عرض مشاركة واحدة
قديم 28-12-2004, 11:49   رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو
حافية القدمين
عضو مميز
 
الصورة الرمزية حافية القدمين
 

 

 
إحصائية العضو








حافية القدمين غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 20
حافية القدمين is on a distinguished road

 

 

‏(3)‏
في شهر نوفمبر الماضي صدر في بيروت كتاب بعنوان ثقافة الاستسلام ألفه زميلنا الأستاذ بلال الحسن‏,‏ وفيه قام بتعرية وفضح خمسة من الكتاب العرب‏,‏ الذين يقفون ضمن الصفوف الأولي لطوابير المهزومين‏,‏ ممن يدعون إلي الانبطاح ويسوغون موالاة أعداء الامة والتفريط في قضاياها وحقوقها‏.‏
فضلا عن فضح المواقف وكشفها ـ وهذا أمر غاية في الأهمية ـ فان الكاتب ينبه إلي أمرين آخرين‏,‏ أولهما أن ظاهرة مثقفي المارينز أصبحت ذات طابع عربي وليس قطريا‏,‏ بمعني أولئك المارينز أثبتوا وجودهم في أغلب الاقطار العربية‏(‏ الخمسة الذين تحدث عنهم بلال الحسن يتوزعون علي أربعة أقطار مختلفة‏).‏

الأمر الثاني ان عناصر هذه الظاهرة أصبحوا يحتلون مواقع بارزة في ساحة الاعلام العربي‏,‏ الأمر الذي يوفر لهم منابر تمكنهم من مخاطبة الرأي العام وبث دعاواهم والترويج لها‏.‏
في زمن الانكسار‏,‏ لا غرابة في أن تصبح ثقافة الاستسلام معلما بارزا في لغة الخطاب الاعلامي العربي‏,‏ من ثم ففضلا عن اختراق مجموعة المارينز للمنابر الاعلامية المختلفة‏,‏ فان عناصرها لم تكتف بذلك‏,‏ وإنما عمدوا إلي تأسيس منابر أخري احتشد فيها نفر منهم‏,‏ وحولوها إلي محطات ارسال لبث تلك الثقافة رفعت لافتات مختلفة‏,‏ بحثية واستراتيجية وليبرالية‏..‏ إلخ واضافة إلي بعض المراكز التي ادعت اهتماما بالمجتمع المدني‏,‏ فان العام المنصرم شهد تأسيس أكثر من صحيفة ومجلة‏(‏ أحدثها صدر في شهر نوفمبر الماضي‏)‏ كانت ثقافة الاستسلام محورا رئيسيا وقاسما مشتركا بينها‏.‏ ولأن الأمريكيين لايخفون مايفعلون ويكشفون أغلب أوراقهم ولو بعد حين‏,‏ فانهم هم الذين أعلنوا علي لسان وزير دفاعهم دونالد رامسفيلد ان الادارة الأمريكية تخوض ايضا معركة حرب الأفكار في العالم العربي والاسلامي‏,‏ وهم الذين أعلنوا علي لسان متحدث باسم السفارة الأمريكية بالقاهرة عن اتجاههم إلي انشاء وتمويل صحف ومنابر اعلامية في بعض العواصم العربية‏,‏ ولم يخفوا أنهم يمولون قناة الحرة‏!‏ ـ التليفزيونية‏,‏ واذاعة سوا ومجلة هاي ـ بحسبانها ضمن الاسلحة المستخدمة لكسب تلك الحرب‏.‏

هذا كله ليس مفاجئا‏,‏ وإنما هو استنساخ أو طبعة جديدة من تجربة المخابرات المركزية في أثناء الحرب الباردة‏,‏ ومحاولاتها منذ الحرب العالمية الثانية خوض معركة الأفكار ضد الاتحاد السوفيتي‏,‏ وهو ما أثبتته وكشفت النقاب عن أسراره الباحثة البريطانية فرانسيس سوندرز في كتابها المهم الذي صدر تحت عنوان الحرب الباردة الثقافية ـ‏(‏ ترجمه إلي العربية الاستاذ طلعت الشايب‏).‏
برغم ان الهدف واحد والأساليب واحدة‏,‏ إلا أن الحرب الثقافية الراهنة تميزت بأمرين‏,‏ الأول أن حرب الأفكار ضد الاتحاد السوفيتي كانت تشن من خارجه‏,‏ بينما الحرب الموجهة ضد العالم العربي والاسلامي ينطلق جزء كبير فيها من قلب عواصمه‏,‏ الأمر الثاني أن الذين كانوا يقودون تلك الحرب كانوا يتخفون ويتسترون ويوصلون رسالتهم بأساليب ملتوية وغير مباشرة‏,‏ أما في زماننا فالمارينز ـ كما رأيت ـ لم يقصروا في كشف وجوههم والاعلان عن أهدافهم الحقيقية بغير مواربة‏,‏ وبغير حياء‏!‏

‏(4)‏
ألا يلفت نظرك كم المؤتمرات والمنتديات التي عقدت خلال العام عن الاصلاح والتغيير في العالم العربي؟ ـ وألا تلاحظون حجم الحضور الأمريكي في تلك الملتقيات؟ وأليس مستغربا أن يتجاوز الحضور الأمريكي حدود المشاركة‏,‏ بحيث يتولي الأمريكيون تنظيم بعض تلك المؤتمرات وإعداد جدول أعمالها وتحديد المدعوين إليها والمشاركين في حواراتها؟ ـ وهل يصدق عاقل ان الولايات المتحدة جادة في دعوتها إلي اصلاح حال العالم العربي؟ ـ وهل يتصور مخلوق أن الأهداف الأمريكية من الاصلاح يمكن ان تتطابق مع أهداف الامة العربية والاسلامية؟
كثيرة هي الاسئلة التي تثيرها صرعة المنتديات والمؤتمرات التي حلت بالعالم العربي علي مدار العام‏,‏ حتي أصبحت منافسا لمهرجانات السينما والغناء والطرب‏,‏ التي صارت وباء لم يستثن عاصمة في أمة العرب‏,‏ وهي أسئلة ليست للاستفهام فحسب‏,‏ ولكن بعضها تعبير عن الاسترابة والبعض الآخر استنكاري بامتياز‏.‏ وما يشجعني علي طرحها ليس توالي انعقاد تلك المؤتمرات وطبيعة المنظمين لها‏,‏ والمشاركين فيها‏,‏ وإنما أنني كنت شاهدا عليها‏,‏ وحاضرا في بعضها ومن ثم مستمعا لما قيل في ذلك البعض علي الأقل‏.‏

لقد اعتذرت عن عدم حضور مؤتمرات كانت الرائحة الأمريكية تفوح من جدول أعمالها‏,‏ وشاركت فيما ظننت أنه مبرأ من تلك الشبهة‏,‏ لكن تجربتي أقنعتني بأن الأجندة الأمريكية مقررة علي الجميع‏,‏ وانها اذا كانت قد أفصحت عن نفسها في بعض الملتقيات‏,‏ فانها حاضرة بقوة في خلفيات وأوراق وتوصيات الملتقيات الأخري‏,‏ لااستثني من ذلك بعض المؤتمرات التي تعرضت للشأن الاسلامي‏,‏ والتي سمعت فيها كلاما غريبا وتأويلات شاذة‏,‏ لم تكن سوي عرض للاسلام الأمريكي الذي يراد تسويقه في المرحلة الراهنة‏,‏ وهو ما قلته صراحة في تعقيب اعتراضي اضطررت إليه في واحد من تلك المؤتمرات‏,‏ عقب محاضرة باهتة قدمها أحد أكاديميي المارينز عن الإسلام والتغيير‏.‏
حين يدقق المرء في أوراق وتوصيات تلك السلسلة من المؤتمرات والملتقيات يستحضر علي الفور الحديث الأمريكي المتكرر عن الشرق الأوسط الكبير والخرائط التي يراد رسمها فيه‏,‏ والنموذج التركي الذي يراد تعميمه عليه‏,‏ ويدرك أن حرب الأفكار هي المقدمة الضرورية لمرحلة اعادة رسم الخرائط‏,‏ واننا جميعا ندفع لكي نسير في درب محدد‏,‏ له مقاصد وأهداف واضحة‏,‏ يستطيع أي قاريء لمشروع القرن الأمريكي أن يقف علي حقيقتها دون عناء‏.‏

‏(5)‏
عملية ترتيب الأوراق وتوفيق الأوضاع التي استمرت طيلة عام‏2004,‏ يفترض أن تؤتي ثمارها في عام‏2005,‏ ان شئت فقل ان ما زرعناه في العام المنقضي سوف نجني حصاده في العام الجديد‏,‏ وهذا بالتحديد مصدر القلق والخوف مما ستأتي به أو تسفر عنه الأشهر القادمة‏,‏ لأن الذي زرعناه ـ في حده الأدني ـ ليس الذي تمنيناه‏,‏ وانما الذي تمناه غيرنا وتحري به مصالحه‏.‏
من وجهة نظرهم‏,‏ هي فرصة تاريخية حقا‏,‏ فالانكسار العربي بلغ مداه‏,‏ والاختراق في أعلا موجاته‏,‏ والشقوق تملأ جدران الأمة‏,‏ ومفردات الانصياع ومشتقاته معلقة علي تلك الجدران‏,‏ من المحيط إلي الخليج‏,‏ من ثم فالظرف موات تماما لاحداث التفكيك واعادة التركيب وانجاز الخرائط الجديدة‏,‏ بدءا بتصفية قضية فلسطين وانتهاء ببسط الهيمنة علي جنبات الشرق الأوسط الكبير‏.‏

لسنا بصدد قدر مكتوب بطبيعة الحال‏,‏ ولكنه مجرد سيناريو مفترض إذا قدر للأمور ان تمضي في الاتجاه الذي رسم لها‏,‏ اما اذا اختلت المسيرة وتغير الموقف في العراق في غير صالح الاحتلال مثلا‏,‏ فان ذلك السيناريو سوف ينقلب رأسا علي عقب‏.‏
وأقولها صراحة إذا تمكن الأمريكيون من العراق‏,‏ وثبتوا فوق ربوعه رايات الانصياع والتسليم‏,‏ فإن شهية رعاة الحلم الإمبراطوري الأمريكي سوف تنفتح لفرض المزيد من الركوع والانبطاح علي العالم العربي‏,‏ والإقدام علي المزيد من المغامرات في العالم الاسلامي‏.‏
حينئذ سوف يقع المحظور‏,‏ ونترحم علي عام القرد‏!‏

منفقول من كتابات فهمى هويدى (جريدة الاهرام)


التوقيع

حافية القدمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس