|
ثمن النجاح -- قصة قصيرة
اه ما اتعس حظى وقدرى السيئ .. لم اتجاوز الحادية والعشرون من عمرى بعد واصبحت مطلقة , وبلاشك اقاربى وصديقاتى لن يرحمونى بنظراتهم الخبيثة التى تحمل العديد من الاسئلة ... متى نتجاوز هذه العادات القبيحة والمتمثلة فى معرفة ادق تفاصيل الاخرين ....
ولم اسلم من نظرات والداى واخوتى ايضا فقد اصبحوا ينظروا لى وكأن الطلاق جعلنى مخلوقا اخر مسلوب الارادة ... ولسان حالهم يقول سوف يأتى طليقها راشد ويسوى الامر ويعيدها لعش الزوجية مرة اخرى ويريحهم من هذا الهم الثقيل ... لكنهم لا يعلمون لو خيرت بين راشد وجهنم لاخترت جهنم دون تردد ....
انسام هى البنت الثانية لاسرة متوسطة الحال مكونة من بنتين وولدين.. طولها فارع .. صفراء اللون .. لها وجه ملائكى لا يستطيع اى انسان النظر اليها مرتين من شدة جمالها ووجها المشرق دوما .. ومن عناصر جاذبيتها انها تتميز بصوت ناعم وعذب وتخرج الكلمات من فمها كالموسيقى ... وكما قال الاديب الفرنسى بلزاك ( ان الروح تمر كليا عبر الصوت , فالصوت الجميل يفتن الاصم ) ..
لكنها كغيرها لم تكن محظوظة ابدا فى زواجها .. فهى تزوجت فى سن مبكرة دون ان تكمل سنتها الاخيرة بالجامعة ... والاهل عادة يستعجلون زواج البنات دون تأنى ومعرفة تامة بالعريس فكأنهم يودون التخلص من بناتهم بأى شكل ..... وعادة ما تنتهى تلك الزيجات بالطلاق فى فترة وجيزة لاستحالة الحياة بين الطرفين نتيجة عدم التفاهم التام قبل الزواج ...
بعد فترة من تجاوز تلك التجربة التى مرت بها انسام قررت العودة لاكمال سنتها الاخيرة بكلية القانون ... وتلحق ما فاتها من مقررات وبحوث , تعاطفن معها صديقاتها ومدوا لها كل ما يمكن تقديمه من نصائح ومقررات .... وسوت موضوع بحثها مع استاذ بعد ان تفهم اسبابها ... وتبقى لها بحث فى مادة القانون الدولى انتهى موعد تسليمه منذ يومين ..... ونصحوها بالذهاب للاستاذ وشرح الموقف له ... ذهبت لكنها لم تكن مطمئنة البال ابدا ...
وحين وصلت عند مكتبه .. وطلبت منه اعطائها مهلة اضافية ... قال لها :
-- وما هى تلك الظروف التى تمنع واحدة حلوة مثلك من المواظبة وتأخير تسليم البحث ؟
-- لم احضر هنا حتى اناقش ظروفى الخاصة ... هل يمكن ان تمهلنى مدة اخرى ام لا ؟؟
-- بسيطة .. لاعليك كل شئ بثمنه وانتى كلك نظر .. وبعدها بديك درجة عالية دون ان تكتبى البحث نفسه ..
-- لم افهم ماذا تقصد تحديدا يا دكتور ؟؟
-- هل مازلت عذراء ام ؟؟؟؟
هذا اذن ما يقصده هذا الذئب البشرى القذر ... فهو يساومنى على ان يقبض الثمن من جسدى .. كلماته واضحة وكأنه يفاوض فتاة ليل ... اى انسان وضيع يا ( ديك تور ) اين ضاعت كلماتك عن الاخلاق والقيم والمبادئ و ... الخ ...
انسام كانت ذكية فحتى تعرى هذا الدكتور امام الجميع طلبت منه مهلة للتفكير ... وفى اللقاء الثانى سجلت كل المحادثة وجرته لذكر كل كلامه بان يعطيها درجات مقابل قضاء وقت حميمى معها ... ولكن حين ذهبت لمدير الجامعة لتبلغ شكواها ضد الاستاذ صدمت بكلماته :
-- انا لا اسمح بتشويه سمعة الجامعة ... فسمعة الاستاذ من سمعة الجامعة ...
تعجبت من اسلوبه الضحل لحل المشكلة .. وكان عليه تقديم الاستاذ للجنة تحقيق .. لكننا يبدو اننا لن نستطيع التخلص من هيمنة المجتمع الذكورى الطاغى حتى داخل اسوار الجامعة ....انسام رفضت الانكسار والخضوع ومثلما يقال :
ياروح ما بعدك روح ... ورفعت شكواها لجهات عليا وبعد اسابيع اعلن فصل الاستاذ نهائيا من الجامعة وحرمانه من التدريس فى جميع الجامعات الوطنية .....
وتنفست انسام الصعداء بانتصارها لبنات جيلها ... اراد لها الكثيرون ان تسكت وتمشى الموضوع .. لكنها قررت ما يمليه ضميرها عليها فى زمن ماتت فيه الضمائر والقيم والاخلاق ....
واكملت انسام دراستها الجامعية بتفوق ... رغم النكسات التى واجهتها فى حياتها الماضية الا انه يحدوها الامل بمستقبل زاهر ومشرق ............
( انتهت )
|