهد {فأينما تولوا فثم وجه الله} حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة, وقال ابن أبي حاتم بعد رواية الأثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه, وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك, وقال جرير وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الاَية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة, وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه, أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب, لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية, إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية, لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى: {ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا}, قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال. وفي قوله وأنه تعالى لا يخلو منه مكان, إن أراد علمه تعالى فصحيح, فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات, وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قال ابن جرير وقال آخرون: بل نزلت هذه الاَية على رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذناً من الله أن يصلي المتطوع, حيث توجه من شرق أو غرب, في مسيره في سفره, وفي حال المسايفة وشدة الخوف. حدثنا أبو كريب, أخبرنا ابن إدريس, حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان, عن سعيد بن جبير عن ابن عمر, أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته, ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان يفعل ذلك ويتأول هذه الاَية {فأينما تولوا فثم وجه الله}, ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه, من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان به, وأصله في الصحيحين, من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة, من غير ذكر الاَية. وفي صحيح البخاري من حديث نافع عن ابن عمر, وأنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها, ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك, صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(مسألة) ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه, بين سفر المسافة وسفر العدوى, فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة, وهو قول أبي حنيفة خلافاً لمالك وجماعته, واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري, التطوع على الدابة في المصر, وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك رضي الله عنه, واختاره أبو جعفر الطبري, حتى للماشي أيضاً. قال ابن جرير وقال آخرون: بل نزلت الاَية في قوم عميت عليهم القبلة, فلم يعرفوا شطرها فصلوا على أنحاء مختلفة, فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية. حدثنا محمد بن إسحاق الأهوازي, أخبرنا أبو أحمد الزبيري أخبرنا أبو الربيع السمان, عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة, عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً, فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً يصلي فيه, فلما أن أصبحنا إذ نحن قد صلينا إلى غير القبلة, فقلنا يارسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة, فأنزل الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} الاَية, ثم رواه عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن أبي الربيع السمان بنحوه. ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن وكيع وابن ماجه عن يحيى بن حكيم عن أبي داود عن أبي الربيع السمان, ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح, عن سعيد بن سليمان عن أبي الربيع السمان, واسمه أشعث بن سعيد البصري, وهو ضعيف الحديث, وقال الترمذي: هذا حديث حسن, وليس إسناده بذاك ولا نعرفه إلا من حديث الأشعث السمان, وأشعث يضعف في الحديث. قلت وشيخه عاصم أيضاً ضعيف. قال البخاري منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك, والله أعلم.
وقد روى من طريق آخر, عن جابر فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الاَية: أخبرنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل, أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب, حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن, قال: وجدت في كتاب أبي أخبرنا عبد الملك العزرمي عن عطاء عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة, فلم نعرف القبلة, فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ههنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطاً فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة, فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم فسكت وأنزل الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء عن جابر به, وقال الدارقطني قرىء على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع حدثكم داود بن عمرو أخبرنا محمد بن يزيد الواسطي عن محمد بن سالم عن عطاء عن جابر, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فلم يأمرنا بالإعادة, وقال: قد أجزأت صلاتكم, ثم قال الدارقطني: كذا قال عن محمد بن سالم, وقال غيره عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء وهما ضعيفان, ورواه ابن مردويه أيضاً من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة ثم استبان لهم بعد أن طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة, فلما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه فأنزل الله تعالى في هذه الاَية {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} وهذه الأسانيد فيها ضعف, ولعله يشد بعضها بعضاً, وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء وهذه دلائل على عدم القضاء, والله أعلم.
قال ابن جرير وقال آخرون: بل نزلت هذه الاَية في سبب النجاشي كما حدثنا محمد بن بشار, أخبرنا هشام بن معاذ حدثني أبي عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: إن أخاً لكم قد مات, فصلوا عليه, قالوا نصلي على رجلٍ ليس بمسلم ؟ قال: فنزلت {وإنّ من أهل الكتب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} قال قتادة: فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة, فأنزل الله {ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله} وهذا غريب, والله أعلم, وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة, كما حكاه القرطبي عن قتادة, وذكر القرطبي أنه لما مات صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب, قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه ـ أحدهما ـ أنه عليه السلام, شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض. الثاني أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه واختاره ابن العربي قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه, وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث أنه عليه الصلاة والسلام إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك, والله أعلم.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الاَية من حديث أبي معشر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق» وله مناسبة ههنا وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السدي المدني به «ما بين المشرق والمغرب قبلة» وقال الترمذي وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه, ثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن بكر المروزي, أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا عبد الله بن جعفر المخرمي, عن عثمان بن محمد بن الأخنس عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» ثم قال الترمذي: هذا صحيح, وحكي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح, قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة «ما بين المشرق والمغرب قبلة» منهم عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة, إذا استقبلت القبلة, ثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن أخبرنا يعقوب بن يوسف مولى بني هاشم, أخبرنا شعيب بن أيوب أخبرنا ابن نمير عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» وقد رواه الدارقطني والبيهقي: وقال المشهور عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما قوله قال ابن جرير ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم, كما حدثنا القاسم, أخبرنا الحسين حدثني حجاج قال, قال ابن جريج, قال مجاهد لما نزلت {ادعونيأستجب لكم} قالوا إلى أين, فنزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله} قال ابن جرير: ومعنى قوله {إن الله واسع عليم} يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال, وأما قوله {عليم} فإنه يعني عليم بأعمالهم ما يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه بل هو بجميعها عليم.


** وَقَالُواْ اتّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلّ لّهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَىَ أَمْراً فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
اشتملت هذه الاَية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى عليهم لعائن الله وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات الله فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم إن لله ولداً, فقال تعالى: {سبحانه} أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً {بل له ما في السموات والأرض} أي ليس الأمر كما افتروا وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهنّ وهوالمتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم ومقدّرهم ومسخّرهم ومسيّرهم ومصرّفهم كما يشاء والجميع عبيد له وملك له فكيف يكون له ولد منهم والولد إنما يكون متولداً من شيئين متناسبين وهو تبارك وتعالى ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له فكيف يكون له ولد ؟ كما قال تعالى: {بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدّاً * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} وقال تعالى: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد}. فقرر تعالى في هذه الاَيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة فكيف يكون له منها ولد ؟ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الاَية من البقرة: حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي الحسين, حدثنا نافع بن جبير هو ابن مطعم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك, فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان, وأما شتمه إياي فقوله أن لي ولداً فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً» انفرد به البخاري من هذا الوجه وقال ابن مردويه حدثنا أحمد بن كامل أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي, أخبرنا محمد بن إسحاق بن محمد الفروي أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويقول الله تعالى كذبني ابن آدم وما ينبغي له أن يكذبني وشتمني وما ينبغي له أن يشتمني, فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته¹ وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً. وأنا الله الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد» وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله, إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم» وقوله: {كل له قانتون} قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج, أخبرنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال: {قانتين} مصلين, وقال عكرمة وأبو مالك: {كل له قانتون} مقرون له بالعبودية, وقال سعيد بن جبير: {كل له قانتون}, يقول الإخلاص, وقال الربيع بن أنس: يقول: {كل له قانتون} أي: قائم يوم القيامة, وقال السدي: {كل له قانتون} أي: مطيعون يوم القيامة, وقال خصيف عن مجاهد: {كل له قانتون} قال: مطيعون, قال كن إنساناً فكان, وقال: كن حماراً فكان, وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل له قانتون مطيعون, قال: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره, وهذا القول عن مجاهد وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى الله وهو شرعي وقدري كما قال الله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والاَصال} وقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به, كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يوسف ابن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة», وكذا رواه الإمام أحمد: عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة عن دراج بإسناده مثله, ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه, ورفع هذا الحديث منكر, وقد يكن من كلام الصحابي أو من دونه, والله أعلم.
وقوله تعالى: {بديع السموات والأرض} أي: خالقهما على غير مثال سبق¹ قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة, ومنه يقال للشيء المحدث بدعة, كما جاء في صحيح مسلم: فإن كل محدثة بدعة, والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية, كقوله: «فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة», وتارة تكون بدعة لغوية, كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه, وقال ابن جرير: {بديع السموات والأرض} مبدعهما, وإنما هو مفعل فصرف إلى فعيل, كما صرف المؤلم إلى الأليم, والمسمع إلى السميع, ومعنى المبدع المنشىء والمحدث, ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد, قال: ولذلك سمي المبتدع في الدين, مبتدعاً لإحداثه فيه, ما لم يسبق إليه غيره, وكذلك كل محدث قولاً أو فعلاً, لم يتقدم فيه متقدم, فإن العرب تسميه مبتدعاً, ومن ذلك قول أعشى بن ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي:
يدعي إلى قول سادات الرجال إذاأبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا

أي يحدث ما شاء, قال ابن جرير: فمعنى الكلام سبحان الله أن يكون له ولد, وهو مالك ما في السموات والأرض تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية, وتقر له بالطاعة, وهو بارئها وخالقها وموجدها, من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه, وهذا إعلام من الله لعباده, أن ممن يشهد له بذلك المسيح, الذي أضافوا إلى الله بنوته, وإخبار منه لهم, أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل, وعلى غير مثال, هو الذي ابتدع المسيح عيسى, من غير والد بقدرته, وهذا من ابن جرير رحمه الله كلام جيد وعبارة صحيحة. وقوله تعالى: {وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه, وأنه إذا قدر أمراً وأراد كونه, فإنما يقول له كن, أي: مرة واحدة فيكون, أي: فيوجد, على وفق ما أراد كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}, وقال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}, وقال تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر} وقال الشاعر:
إذا ما أراد أمراً فإنمايقول له كن قوله فيكون

ونبه بذلك أيضاً, على أن خلق عيسى بكلمة كن فكان كما أمره الله, قال الله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}.


** وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيّنّا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول, فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه¹ فأنزل الله في ذلك من قوله: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية}, وقال مجاهد: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية}, قال النصارى تقوله, وهو اختيار ابن جرير, قال: لأن السياق فيهم, وفي ذلك نظر, وحكى القرطبي: {لولا يكلمنا الله}, أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد, (قلت): وهو ظاهر السياق, والله أعلم, وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي في تفسير هذه الاَية: هذا قول كفار العرب {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم}, قال: هم اليهود والنصارى, ويؤيد هذا القول, وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب, قوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله يعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} الاَية, قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} إلى قوله: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً}, وقوله تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} الاَية, وقوله تعالى: {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة}¹ إلى غير ذلك من الاَيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به, إنما هو الكفر والمعاندة, كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم, كما قال تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة}, وقال تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}, وقوله تعالى: {تشابهت قلوبهم}¹ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو, كما قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به} الاَية, وقوله تعالى: {قد بينا الاَيات لقوم يوقنون}, أي قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل, بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل, وفهم ما جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى, وأما من ختم الله على قلبه وسمعه, وجعل على بصره غشاوة, فأولئك قال الله فيهم: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}.


** إِنّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا عبد الرحمن بن صالح أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الفزاري, عن شيبان النحوي, أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النّبي صلى الله عليه وسلم, قال: «أنزلت عليّ {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً}, قال: بشيراً بالجنة ونذيراً من النار», وقوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} قراءة أكثرهم ولا تسأل بضم التاء, على الخبر وفي قراءة أبي بن كعب, وما تسأل, وفي قراءة ابن مسعود ولن تسأل عن أصحاب الجحيم, نقلها ابن جرير, أي: لا نسالك عن كفر من كفر بك كقوله: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}, وكقوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} الاَية, وكقوله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}¹ وأشباه ذلك من الاَيات, وقرأ آخرون: «ولا تسأل عن أصحاب الجحيم» بفتح التاء على النهي, أي: لا تسأل عن حالهم, كما قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي ؟» فنزلت: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}, فما ذكرهما حتى توفاه الله عز وجل, ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة, وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب بمثله, وقد حكاه القرطبي, عن ابن عباس ومحمد بن كعب, قال القرطبي: وهذا كما يقال لا تسأل عن فلان, أي: قد بلغ فوق ما تحسب, وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به, وأجبنا عن قوله: «أبي وأباك في النار», (قلت): والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام, ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها, وإسناده ضعيف, والله أعلم.
ثم قال ابن جرير: وحدثني القاسم أخبرنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج, أخبرني داود بن أبي عاصم به, أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «أين أبواي» ؟ فنزلت: {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}, وهذا مرسل كالذي قبله, وقد رد ابن جرير هذا القول المروي, عن محمد بن كعب وغيره في ذلك, لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه, واختار القراءة الأولى, وهذا الذي سلكه ههنا فيه نظر, لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه, قبل أن يعلم أمرهما, فلما علم ذلك تبرأ منهما, وأخبر عنهما أنهما من أهل النار, كما ثبت هذا في الصحيح, ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ولا يلزم ما ذكر ابن جرير, والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان, عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار, قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص, فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن¹ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين, وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل, لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق, ولا يدفع بالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء, بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً. انفرد بإخراجه البخاري, فرواه في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح به, وقال تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال: وقال سعيد بن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام, ورواه في التفسير عن عبد الله عن عبد العزيز بن أبي سلمة, عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص به فذكر نحوه, فعبد الله هذا هو ابن صالح, كما صرح به في كتاب الأدب, وزعم ابن مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء, وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الاَية من البقرة, عن أحمد بن الحسن بن أيوب عن محمد بن أحمد بن البراء, عن المعافى بن سليمان عن فليح به وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته, فما اختلفا في حرف إلا أن كعباً قال بلغته: أعيناً عمومى, وآذاناً صمومى, وقلوباً غلوفاً.


** وَلَنْ تَرْضَىَ عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النّصَارَىَ حَتّىَ تَتّبِعَ مِلّتَهُمْ قُلْ إِنّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ * الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً, فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم, وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق, وقوله تعالى: {قل إن هدى الله هو الهدى} أي: قل يا محمد إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى, يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل, قال قتادة في قوله: {قل إن هدى الله هو الهدى} قال: خصومة علمها الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة, قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق, ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله», (قلت): هذا الحديث مخرج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو, {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} فيه تهديد ووعيد شديد للأمة, عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة, عياذاً بالله من ذلك فإن الخطاب مع الرسول والأمر لأمته¹ وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: {حتى تتبع ملتهم} حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة, كقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار, وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا, لأنهم كلهم ملة واحدة وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه, وقال في الرواية الأخرى كقول مالك, إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى, كما جاء في الحديث, والله أعلم. وقوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هم اليهود والنصارى, وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختاره ابن جرير, وقال سعيد عن قتادة: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا إبراهيم بن موسى وعبد الله بن عمران الأصبهاني, قال: أخبرنا يحيى بن يمان حدثنا أسامة بن زيد, عن أبيه عن عمر بن الخطاب {يتلونه حق تلاوته} قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة, وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار, وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله, ويحرم حرامه, ويقرأه كما أنزله الله, ولا يحرف الكلم عن مواضعه, ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله, وكذا رواه عبد الرزاق, عن معمر عن قتادة ومنصور بن المعتمر عن ابن مسعود, قال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الاَية قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه¹ قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك, وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه, ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو زرعة أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا ابن أبي زائدة أخبرنا داود بن أبي هند, عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {يتلونه حق تلاوته} قال: يتبعونه حق اتباعه, ثم قرأ: {والقمر إذا تلاها} يقول: اتبعها قال: وروي عن عكرمة وعطاء ومجاهد وأبي رزين وإبراهيم النخعي نحو ذلك. وقال سفيان الثوري: أخبرنا زبيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود, في قوله: {يتلونه حق تلاوته} قال: يتبعونه حق اتباعه, قال القرطبي: وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النّبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يتلونه حق تلاوته} قال: «يتبعونه حق اتباعه» ثم قال في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله, وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها, قال: وقد روي هذا المعنى عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا مرّ بآية رحمة سأل, وإذا مرّ بآية عذاب تعوذ, وقوله: {أولئك يؤمنون به} خبر عن {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته, آمن بما أرسلتك به يا محمد, كما قال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} الاَية, {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} أي: إذا أقمتموها حق الإقامة وآمنتم بها حق الإيمان وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره وموازرته, قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والاَخرة كما قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} الاَية, وقال تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً} أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم لواقعاً, وقال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون} وقال تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} ولهذا قال تعالى: {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} كما قال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وفي الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة, يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار».


** يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِيَ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
قد تقدم نظير هذه الاَية في صدر السورة وكررت ههنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم نعته واسمه وأمره وأمته فحذرهم من كتمان هذا, وكتمان ما أنعم به عليهم وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم من النعم الدنيوية والدينية ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم, ولا يحملهم ذلك على الحسد على مخالفته وتكذيبه والحيد عن موافقته, صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.


** وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ
يقول تعالى منبهاً على شرف إبراهيم خليله عليه السلام وأن الله تعالى جعله إماماً للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي, ولهذا قال: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين, اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي (فأتمهن) أي: قام بهن كلهن كما قال تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} أي: وفي جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه وقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين * شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الاَخرة لمن الصالحين * ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وقال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم * ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}, وقال تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}, وقوله تعالى: {بكلمات} أي: بشرائع وأوامر ونواه, فإن الكلمات تطلق, ويراد بها الكلمات القدرية كقوله تعالى عن مريم عليها السلام: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} وتطلق, ويراد بها الشرعية, كقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} أي: كلماته الشرعية, وهي إما خبر صدق, وإما طلب عدل إن كان أمراً أو نهياً, ومن ذلك هذه الاَية الكريمة: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}, أي: قام بهن قال: {إني جاعلك للناس إماماً} أي: جزاء على ما فعل, كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله الله للناس قدوة, وإماماً يقتدى به ويحتذى حذوه.
وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام, فروي عن ابن عباس في ذلك روايات, فقال عبد الرزاق, عن معمر عن قتادة قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك, وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي عن التميمي عن ابن عباس. وقال عبد الرزاق أيضاً, أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}, قال: ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد, في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس, وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء, قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي, وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك, (قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء, ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة». قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء, وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط», ولفظه لمسلم. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة, أخبرنا ابن وهب, أخبرني ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش بن عبد الله الصنعاني عن ابن عباس أنه كان يقول في تفسير هذه الاَية: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قال: عشر ست في الإنسان وأربع في المشاعر, فأما التي في الإنسان حلق العانة, ونتف الإبط والختان, وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة, وتقليم الأظفار وقص الشارب والسواك وغسل يوم الجمعة, والأربعة التي في المشاعر: الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والإفاضة. وقال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم, قال الله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن ؟ قال: الإسلام ثلاثون سهماً منها عشر آيات في براءة {التائبون العابدون} إلى آخر الاَية, وعشر آيات في أول سورة: {قد أفلح المؤمنون}, و {سأل سائل بعذاب واقع} وعشر آيات في الأحزاب: {إن المسلمين والمسلمات} إلى آخر الاَية فأتمهن كلهن فكتبت له براءة, قال الله: {وإبراهيم الذي وفى} هكذا رواه الحاكم وأبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند وهذا لفظ ابن أبي حاتم¹ وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن, فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم, ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه, وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم, والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله, وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء, قال الله له: {أسلم قال أسلمت لرب العالمين} على ما كان من خلاف الناس وفراقهم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج أخبرنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن, يعني البصري {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه, وابتلاه بالقمر فرضي عنه, وابتلاه بالشمس فرضي عنه, وابتلاه بالهجرة فرضي عنه, وابتلاه بالختان فرضي عنه, وابتلاه بابنه فرضي عنه¹ وقال ابن جرير: أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع, أخبرنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: أي والله لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه, ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر, فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول, فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً, وما كان من المشركين, ثم ابتلاه بالهجرة, فخرج من بلاده وقومه, حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله, ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة, فصبر على ذلك, وابتلاه بذبح ابنه والختان, فصبر على ذلك, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} قال: ابتلاه الله بذبح ولده وبالنار وبالكوكب والشمس والقمر, وقال أبو جعفر بن جرير: أخبرنا ابن بشار أخبرنا سلم بن قتيبة, أخبرنا أبو هلال عن الحسن {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}, قال: ابتلاه بالكوكب وبالشمس والقمر, فوجده صابراً, وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} فمنهن {قال إني جاعلك للناس إماماً} ومنهن {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} ومنهن الاَيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم والرزق الذي رزق ساكنوا البيت, ومحمد بعث في دينهما¹ وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح, أخبرنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد, في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو ؟ قال: تجعلني للناس إماماً ؟ قال: نعم, قال: ومن ذريتي ؟ قال: {لا ينال عهدي الظالمين}, قال: تجعل البيت مثابة للناس ؟ قال: نعم, قال: وأمناً ؟ قال: نعم, قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ؟ قال: نعم, قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ؟ قال: نعم, قال ابن نجيح: سمعته عن عكرمة فعرضته على مجاهد فلم ينكره, وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد, وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد, {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قال: ابتلي بالاَيات التي بعدها {إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} قال: الكلمات {إني جاعلك للناس إماماً} وقوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} وقوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقوله: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} الاَية, وقوله: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} الاَية, قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم, وقال السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} وقال القرطبي: وفي الموطأ وغيره, عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن وأول من ضاف الضيف, وأول من قلم أظفاره, وأول من قص الشارب, وأول من شاب فلما رأى الشيب, قال: ما هذا ؟ قال: وقار, قال: يا رب زدني وقاراً. وذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم عليه السلام, قال غيره: وأول من برّد البريد وأول من ضرب بالسيف, وأول من استاك, وأول من استنجى بالماء, وأول من لبس السراويل, وروي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم, وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم» (قلت): هذا حديث لا يثبت, والله أعلم. ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية.
قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر وجائز أن يكون بعض ذلك ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع, قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. قال: غير أنه قد روي عن النّبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران أحدهما ما حدثنا به أبو كريب, أخبرنا شدين بن سعد, حدثني زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله, الذي وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: {سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون} إلى آخر الاَية» قال: والاَخر: ما حدثنا به أبو كريب, أخبرنا الحسن عن عطية, أخبرنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإبراهيم الذي وفى} قال: «أتدرون ما وفى ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: «وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار» ورواه آدم في تفسيره عن حماد بن سلمة وعبد بن حميد عن يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن جعفر بن الزبير به, ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين, وهو كما قال: فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما, وضعفهما من وجوه عديدة, فإن كلاً من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه, والله أعلم. ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهباً لأن قوله: {إني جاعلك للناس إماماً} وقوله: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين} الاَية, وسائر الاَيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم, (قلت): والذي قاله أولاً من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله لأن السياق يعطي غير ما قالوه, والله أعلم.
وقوله قال: {ومن ذريتي} قال: {لا ينال عهدي الظالمين} لما جعل الله إبراهيم إماماً سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا ينالهم عهد الله ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم, والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} فكل نبي أرسله الله, وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه¹ وأما قوله تعالى: {قال لا ينال عهدي الظالمين} فقد اختلفوا في ذلك. فقال خصيف عن مجاهد في قوله: {قال لا ينال عهدي الظالمين} قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون, وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {قال لا ينال عهدي الظالمين} قال: لا يكون لي إمام ظالم, وفي رواية: لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: {قال لا ينال عهدي الظالمين} قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. وقال ابنأبي حاتم أخبرنا أبي أخبرنا مالك بن إِسماعيل أخبرنا شريك عن منصور عن مجاهد في قوله: {ومن ذريتي} قال أما من كان منهم صالحاً فأجعله إِماماً يقتدى به, وأما من كان ظالماً فلا ولا نعمة عين. وقال سعيد بن جبير {لاينال عهدي الظالمين} المراد به المشرك لا يكون إِمام ظالم, يقول لا يكون إِمام مشرك, وقال ابن جريج عن عطاء قال: {إِني جاعلك للناس إِماماً} قال ومن ذريتي فأبى أن يجعل من ذريته إِماماً ظالماً, قلت لعطاء ما عهده ؟ قال أمره, وقال ابن أبي حاتم أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إِليّ أخبرنا الفريابي حدثنا إسماعيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس, قال: قال الله لإِبراهيم إِني جاعلك للناس إِماماً قال ومن ذريتي فأبى أن يفعل ثم قال {لا ينال عهدي الظالمين} وقال محمد ابن إِسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس {قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده ولا ينبغي أن يوليه شيئاً من أمره وإِن كان من ذرية خليله, ومحسن ستنفذ فيه دعوته وتبلغ له ما أراد من مسألته. وقال العوفي عن ابن عباس {لا ينال عهدي الظالمين} قال يعني: لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطيعه فيه, وقال ابن جرير حدثنا إِسحاق أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله عن إِسرائيل عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس قال {لا ينال عهدي الظالمين} قال ليس للظالمين عهد وإِن عاهدته أنقضه وروي عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال ليس لظالم عهد, وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {لا ينال عهدي الظالمين} قال لا ينال عهد الله في الاَخرة الظالمين فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش, وكذا قال إِبراهيم النخعي وعطاء وعكرمة, وقال الربيع بن أنس عهد الله الذي عهد إِلى عباده دينه يقول لا ينال دينه الظالمين, ألا ترى أنه قال: {وباركنا عليه وعلى إِسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} يقول ليس كل ذريتك ياإِبراهيم على الحق, وكذا روي عن أبي العالية وعطاء ومقاتل بن حيان وقال جويبر عن الضحاك لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني ولا أنحلها إلا ولياً يطيعني. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي, حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني, أخبرنا وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا ينال عهدي الظالمين} قال لا طاعة إِلا في المعروف, وقال السدي: {لا ينال عهدي الظالمين} يقول عهدي نبوتي ـ فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الاَية, على ما نقله ابن جرير وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى واختار ابن جرير أن هذه الاَية وإِن كانت ظاهرة في الخبر, أنه لا ينال عهد الله بالإِمامة ظالماً, ففيها إِعلام من الله لإِبراهيم الخليل عليه السلام, أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه كما تقدم عن مجاهد وغيره. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً.


** وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ وَأَمْناً وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنّكَ أَنتَ التّوّابُ الرّحِيمُ
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ وَأَمْناً وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى قال العوفي: عن ابن عباس قوله تعالى: {وإِذ جعلنا البيت مثابة للناس} يقول: لا يقضون فيه وطراً, يأتونه ثم يرجعون إِلى أهليهم ثم يعودون إِليه, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مثابة للناس يقول يثوبون, رواهما ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن رجاء, أخبرنا إِسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس, في قوله تعالى: {وإِذ جعلنا البيت مثابة للناس} قال: يثوبون إِليه ثم يرجعون, قال وروي عن أبي العالية وسعيد بن جبير, في رواية وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع ابن أنس والضحاك نحو ذلك, وقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم ابن أبي عمير حدثني الوليد بن مسلم, قال: قال أبو عمرو يعني الأوزاعي, حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله تعالى: {وإِذ جعلنا البيت مثابة للناس} قال لاينصرف عنه منصرف, وهو يرى أنه قد قضى منه وطراً, وحدثني يونس عن ابن وهب قال: قال ابن زيد {وإِذ جعلنا البيت مثابة للناس} قال يثوبون إِليه من البلدان كلها ويأتونه, وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي:
جعل البيت مثاباً لهمليس منه الدهر يقضون الوطر

وقال سعيد ابن جبير في الرواية الأخرى وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني {مثابة للناس} أي مجمعاً {وأمناً} قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمناً للناس. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية {وإِذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} يقول وأمناً من العدو وأن يجعل فيه السلاح, وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لايسبون, وروي عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمناً.
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الاَية أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً, من كونه مثابة للناس, أي جعله محلاً تشتاق إِليه الأرواح, وتحن إِليه, ولا تقضي منه وطراً ولو ترددت إِليه كل عام استجابة من الله تعالى, لدعاء خليله إِبراهيم عليه السلام, في قوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إِليهم, إِلى أن قال: {ربنا وتقبل دعاء} ويصفه تعالى بأنه جعله آمناً من دخله أمن, ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمناً, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه, فلا يعرض له, كما وصف في سورة المائدة في قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} أي يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء, كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت, لأطبق الله السماء على الأرض, وما هذا الشرف إِلا لشرف بانيه أولاً, وهو خليل الرحمن, كما قال تعالى: {وإِذ بوأنا لإِبراهيم مكان البيت أن لاتشرك بي شيئاً}. وقال تعالى: {إِن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إِبراهيم ومن دخله كان آمناً} وفي هذه الاَية الكريمة, نبه على مقام إِبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو, فقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عمرو بن شبة النميري, حدثنا أبو خلف, يعني عبد الله بن عيسى, أخبرنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} قال: مقام إِبراهيم الحرم كله وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك, وقال أيضاً أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا حجاج عن ابن جريج, قال: سألت عطاء عن {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} فقال سمعت ابن عباس قال: أما مقام إِبراهيم الذي ذكر ههنا, فمقام إِبراهيم هذا الذي في المسجد, ثم قال: ومقام إِبراهيم يعد كثير مقام إِبراهيم الحج كله, ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف وصلاتان بعرفة, والمشعر, ومنى, ورمي الجمار, والطواف بين الصفا والمروة, فقلت أفسره ابن عباس ؟ قال لا. ولكن قال مقام إِبراهيم الحج كله. قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع ؟ قال: نعم سمعته منه. وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم, عن سعيد بن جبير {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} قال: الحجر مقام إِبرهيم نبي الله قد جعله الله رحمة, فكان يقوم عليه ويناوله إِسماعيل الحجار, ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه. وقال السدي: المقام الحجر الذي وضعته زوجة إِسماعيل تحت قدم إِبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي وضعفه ورجحه غيره, وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الحسن بن محمد ابن الصباح, أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج, عن جعفر بن محمد عن أبيه, سمع جابراً يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم, قال: لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم, قال له عمر: هذا مقام أبينا ؟ قال: نعم, قال: أفلا نتخذه مصلى ؟ فأنزل الله عز وجل {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقال عثمان ابن أبي شيبة: أخبرنا أبو أسامة عن زكريا, عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة, قال: قال عمر: قلت: يارسول الله هذا مقام خليل ربنا ؟ قال: نعم, قال: أفلا نتخذه مصلى ؟ فنزلت {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقال ابن مردويه: أخبرنا دعلج بن أحمد, أخبرنا غيلان بن عبد الصمد, أخبرنا مسروق بن المرزبان, أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إِسحاق, عن عمرو بن ميمون, عن عمر بن الخطاب, أنه مر بمقام إِبراهيم فقال: يارسول الله أليس نقوم بمقام خليل ربنا ؟ قال: بلى, قال: أفلا نتخذه مصلى ؟ فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقال ابن مردويه: أخبرنا علي بن أحمد بن محمد القزويني, أخبرنا علي بن الحسين, حدثنا الجنيد, أخبرنا هشام ابن خالد, أخبرنا الوليد عن مالك بن أنس, عن جعفر بن محمد عن أبيه, عن جابر, قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إِبراهيم, قال له عمر: يارسول الله هذا مقام إِبراهيم الذي قال الله {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, قال: نعم, قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك واتخذوا ؟ قال: نعم هكذا وقع في هذه الرواية وهو غريب, وقد روى النسائي من حديث الوليد ابن مسلم نحوه, وقال البخاري: باب قوله {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} مثابة يثوبون يرجعون, حدثنا مسدد, أخبرنا يحي عن حميد, عن أنس بن مالك, قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث, قلت: يارسول الله لو اتخذت من مقام إِبراهيم مصلى فنزلت {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقلت: يارسول الله, يدخل عليك البر والفاجر, فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب, فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه, فدخلت عليهن فقلت: إِن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن حتى أتت إِحدى نسائه, قالت: ياعمر, أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت, فأنزل الله {عسى ربه إِن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات} الاَية, وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب, حدثني حميد, قال: سمعت أنساً عن عمر رضي الله عنهما, هكذا ساقه البخاري ههنا, وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري, وقد تفرد عنه بالرواية البخاري من بين أصحاب الكتب الستة, وروى عنه الباقون بواسطة, وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إِسناد الحديث, وإِنما لم يسنده لأن أبي أيوب الغافقي فيه شيء, كما قال الإِمام أحمد فيه هو سيء الحفظ, والله أعلم. وقال الإِمام أحمد: حدثنا هشيم, أخبرنا حميد عن أنس, قال: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي عز وجل في ثلاث, قلت: يارسول الله, لو اتخذت من مقام إِبراهيم مصلى, فنزلت {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقلت: يارسول الله, إِن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر, فلو أمرتهن أن يحتجبن, فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة, فقلت لهن: {عسى ربه إِن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن}, فنزلت كذلك, ثم رواه أحمد عن يحيى وابن أبي عدي كلاهما عن حميد, عن أنس عن عمر, أنه قال: وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث, فذكره. وقد رواه البخاري عن عمر وابن عون والترمذي عن أحمد بن منيع والنسائي, عن يعقوب بن إِبراهيم الدورقي وابن ماجه, عن محمد بن الصباح, كلهم عن هشيم بن بشيربه. ورواه الترمذي أيضاً عن عبد بن حميد, عن حجاج بن منهال, عن حماد بن سلمة والنسائي, عن هناد عن يحيى بن أبي زائدة كلاهما, عن حميد وهو ابن تيرويه الطويل به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه الإمام علي بن المديني عن زيد بن زريع, عن حميد به, وقال: هذا من صحيح الحديث وهو بصري, ورواه الإمام مسلم بن حجاج في صحيحه بسند آخر ولفظ آخر, فقال: أخبرنا عقبة بن مكرم, أخبرنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء, عن نافع, عن ابن عمر, قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب, وفي أساري بدر, وفي مقام إِبراهيم. وقال أبو حاتم الرازي: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري, أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك, قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث أو وافقت ربي في ثلاث, قلت يارسول الله لو اتخذت من مقام إِبراهيم مصلى, فنزلت {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى}, وقلت: يارسول الله لو حجبت النساء, فنزلت آية الحجاب, والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي, جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه, قلت: يارسول الله تصلي على هذا الكافر المنافق ؟ فقال: إِيهاً عنك ياابن الخطاب, فنزلت {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} وهذا إِسناد صحيح أيضاً, ولا تعارض بين هذا ولا هذا بل الكل صحيح ومفهوم العدد إِذا عارضه منطوق قدم عليه, والله أعلم, وقال ابن جريج: أخبرني جعفر عن محمد عن أبيه, عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً حتى إِذا فرغ عمد إِلى مقام إِبراهيم فصلى خلفه ركعتين, ثم قرأ {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} وقال ابن جرير: حدثنا يوسف بن سلمان, أخبرنا حاتم بن إِسماعيل, أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه, عن جابر, قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم نفذ إِلى مقام إِبراهيم فقرأ {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} فجعل المقام بينه وبين البيت, فصلى ركعتين, وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إِسماعيل, وروى البخاري بسنده عن عمرو بن دينار, قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين, فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إِنما هو الحجر الذي كان إِبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة, لما ارتفع الجدار أتاه إِسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار, وكلما كمل ناحية انتقل إِلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة, وهو واقف عليه كلما فرغ من جدار نقله إِلى الناحية التي تليها, وهكذا حتى تم بناء جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في قصة إِبراهيم وإِسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري, وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه, ولم يزل هذا معروفاً تعرفه العرب في جاهليتها, ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:
وموطىء إِبراهيم في الصخر رطبةعلى قدميه حافياً غير ناعل

وقد أدرك المسلمون ذلك فيه كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب: أن أنس ابن مالك حدثهم, قال: رأيت المقام فيه أصابعه عليه السلام وأخمص قدميه, غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم, وقال ابن جرير: بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع, أخبرنا سعيد عن قتادة {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} إِنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. وقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها, ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى, (قلت) وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة قديماً ومكانه معروف اليوم إِلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك, وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إِلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ولهذا, والله أعلم, أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف, وناسب أن يكون عند مقام إِبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه, وإِنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم, وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وهو الذي نزل القرآن بوفاته في الصلاة عنده, ولهذا لم ينكر ذلك أحد من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين, قال عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني عطاء وغيره من أصحابنا, قال: أول ما نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال عبد الرزاق أيضاً عن معمر, عن حميد الأعرج, عن مجاهد, قال: أول من أخر المقام إِلى موضعه الاَن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضيل القطان, أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل, حدثنا أبو إِسماعيل محمد بن إِسماعيل السلمي, حدثنا أبو ثابت, حدثنا الدراوردي عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها: أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم, وزمان أبي بكر رضي الله عنه, ملتصقاً بالبيت, ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وهذا إِسناد صحيح مع ما تقدم, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان, يعني ابن عيينة وهو إِمام المكيين في زمانه: كان المقام من سقع البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحوله عمر إِلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إِياه من موضعه هذا, فرده عمر إِليه, وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله, وقال سفيان لا أدري أكان لاصقاً بها أم لا ؟ فهذه الاَثار متعاضدة على ما ذكرناه, والله علم, وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم, أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام, أخبرنا آدم هو ابن أبي إِياس في تفسيره, أخبرنا شريك عن إِبراهيم بن المهاجر عن مجاهد, قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام, فأنزل الله {واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى} فكان المقام عند البيت, فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضعه هذا. قال مجاهد: وكان عمر يرىَ الرأي فينزل به القرآن, هذا مرسل عن مجاهد, وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر, عن حميد الأعرج, عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إِلى موضعه الاَن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم, والله أعلم.
طائر مهاجر غير متواجد حالياً  
قديم 02-08-2006, 19:21   رقم المشاركة : 12 (permalink)
معلومات العضو
طائر مهاجر
تم ايقافه
 
الصورة الرمزية طائر مهاجر
 

 

 
إحصائية العضو








طائر مهاجر غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
طائر مهاجر is on a distinguished road

 

 

مشاركة: تفسير ابن كثير


وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنّكَ أَنتَ التّوّابُ الرّحِيمُ
قال الحسن البصري: قوله {وعهدنا إِلى إِبراهيم وإِسماعيل} قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس, ولا يصيبه من ذلك شيء, وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده ؟ قال: أمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {وعهدنا إِلى إِبراهيم} أي أمرناه كذا, قال: والظاهر أن هذا الحرف إِنما عدي بإِلى لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا, وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} قال: من الأوثان, وقال مجاهد وسعيد بن جبير {طهرا بيتي للطائفين} أن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال ابن أبي حاتم, وروي عن عبيد بن عمير وأبي العالية وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وقتادة {أن طهرا بيتي} أي بلا إِله إِلا الله من الشرك, وأما قوله تعالى: {للطائفين} فالطواف بالبيت معروف وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى {للطائفين} يعني من أتاه من غرابة {والعاكفين} المقيمين فيه, وهكذا روي عن قتادة والربيع بن أنس, أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه, كما قال سعيد بن جبير, وقال يحيى القطان عن عبد الملك هو ابن أبي سليمان, عن عطاء في قوله {والعاكفين} قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده وقال لنا ونحن مجاورون أنتم من العاكفين, وقال وكيع عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء, عن ابن عباس, قال: إِذا كان جالساً فهو من العاكفين, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي, أخبرنا موسى بن إِسماعيل, أخبرنا حماد بن سلمة, أخبرنا ثابت, قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إِلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام, فإِنهم يجنبون ويحدثون. قال: لا تفعل, فإِن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون. ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة به, (قلت) وقد ثبت في الصحيح أن الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب, وأما قوله تعالى: {والركع السجود} فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء عن ابن عباس: والركع السجود, قال: إِذا كان مصلياً فهو من الركع السجود, وكذا قال عطاء وقتادة. قال ابن جرير رحمه الله: فمعنى الاَية, وأمرنا إِبراهيم وإِسماعيل بتطهير بيتي للطائفين, والتطهير الذي أمرنا به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك, ثم أورد سؤالاً فقال: فإِن قيل: فهل كان قبل بناء إِبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه وأجاب بوجهين: (أحدهما) أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان, ليكون ذلك سنة لمن بعدهما, إِذ كان الله تعالى قد جعل إِبراهيم إِماماً يقتدى به, كما قال عبد الرحمن بن زيد {أن طهرا بيتي} قال: من الأصنام التي يعبدون, التي كان المشركون يعظمونها (قلت) وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إِبراهيم عليه السلام, ويحتاج إِثبات هذا إِلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم. (الجواب الثاني) أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له, فيبنياه مطهراً من الشرك والريب, كما قال جل ثناؤه: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} قال: فكذلك قوله: {وعهدنا إِلى إِبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي} أي ابنياه على طهر من الشرك بي والريب, كما قال السدي {أن طهرا بيتي} ابنيا بيتي للطائفين, وملخص هذا الجواب أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به, والعاكفين عنده, والمصلين إليه من الركع السجود, كما قال تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} الاَيات.
وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به ؟ فقال مالك رحمه الله, الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقاً, وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام, والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له, ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه, كما قال تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له إما بطواف أو صلاة, فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها وركوعها وسجودها, ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم {سواء العاكف فيه والباد} وفي هذه الاَية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين, واكتفى بذكر الركوع والسجود عن القيام, لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام, وفي ذلك أيضاً رد على من لا يحجه من أهل الكتابين اليهود والنصارى, لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وإسماعيل , ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده, وهم لا يفعلون شيئاً من ذلك, فكيف يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرع الله له ؟ وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى {إن هو إلا وحي يوحى}.
وتقدير الكلام إذا {وعهدنا إلى إبراهيم} أي تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} أي طهراه من الشرك والريب, وابنياه خالصاً لله معقلاً للطائفين والعاكفين والركع السجود, وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الاَية الكريمة, ومن قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاَصال} ومن السنة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال عليه السلام «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» وقد جمعت في ذلك جزءاً على حدة, ولله الحمد والمنة, وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة, فقيل: الملائكة قبل آدم, روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين, ذكره القرطبي وحكى لفظه, وفيه غربة, وقيل: آدم عليه السلام, رواه عبد الرزاق عن ابن جريج, عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي, وهذا غريب أيضاً. وروي عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث عليه السلام, وغالب من يذكر هذه إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب, وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها, وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين.
وقوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الاَخر} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: أخبرنا ابن بشار قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي, أخبرنا سفيان عن أبي الزبير, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه, وإ