عرض مشاركة واحدة
قديم 28-12-2004, 11:47   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
حافية القدمين
عضو مميز
 
الصورة الرمزية حافية القدمين
 

 

 
إحصائية العضو








حافية القدمين غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 20
حافية القدمين is on a distinguished road

 

 

عام الاختراق الكبير

[size=4]


لا يكن المرء شعورا بالحنين أو الأسف حيال ذلك العام الذي نوشك أن نفارقه‏,‏ لأنه لم يكن سوي شاهد جديد علي زمن التراجع العربي‏.‏ مع ذلك فأخشي ما أخشاه أن نترحم عليه في مقبل الأيام‏,‏ لأن السحب التي تلوح في الأفق توحي بأننا مقبلون علي سنة كبيسة أخري‏,‏ إن لم تكن مخيفة أيضا‏.‏

‏(1)‏
ونحن نستعد لاستقبال هذا العام‏(2004)‏ خرجت علينا مجلة الايكونوميست البريطانية الرصينة بتحليل خلصت منه إلي أن السنة لن تكون مملة‏,‏ في حين أن الصينيين تفاءلوا بها‏,‏ لأنها في تقويمهم تعد سنة القرد ولديهم من الأسباب مايجعلهم يستبشرون بها‏,‏ أما الهنود فقد كانوا أكثر حذرا‏,‏ حيث لاحظوا أن كوكب زحل يسير في ذلك العام باتجاه معاكس للشمس‏,‏ وهو ما اعتبروه مؤشرا سلبيا‏.‏
وقتذاك‏(‏ في‏1/13)‏ قلت انني لا آخذ مثل هذه التنبؤات علي محمل الجد‏,‏ لكنني لم أخف شعورا بالتوجس‏,‏ فقلت ان رياح السنة الجديدة قد تكون لنا أو علينا‏,‏ ولأن حالنا كما تعرف فكفة الاحتمال الثاني أرجح وإذ انقضي العام‏,‏ فانني اعترف بأن شكي في النبوءات التي أشرت إليها لم يكن في محله‏,‏ خصوصا إذا تعاملنا مع المصطلحات التي استخدمت في وصف العام بالمفهوم الذي تعنيه في الخطاب العربي‏,‏ فما ليس مملا في ظل البرود الانجليزي هو في الأغلب كارثي عندنا‏,‏ أما كل مايقترن بالقرد أو بكوكب زحل فانه يغدو في خطابنا الدارج مصدرا للقبح والتعاسة‏,‏ وإذ أسجل بانني مؤمن تماما بمقولة كذب المنجمون ولو صدقوا فان الأمانة تقتضي الإقرار بأن أولئك الأبالسة ـ هذه المرة الأقل ـ صدقوا ـ لماذا؟
قبل أن أجيب ألفت الانتباه إلي ان المشهد العربي يحتمل قراءات عدة‏,‏ تختلف باختلاف زاوية الرؤية والمعيار الذي يستخدمه القاريء في القياس والتقييم‏,‏ غير أنني أزعم بأن قراءة المثقفين الوطنيين لاحداث العام المنصرم متطابقة إلي حد كبير‏,‏ وهذا ليس مجرد استنتاج من عندي‏,‏ ولكنه بالدرجة الأولي انطباع قوي‏,‏ هو حصيلة خبرة شخصية وحوارات اتصلت علي مدار العام مع شرائح مختلفة من تلك الأطياف الوطنية‏,‏ ليس في مصر وحدها‏,‏ وإنما في العالم العربي الذي توافرت فيه فرص ومناسبات عديدة‏,‏ أتاحت لي ولغيري إمكانية اجراء ذلك التواصل في مشرق العالم العربي ومغربه‏.‏

‏(2)‏
إذا سألتني عن أهم قسمات عام‏2004‏ فردي ان العلامة الأبرز لذلك العام تتمثل في تقدم طوابير المهزومين وارتفاع أصواتهم بشكل صريح وفج‏,‏ وعلي نحو غير مسبوق‏,‏ أدري أن هؤلاء موجودون في كل مجتمع وكل زمان‏,‏ لكنني أزعم أنهم في العالم العربي ـ خلال نصف القرن الأخير ـ كانوا يتوارون أحيانا‏,‏ ويتحدثون بلغة ملفوفة وغير مباشرة في أحيان أخري‏,‏ وكانت الظروف تفرض عليهم طول الوقت الالتزام بحدود الاحتشام وممارسة مايمكن أن نسميه بالحياء الوطني‏.‏
هذه الصورة اختلفت ـ أو انقلبت ـ تماما خلال العام الذي نودعه‏,‏ فالمهزومون كشفوا الأقنعة‏,‏ وتخلوا عن الحياء والاحتشام‏,‏ وأصبحوا يتحدثون بوجه مكشوف وبصراحة مدهشة‏,‏ وبالتالي فإن ترويجهم للهزيمة ودفاعهم عن الاستسلام والانبطاح‏,‏ أصبح جزءا من أدبيات المرحلة‏,‏ وهم لم يكتفوا بذلك‏,‏ وإنما انتقلوا من التسويغ والتبرير إلي الهجوم الشرس علي مختلف القيم النبيلة في مجتمعاتنا‏,‏ وأهم الثوابت التي يقوم عليها بناء الأمة‏,‏ هكذا جهارا نهارا‏,‏

خلال كتابات عدة نشرت في الأسابيع التي خلت أشرت إلي نماذج لهذا اللامعقول الذي طفا علي سطح العام من حيث لانحتسب‏,‏ ولكن لا بأس من التذكير ببعض الرسائل التي تمثل فعلا فاضحا من الناحية السياسية‏,‏ التي جري بثها خلال العام‏.‏
من كان يتصور مثلا أن يجري الدفاع عن الاحتلال الأمريكي لبلد عربي بالكامل مثل العراق‏,‏ وبأن يوصف ذلك الاحتلال بأنه تحرير؟ ومن كان يتصور أن يجرؤ نفر من العرب علي هجاء المقاومة الوطنية‏,‏ وأن تعلو بعض الأصوات متهمة إياها بأنها ارهاب‏,‏ ومدعية بأن المقاومين ليسوا سوي إرهابيين حينا و حربجية في حين آخر؟ ومن كان يتخيل يوما ما ان تدبج بعض المقالات في الكيد والازدراء بما سماه أحدهم إمارة حماس وأن يجري التطاول علي هيئة علماء المسلمين في العراق‏,‏ بحيث يوصفون بأنهم هيئة علماء الخاطفين؟ ومن يصدق أن يقول قائل في مصر ـ أكرر في مصر ـ أن أهم بلدين في علاقاتها الخارجية هما الولايات المتحدة وإسرائيل‏,‏ أو يقول إننا يجب ألا نسمح أبدا للعلاقات العربية أن تؤثر سلبا علي العلاقات مع إسرائيل‏(‏ في دعوة غريبة لرفع شعار إسرائيل أولا‏)‏ ـ أو أن يدعو داع إلي ضرورة التخلص من النظر بشكل سلبي إلي اسرائيل ولأي علاقة معها؟ ـ ومن كان يصدق ان يطرح للمناقشة مبدأ الاستعانة بالأمريكيين لاحداث التغيير الذي ننشده إذا عجزنا عنه‏,‏ في استهبال مريب‏,‏ يريد لنا أن نقتنع بأن الولايات المتحدة أصبحت منظمة خيرية مشغولة بإغاثة المقهورين وتطييب خواطر المعذبين‏.‏

حتي ثوابت الأمة‏,‏ وعلي رأسها الانتماء إلي العروبة والإسلام‏,‏ لم تسلم من الهجاء‏,‏ والازدراء‏,‏ ممن أرادوا تجريح كل عناصر العافية والانقضاض عليها‏,‏ احتماء بشعار حرية الرأي والاجتهاد‏,‏ إذ أراد المهزومون لموالاة أعداء الأمة وللعمالة أن تكون مجرد وجهة نظر واجتهاد مخالف لما يجري التعارف عليه‏,‏ وهو ذات المنطق الذي يسوغ الدعارة بحسبانها وجهة نظر مغايرة في المسألة الأخلاقية‏.‏
منقول من كتابات فهمى هويدى(جريدة الاهرام)

التوقيع

حافية القدمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس