عرض مشاركة واحدة
قديم 11-09-2006, 10:58   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
Garcia
عضو متواصل
 
إحصائية العضو








Garcia غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
Garcia is on a distinguished road

 

 

شمس يوم جديد - قصة قصيرة


استيقظ فيصل مبكرا من النوم بعد ان مرت عليه ...ليلة طويلة وغير مالوفة لديه فهو لفترة لم يعتاد النوم على سرير مريح , فقد خرج لتوه من فترة مريرة استمرت حوالى العامين ...قضاها بين بيوت الاشباح وسجن كوبر ... لقد كان فيصل من احد النشطاء السياسيين وسجناء الرأى الذين ... تعرضوا لفترة اعتقالات وتعذيب قاسية جدا , وقد دفع كثيرون غيره حياتهم ثمنا لحرية الاخرين ... اما الذين خرجوا من المعتقلات احياء فما زالوا يعانون من الذكريات القاسية والمؤلمة .... والاحلام والكوابيس المزعجة التى ظلت تطاردهم اينما ذهبوا رغم انقضاء تلك السنوات ... وهذا هوحال العسكر حين يستولون على السلطة بانقلاب , تمر معظمها بأحداث دموية بشعة... يبطشون بالمعارضين حتى يسكتوا ويخيفوا الاخرين ,, وحتى لا تفكر اى فيئة اخرى بقلب نظام الحكم عليهم ... درس فيصل القانون فى دمشق فى اواخر السبعينيات ... وفى اثناء الدراسة انضم لاحدى حركات المقاومة الفلسطينية بل و قطع دراسته وتوجه الى لبنان وقضى ستة اشهر ... لكنه عاد بعد ان رأى كثير من الخروقات والانتهاكات التى سلكها عدد .. كبير من الرفاق فى الحركة بحجة ان اى شئ مبرر زمن الحرب ... كانوا يسلبون التجار ويأخذون اى شى دون مقابل ويروعون الاهالى العزل الذين لا حول لهم ولا قوة .. كان على التركى صديق فيصل طيلة فترة الدراسة .. سكنوا سويا فى غرفة واحدة فقد كان .. على ماهر جدا فى العزف على العود ومولع بالموسيقى اشد ولع ... وفيصل مهووس بالات النفخ منذ الطفولة ويجيد العزف على الفلوت - الكلارنيت - الساكس - والهارمونيكا فهى اول الة تعلم عليها العزف وهو فى الثالثة من عمره ... وكونوا ثنائى موسيقى جميل قدموا عدد من الاعمال المشتركة على مسرح الطلاب بجامعة دمشق ... ويتذكر فيصل النقاشات والاحاديث عن اشعار ناظم حكمت التى يحفظها صديقه على ظهر القلب .. ودراسته للعديد من كتب الموسيقى قال مرة لفيصل : ( ان اهم شئ لفهم قطعة موسيقية هو المخيلة السمعية المتطورة عن وعى, وهذه يمكن ان يتمتع بها اى انسان يملك حسا موسيقيا مرهف ) ... تعلم فيصل مبادئ العزف على العود من صديقه فى فترة وجيزة .... الا انه كان يعتبر آلة الكمان اكثر الالات كمالا بقوامها , الانثوى الجذاب ومواصفاتها الصوتية المذهلة ... بالرغم من ان فيصل طليق حر الا انه يشعر بنفسه فى المعتقل .. لا يزال يذكر الايام المظلمة و المعتمة وتذكر زملاؤه الذين .. مازال باقيهم داخل المعتقلات يتجرعون الذل والالام وسؤ المعاملة .. تذكر اول ليلة له فى المعتقل بعد ان قام بضربه ستة اشخاص فى مكاتب الامن وقادوه وهو مغمى عليه ورموه مثل الكيس .. وقالوا للمعتقلين هذا ضيف جديد رحبوا به .... فى صباح اليوم الثانى بعد ان فاق قليلا من شدة التعذيب وحفلة الاستقبال ... وجد امامه رجل كبير فى مقام والده وعرف كلاهما نفسه للتانى فيصل/ دياب ... قال لفيصل : اسهل شئ فى هذا المعتقل الخضوع والاستسلام لهؤلا الخثيان والجلادين ... واصعب شئ المقاومة والصمود فى وجههم واحتقارهم ... ولو تعرضت للتعذيب مرة اخرى سلمهم جسدك لكن لا تسلمهم احلامك و افكارك وانى اراك شاب قوى وصنديد فلا تخيب نظرتى فيك ابدا ..... نزلت دموع من عيون فيصل حين تذكر تلك الليلة التى مات فيها عم دياب ... والالم الذى اصابه قبل ذلك التهاب كلوى حادولم تهتم به .. الادارة وهو كان يعلم انهم سيتجاهلوه حتى يموت تدريجيا ... بكى فيصل عليه كما لو كان ذلك الشخص والده ... تذكر فيصل حديث عم دياب الطويل له قبل ساعات من رحيله ... حكى له تفاصيل كثيرة عن حياته وعن اسرته الذين لم يعرفوا اين هو لاكثر من خمسة سنوات ... سأل فيصل نفسه هل الانسان حين يدنو اجله يشعر به ؟؟؟ لن انسى نظرته الاخيرة لى فكأنه يقول لى : احكى كل الذى دار بيننا لاسرتى .. ولا تقلق لن ازعجك اكثر من ذلك فانا مفارق الحياة قريبا جدا ... لاحظ افراد اسرة فيصل انه اصبح هادئ جدا ونادرا ما يتكلم .. لكنهم احترموا صمته ذلك وخاصة فى الايام الاولى من خروجه فليس سهلا ان يندمج مع اسرته بين ليلة وضحاها ... وانه يحتاج لفترة حتى يعود ذلك الشخص الذى عرفوه ... جاء اليه صديقه اسماعيل الذى تجمعه به ذكريات طفولة ودراسة ... حكى لفيصل اهم احداث الحى فى طيلة فترة اعتقاله ... حسده فيصل على ذاكرته القوية وهمه الرايق ... اسماعيل : اسمع يا فيصل آخر واطرف موقف حدث فى الحى منذ اسبوعين ... يوسف الزين ورحلته الشاقة للبحث على شريكة الحياة وحظه العاثر وطبعا لسة فى شتارتو ديك ... المهم قبل اسبوعن كان على موعد لخطبة بنت من الخرطوم ويبدو انه تعرف عليها فى اثناء قدومها لشراء اغراض من دكانه مع والدتها ... وكالعادة اصطحب معه عم توفيق الذى لديه كلمة جاهزة عن ودالزين .. يحفظها مثل اسمه تماما وعند وصولهم رحب بهم خير ترحيب ... ووضعوا هديتهم فى التربيزة والد البنت استاذ جامعى مرموق ... وشكله يود انهاء الحديث بسرعة حتى يعود لكتبه و مكتبته ... بداء عم توفيق الحديث بثبات معهود... وعرج على كلمته الشهيرة عن ودالزين باسلوب خبير .. والد البنت يهز برأسه ولم يعلق ... بعدها قدم لهم الشاى والبسكويت .... نظر ود الزين الى طقم الشاى ( وياريته لولم يتكلم ابدا ) وقال : - طقم الشاى دة جميل جدا ... عندى منو فى المحل بتاعى ... نظر له والد البنت مندهشا وقال مخاطبا ودالزين لاول مرة ( وآخر مرة ) : لو سمحت شيل هديتك دى واطلع برة من هنا .. ما عندنا بنات للخطبة ولا للزواج .... ضحك فيصل حتى دمعت عيناه .. فهو لم يضحك منذ مدة بعيدة .. وتخيل شكل ذلك الموقف العجيب جدا ... فيصل : تعرف يا سمعة مغامرات ودالزين دى لازم توثق .. فهى متنوعة وكل مرة شكل جديد .... شعرت اسرة فيصل بتغيير بسيط للاحسن وخاصة بعد زيارات صديقه اسماعيل المتكررة , وطلبوا منه ان يروح عن نفسه قليلا بالخروج لزيارة الاصدقاء او الذهاب لاى مكان يروق له ... فى اثناء ذلك تلقى فيصل رسالة قصيرة من خطيبته تقول فيها : ( حبيبى فيصل ... علمت بخبر الافراج عنك اول امس وفرحتى لا يحدها حدود , لو كنت اعلم انهم سيطلقوا سراحك لما غادرت الوطن ولو بيدى لعدت اليوم قبل غدا ... نحن بخير وسنذهب غدا الى الاسكندرية لزيارة شقيقتى هناك .. وسنعود الى الخرطوم الاسبوع المقبل .. خلى بالك على نفسك حتى اعود ... حبيتتك ابدا ) ... طوى الرسالة ووضعها فى منتصف كتاب .. عند اول بزوغ الفجر وقبل شروق الشمس بنصف ساعة .. نهض فيصل وذهب الى الحمام ونظر الى وجهه مسافة طويلة فى المرآه .. كأنه ينظر لشخص آخر ... هل هذا انا ؟؟؟ مرر يديه على وجهه حتى يتأكد انه هو ... قال لنفسه ما اقسى الا ينظر الانسان لوجهه قرابة العامين ... , منزلهم يقع بالقرب من البحر ... خرج فيصل لاول مرة بعد خروجه من المعتقل و منذ ان كان صغيرا كان يحب مشاهدة شروق الشمس وهو جالس على ضفاف النيل .. وكان ذلك المشهد يمثل له قمة الروعة.. وخاصة انه حرم منه لمدة طويلة .. جلس عند حافة البحر وعلى النجيلة الخضراء وهو يقذف بالحجارة الى وسط البحر .. وهو يتحدث مع نفسه لن اشكى لاى انسان عذاباتى الداخلية .. ولن تنهزم إرادتى الا بالموت وما اريده الفترة القادمة هو , مزيد من العزلة والصمت اريد ان استعيد نفسى والملم جراحى شيا فشيئا ... فيصل كان ذو شخصية عنيدة وصارمة ... ويعتبر النضال من اجل كسب الحريات والقضايا العادلة هو هاجسه الاوحد ... قال لنفسه يجب ان اطلع الرفاق وجماعات حقوق الانسان... باوضاع السجون المزرية وان اواصل نشاطى السياسى من جديد .. فهذا افضل شئ حتى اخرج من حالتى هذه .. تذكر نصيحة الدكتور فالى الى رجب فى رواية ( شرق المتوسط ) :- ( اريدك ان تكون حاقدا وانت تحارب ... الحقد هو احسن المعلمين , يجب ان تحول احزانك الى احقاد وبهذه الطريقة وحدها يمكن ان تنتصر ... اما إذا إستسلمت للحزن فسوف تهزم وتنتهى كأنسان ... وتنتهى كقضية ... ) نهض فيصل ووقف على طوله ... وصرخ بأعلى صوته كأنه يخاطب البحر :
- لا لن استسلم .... لن استسلم .... لن استسلم ...

( انتهت )
Garcia غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس