معلومات العضو
|
|
|
إحصائية العضو
|
|
|
|
عام الاختراق الكبير
[size=4]
لا يكن المرء شعورا بالحنين أو الأسف حيال ذلك العام الذي نوشك أن نفارقه, لأنه لم يكن سوي شاهد جديد علي زمن التراجع العربي. مع ذلك فأخشي ما أخشاه أن نترحم عليه في مقبل الأيام, لأن السحب التي تلوح في الأفق توحي بأننا مقبلون علي سنة كبيسة أخري, إن لم تكن مخيفة أيضا.
(1)
ونحن نستعد لاستقبال هذا العام(2004) خرجت علينا مجلة الايكونوميست البريطانية الرصينة بتحليل خلصت منه إلي أن السنة لن تكون مملة, في حين أن الصينيين تفاءلوا بها, لأنها في تقويمهم تعد سنة القرد ولديهم من الأسباب مايجعلهم يستبشرون بها, أما الهنود فقد كانوا أكثر حذرا, حيث لاحظوا أن كوكب زحل يسير في ذلك العام باتجاه معاكس للشمس, وهو ما اعتبروه مؤشرا سلبيا.
وقتذاك( في1/13) قلت انني لا آخذ مثل هذه التنبؤات علي محمل الجد, لكنني لم أخف شعورا بالتوجس, فقلت ان رياح السنة الجديدة قد تكون لنا أو علينا, ولأن حالنا كما تعرف فكفة الاحتمال الثاني أرجح وإذ انقضي العام, فانني اعترف بأن شكي في النبوءات التي أشرت إليها لم يكن في محله, خصوصا إذا تعاملنا مع المصطلحات التي استخدمت في وصف العام بالمفهوم الذي تعنيه في الخطاب العربي, فما ليس مملا في ظل البرود الانجليزي هو في الأغلب كارثي عندنا, أما كل مايقترن بالقرد أو بكوكب زحل فانه يغدو في خطابنا الدارج مصدرا للقبح والتعاسة, وإذ أسجل بانني مؤمن تماما بمقولة كذب المنجمون ولو صدقوا فان الأمانة تقتضي الإقرار بأن أولئك الأبالسة ـ هذه المرة الأقل ـ صدقوا ـ لماذا؟
قبل أن أجيب ألفت الانتباه إلي ان المشهد العربي يحتمل قراءات عدة, تختلف باختلاف زاوية الرؤية والمعيار الذي يستخدمه القاريء في القياس والتقييم, غير أنني أزعم بأن قراءة المثقفين الوطنيين لاحداث العام المنصرم متطابقة إلي حد كبير, وهذا ليس مجرد استنتاج من عندي, ولكنه بالدرجة الأولي انطباع قوي, هو حصيلة خبرة شخصية وحوارات اتصلت علي مدار العام مع شرائح مختلفة من تلك الأطياف الوطنية, ليس في مصر وحدها, وإنما في العالم العربي الذي توافرت فيه فرص ومناسبات عديدة, أتاحت لي ولغيري إمكانية اجراء ذلك التواصل في مشرق العالم العربي ومغربه.
(2)
إذا سألتني عن أهم قسمات عام2004 فردي ان العلامة الأبرز لذلك العام تتمثل في تقدم طوابير المهزومين وارتفاع أصواتهم بشكل صريح وفج, وعلي نحو غير مسبوق, أدري أن هؤلاء موجودون في كل مجتمع وكل زمان, لكنني أزعم أنهم في العالم العربي ـ خلال نصف القرن الأخير ـ كانوا يتوارون أحيانا, ويتحدثون بلغة ملفوفة وغير مباشرة في أحيان أخري, وكانت الظروف تفرض عليهم طول الوقت الالتزام بحدود الاحتشام وممارسة مايمكن أن نسميه بالحياء الوطني.
هذه الصورة اختلفت ـ أو انقلبت ـ تماما خلال العام الذي نودعه, فالمهزومون كشفوا الأقنعة, وتخلوا عن الحياء والاحتشام, وأصبحوا يتحدثون بوجه مكشوف وبصراحة مدهشة, وبالتالي فإن ترويجهم للهزيمة ودفاعهم عن الاستسلام والانبطاح, أصبح جزءا من أدبيات المرحلة, وهم لم يكتفوا بذلك, وإنما انتقلوا من التسويغ والتبرير إلي الهجوم الشرس علي مختلف القيم النبيلة في مجتمعاتنا, وأهم الثوابت التي يقوم عليها بناء الأمة, هكذا جهارا نهارا,
خلال كتابات عدة نشرت في الأسابيع التي خلت أشرت إلي نماذج لهذا اللامعقول الذي طفا علي سطح العام من حيث لانحتسب, ولكن لا بأس من التذكير ببعض الرسائل التي تمثل فعلا فاضحا من الناحية السياسية, التي جري بثها خلال العام.
من كان يتصور مثلا أن يجري الدفاع عن الاحتلال الأمريكي لبلد عربي بالكامل مثل العراق, وبأن يوصف ذلك الاحتلال بأنه تحرير؟ ومن كان يتصور أن يجرؤ نفر من العرب علي هجاء المقاومة الوطنية, وأن تعلو بعض الأصوات متهمة إياها بأنها ارهاب, ومدعية بأن المقاومين ليسوا سوي إرهابيين حينا و حربجية في حين آخر؟ ومن كان يتخيل يوما ما ان تدبج بعض المقالات في الكيد والازدراء بما سماه أحدهم إمارة حماس وأن يجري التطاول علي هيئة علماء المسلمين في العراق, بحيث يوصفون بأنهم هيئة علماء الخاطفين؟ ومن يصدق أن يقول قائل في مصر ـ أكرر في مصر ـ أن أهم بلدين في علاقاتها الخارجية هما الولايات المتحدة وإسرائيل, أو يقول إننا يجب ألا نسمح أبدا للعلاقات العربية أن تؤثر سلبا علي العلاقات مع إسرائيل( في دعوة غريبة لرفع شعار إسرائيل أولا) ـ أو أن يدعو داع إلي ضرورة التخلص من النظر بشكل سلبي إلي اسرائيل ولأي علاقة معها؟ ـ ومن كان يصدق ان يطرح للمناقشة مبدأ الاستعانة بالأمريكيين لاحداث التغيير الذي ننشده إذا عجزنا عنه, في استهبال مريب, يريد لنا أن نقتنع بأن الولايات المتحدة أصبحت منظمة خيرية مشغولة بإغاثة المقهورين وتطييب خواطر المعذبين.
حتي ثوابت الأمة, وعلي رأسها الانتماء إلي العروبة والإسلام, لم تسلم من الهجاء, والازدراء, ممن أرادوا تجريح كل عناصر العافية والانقضاض عليها, احتماء بشعار حرية الرأي والاجتهاد, إذ أراد المهزومون لموالاة أعداء الأمة وللعمالة أن تكون مجرد وجهة نظر واجتهاد مخالف لما يجري التعارف عليه, وهو ذات المنطق الذي يسوغ الدعارة بحسبانها وجهة نظر مغايرة في المسألة الأخلاقية.
منقول من كتابات فهمى هويدى(جريدة الاهرام)
| التوقيع |
|

|
|