لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- اسامة بن محمد بن عوض بن لادن - حفظه الله ورعاه ....
بسم الله الرحمن الرحيم
نتابع في سيرة شيخ المجاهدين ابا عبد الله اسامة بن لادن حفظه الله :
بن لادن الغنى ...
يتحدث الكثير عن بن لادن كما لو كان ذا شأن بسبب المال وحسب. لا شك أن المال أعطاه تميزا ولا شك أن تضحيته وعطائه من جهة المال كان لها دور في شهرته لكن ذلك ينبغي أن يوضع في سياقه الصحيح. وذلك لأن الذين بذلوا المال في وجوه الخير كثير بل هناك من بذل أكثر مما بذل بن لادن. وجاء تميز بن لادن أن جعل الأصل في حياته الجهاد والنشاط المالي فرع ومسخر لخدمة الجهاد وكل ما نتج من النشاط المالي من نفوذ وعلاقات وقوة فهو لخدمة الجهاد وهذا ما لم يستطع غيره من أهل الغير الذين يبذلون لخدمة الإسلام بل حتى لخدمة الأغراض الجهادية.
كيف يستثمر ؟
قبل أن يغادر بن لادن المملكة مغادرة نهائية كان نشاطه المالي نسخة من نشاط إخوانه سواء كان ذلك في المقاولات أو في التجارة أو الصناعة. وإضافة لشراكته في الشركة الرئيسية فقد كان لأسامة نشاطاته المنفصلة حتى عندما كان في المملكة. لكن أسامة تميز عن إخوانه في نشاطاته المستقلة بالمحافظة على سياسة محددة في نشاطه المالي. كان هدفه من هذا الالتزام هو ضمان الصبغة الإسلامية لهذا النشاط وصفة الحلال للمال.
سياساته المالية
من ضمن هذه السياسات أنه كان يرفض مطلقا الاستثمار في بلد غير إسلامي إلا إذا كان ذلك مما لا مفر منه كأن يكون البلد الإسلامي لا يوصل إليه في القنوات المالية إلا من خلال بلد غير إسلامي. ومن ضمن هذه السياسات بالطبع تحاشي أي نشاط فيه شبهة ربا ولذلك كان يتجنب الاستثمار في البورصة والأسهم الغربية لأنه يعتقد أن المستثمر لا يمكن أن يضمن أن تلوثها بالربا بسبب وضع الأموال في بنوك ربوية واختلاط الأرباح بالفائدة. ومن ضمن سياساته أنه يحب الإشراف بنفسه على معظم النشاط المالي رغم أمانة الذين يعملون معه. ومن سياساته الحرص على استشارة العلماء وطلبة العلم في كل النشاطات المالية تجنبا للوقوع في موانع شرعية خفية.
ثلاث صدمات
تعرض أسامة من الناحية المالية لثلاث صدمات أثرت على نشاطه المالي بشكل كبير.
الصدمة الأولى هي قرار الحكومة السعودية تجميد أمواله المعروفة المنقولة منها والثابتة وذلك بعد أن علمت أن لا أمل في رجوعه بعد الخروج الأخير. وقيمة هذه الأموال تتراوح بين 200 إلى 300 مليون دولار عند التجميد حيث وضعت تحت سيطرة جهات رسمية . هذه القيمة هي التي ترددها كثير من وسائل الأعلام حين تتحدث عن بن لادن وتذكر قيمة أملاكه أما الأموال التي تحت تصرفه حاليا فقضية أخرى.
الصدمة الثانية جاءت من عجز الحكومة السودانية من دفع تكاليف المشاريع التي نفذها أسامة والتي كان أشهرها طريق التحدي الذي يربط بورسودان بالخرطوم. ويعتقد أن بن لادن لم يستطع استخلاص أكثر من 10% من الأموال التي يطالب بها الحكومة السودانية والتي ربما تجاوزت 200 مليون دولار.
الصدمة الثالثة جاءت من اضطراره للتخلص من عدد من الشركات التي تسرب خبرها للحكومة السعودية وإقفالها.
هذا كله قبل أن يدخل في مرحلة الصراع المكشوف مع أمريكا وليس غريبا أن تكون ظروفه الآن تتعارض مع نجاح أي نشاط اقتصادي.
أموال مشتبكة
لكن القضية لا تنتهي هنا لأن الوضع الاجتماعي والسياسي في المملكة معقد ومتشابك بطريقة تجعل هذه الصدمات غير كافية لخنق أسامة ماليا. ولهذه القضية تفصيل ليس من الحكمة أن يطرح لأنه قد يحرج بعض الناس لكن من أجل تقريب الفكرة يمكننا القول أن ريالا محسوبا على الملك فهد أو الأمير سلطان من الممكن أن يجد طريقه لابن لادن رغما عن الملك فهد والأمير سلطان والذكي يفهمها.
لا يسعد الخصوم
غير أن مشكلة بن لادن المالية بالنسبة لخصومه لا تقف عند هذه الصدمات، بل لا تقف أصلا عند قدراته المالية الذاتية وربما لا تعتمد على وضعه المالي وذلك لسببين رئيسيين ، السبب الأول أن بن لادن رغم كرمه وبذله لم تكن أمواله الشخصية المصدر الرئيسي في تمويل النشاط الجهادي الذي كان يتبناه بل كانت ثقة المحسنين به كبيرة جدا وكانوا يعطونه بلا تردد حتى كان بعضهم يعطي عشرات الملايين . السبب الثاني ويعرفه ما يسمى بـ"خبراء الإرهاب" أن العمليات التي تسمى إرهابية لا تكلف كثيرا إذا توفر لها أصحاب القناعات ، فهؤلاء الأشخاص ليسوا مرتزقة يأخذون المقابل تجاه عملياتهم وكل ما تحتاجه العمليات جودة في التخطيط والتدريب. أما قيمة السلاح والأدوات والمتفجرات فليست بالملايين خاصة في بعض المناطق العربية. في اليمن مثلا يكلف الآر بي جي أقل من تكلفة جهاز التلفاز وفي الصومال يكلف التي آ ن تي أقل من تكلفة السكر ، فالقضية ليست قضية تكاليف بقدر ما هي قضية تبني واستعداد . . وهكذا فحديث الأمريكان عن متابعة حركة أموال بن لادن بالكمبيوتر والإنترنت والأقمار الصناعية تنبئ عن عجز واستغفال لمن لا يعلم فهذا الكلام كله هراء.
العلاقة مع باكستان
يحظى بن لادن باحترام كبير في أوساط الباكستانيين العاديين وفي أوساط الجيش الباكستاني وعدد كبير من علماء باكستان، لكنه لم يقم أي علاقة مع جهات باكستانية رسمية وكان على وعي تام أنهم متفاهمين مع الأمريكان والسعوديين وأن العلاقة معهم لن تأتي بخير. لكن احترامه عند الجيش والعلماء نفعه كثيرا سواء أيام الجهاد أو الآن، وذلك لأن الجيش الباكستاني مؤسسة يلعب فيها الدين دورا مهما وفيها عدد من القيادات المتعاطفة مع قضايا الجهاد. ويمكن القول أن هذا الاحترام أمن لابن لادن دعما غير مباشر في عدة مراحل سواء من جهة المعلومات أو من جهة دعم لوجستي .
العلاقة مع الأفغان
أحب أسامة الشعب الأفغاني وأعجبه فيه كثير من الصفات وتمنى لو استطاع المساهمة في تخفيف الجهل والفقر الذي يعاني منه الشعب الأفغاني. ولا ينكر أسامة تفشي البدع والخرافات وطغيان بعض العادات القبلية على الدين لكنه يعتقد أن في المجتمع الأفغاني مزايا تغطي هذه المساوئ، ويعتقد كذلك أن إصلاح هذا المشاكل لا يتم بإنكارها المباشر بل هي بحاجة لمشروع شامل لن يتم إلا على مدى أجيال. أما بالنسبة للأفغان كجماعات فقد كان أسامة يحرص بشدة أن لا يصنف مع أي مجموعة حتى لا يخسر المجموعات الأخرى، وسعى مع الشيخ عبد الله عزام للصلح بين المجموعات ومحاولة توحيدها كما سعى لإصلاح ذات البين بعد تفجر الخلافات عند سقوط الشيوعية ولم يفلح فقرر مغادرة أفغانستان. عندما عاد إلى أفغانستان وقبل أن يصبح تحت حماة طالبان استمر على موقفه وأرسل إلى كل الفرق التي بقيت هناك انه ليس مع طرف ضد الآخر واستلم طمأنة من تلك الفرق أنه سيكون محميا أينما حل وأينما ارتحل وهذا فعلا كان موقف كل الجماعات. ومن يعرفه من الشعب الأفغاني فهم ينظرون له مستوجبا للحب من جهتين، كونه عربي أتى من بلاد الحجاز بلاد الحرمين، وكونه ترك الغنى والترف من أجل أن يجاهد عدوهم معهم.
العلاقة مع طالبان
بعد استيلاء الطالبان تغيرت المعادلة لأن معظم أفغانستان أصبح مع طالبان، لكن مع ذلك تريث بن لادن ولم يتخذ قرارا بتغيير سياسته والوقوف مع طالبان حتى اطمأن إلى سياستهم وتوجههم وتيقن أن مشروعهم هو تطبيق الشرع في أفغانستان وأنهم لم يصابوا بما أصيبت به الأحزاب الأخرى وزعاماتها من حب السيطرة المجردة والاستعداد لحرق البلد من اجل التنافس على الحكم وإهمال تطبيق الإسلام. في بداية الأمر كان الطالبان داعمين له على طول الخط فرحين بإرث ضيافته ممن كان يسيطر على جلال آباد قبلهم. ورغم أن دعم طالبان لابن لادن قائم على أساس مبدئي ألا أن عوامل إضافية دخلت في المعادلة ساعدت على توثيق العلاقة. أحد هذه العوامل دور جماعة بن لادن في إنقاذ كابل مرتين تقريبا من هجوم أحمد شاه مسعود بعد انكشاف أحد الجبهات. عامل آخر كان دوره في إقناع عدد من الشباب العرب المتخصصين بتقديم المشورة لطالبان بشأن برنامجهم لإعادة إعمار البلد. وكذلك كان لابن لادن دور في تنبيه الطالبان أن لا يستغفلوا من قبل شركات الغاز التي كانت تريد مد الأنابيب من آسيا الوسطى للمحيط الهندي عبر أفغانستان وباكستان ومساعدتهم في جلب نماذج لعقود عالمية من هذا النوع. كان الطالبان مؤيدين له حتى بفكرة إخراج القوات الكافرة من جزيرة العرب واستمر هذا موقفهم كما أوردنا في تفصيل الجانب التاريخي حتى إعلان الجبهة العالمية حيث بدأوا يتحفظون على أعماله وخاصة نشاطه الإعلامي الذي يضعهم عادة في حرج شديد. لكن تحفظهم عليه لم يعن أبدا أي استعداد لتسليمه لأي جهة أخرى. وينطلق طالبان في رفض عملية التسليم من منطلقين، الأول عقدي وهو عدم جواز تسليم أي مسلم للكافر مهما كان فضلا عن أن يكون مجاهدا، والثاني أن طالبان من أشد الأفغان تمسكا بالشهامة والمروءة ويعتبرون حماية الضيف مهمة لا يمكن التخلي عنها حتى لو قتل المضيف، وهذا ما قاله الشيخ يونس خالص للسفير السعودي أنه لو لجأ لبيته حيوان لم يكن ليسلمه فكيف بمجاهد ترك بلده وماله من أجل الجهاد.
العلاقة مع الجماعات الإسلامية
لم ينتم أسامة لأي جماعة إسلامية وربما كان له علاقات قوية مع بعض الشخصيات المحسوبة على بعض الجماعات لكن لم يكن هناك انتماء. وحاول أسامة المحافظة على علاقة احترام جيد لهذه الجماعات وحافظ على سياسة عدم الحديث عنها أو انتقادها اللهم إلا في دوائر خاصة وفي سياق أكاديمي منهجي لا في سياق التشهير والسب. ورغم احترام الجماعات الإسلامية لأسامة شخصيا فقد كانت تتعامل معه بحذر ليس تحفظا عليه بل خوفا من النشاط المخابراتي العربي المحيط به. لكن موقف الجماعات الإسلامية تغير بالطبع مع تغير الأحداث خاصة بعد أن ربط اسم أسامة بحادثي كينيا وتنزانيا.