|
مشاركة: رجال على مدى التأريخ
اسامة بن لادن
اتهامات أمريكا ضد "بن لادن" قبل 11 سبتمبر
تتهم أمريكا "بن لادن" بلائحة اتهامات طويلة منها:
- التآمر على قتل جنود أمريكيين كانوا في اليمن في طريقهم إلى الصومال عام 1992م.
- الضلوع في عمليات ضد القوات الأمريكية في الصومال عام 1993م.
- اتهام شبكته بتفجير قنبلة في مرآب مبنى التجارة العالمي بأمريكا عام 1993، وهو ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص.
- قيام شبكة "بن لادن" بمعاونة مصريين متهمين بمحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا بأثيوبيا عام 1995م، والذين قتلوا عشرات السياح في مصر في السنوات التالية.
- قيام جماعة الجهاد الإسلامي المصرية، التي لها علاقة بشبكة "بن لادن"، بتفجير السفارة المصرية في باكستان عام 1995م، وقتل ما يزيد عن 20 شخصا.
- قيام أتباع "بن لادن" بتفجير مبنى الجنود الأمريكيين في الرياض عام 1996م، الذي أسفر عن قتل 19، وإصابة 372 من الأمريكيين.
- إصدار إعلان الحرب على الولايات المتحدة عام 1996م.
- تصريح "بن لادن" عام 1998م: "لو استطاع أحد قتل أي جندي أمريكي، فهو خير له من تضييع الوقت في أمور أخرى".
- إعلان الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين التابعة لشبكة "بن لادن" في فبراير 1998م عن نيتها عن مهاجمة الأمريكان وحلفائهم، بما في ذلك المدنيون، في أي مكان في العالم.
- تصريح أسامة بن لادن في مؤتمر صحفي في أفغانستان في مايو 1998م بأن نتائج تهديداته ستظهر "في غضون أسابيع قليلة".
- اتهام "بن لادن" بتدبير تفجيري سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا 1998، وهو ما أسفر عن سقوط 224 قتيلا وأربعة آلاف جريح.
- اشتباه في تورط شبكته في تفجير السفينة الحربية الأمريكية "كول" في اليمن في أكتوبر 2000م، وهو ما أسفر عن مقتل 17 بحارا أمريكيا، وإصابة 39 آخرين.
بن لادن.. ونموذج التغيير من فوهة بندقية
شئنا أم أبينا، فإن بن لادن أصبح أسطورة بلا شك؛ فمن إندونيسيا التي ترفع فيها الفتيات صورة بن لادن، ويطبعْنها على ملابسهن، وقد كُتب عليها: "بطلي" أو "فتى أحلامي"، إلى العواصم العربية كلها، حتى أشدها قمعًا وفتكًا بالحريات مثل تونس التي يتداول فيها طلاب المدارس الصغار سرًا صور "بن لادن" وأخباره، إلى أحياء القاهرة الشعبية التي شاع في أفراحها موسيقى الفيلم الأمريكي "الفكّ المفترس"، وباتت تعزف تحت شعار "سلام لـبن لادن"، والمواليد الثلاثين في اليمن الذين حملوا اسم أسامة في الآونة الأخيرة.
وإذا تفهمنا هذه الصور في دول عربية وإسلامية لها احتكاك وشأن بالأحداث؛ فكيف يمكن أن نتفهم ما قالته "جورجينا فيربان" الممثلة الهولندية ذائعة الصيت، التي تُعد حلمًا للشباب الهولندي حين قالت: "إنه بلحيته الكثيفة يبدو رائعًا، كما أن له عينين ودودتين جدًا.. إنه عمومًا أفضل الغرباء" غير عابئة بما يمكن أن ينجم عن هذا الرأي من مشاكل؛ لأنها تشجع الإرهاب بهذه التصريحات، كما اتهمها البعض. وهذا الفليبيني الذي سمَّى ابنه "أسامة بن لادن" لشدة كراهيته لأمريكا، بل في ليبيريا التي لا يتعدى مسلموها خُمس عدد السكان، اضطُّرت الحكومة فيها إلى تجريم طبع وتوزيع صورة أسامة لما رأته من الحمَّى التي اجتاحت البلاد من طبع هذه الصور وتداولها خاصة بين الشباب.
هذه الأسطورة التي برزت كعملاق راسخ بطريقة فجائية لا بد من التأمل فيها وكيف صنعت… لا شك أن الإدارة الأمريكية السابقة خصوصًا كان لها دور كبير في صناعة هذه الأسطورة بإلحاحها على الرأي العام بها والحديث عنها أكثر مما ينبغي، حتى وصل الأمر بأولبرايت- وزيرة الخارجية السابقة- إلى تعمد تضخيم هذه الهالة من حوله حين صرّحت… "إن بن لادن يمثل خطرًا عظيمًا على الطريقة التي يتحرك بها بقية العالم" (!!)… وهو ما حدا بإدارة (بوش) إلى إصدار قرارات من شأنها محاولة تجنب ذكر أسامة بن لادن في تصريحات المسئولين وأحاديثهم…
وظل هذا "التعامي" حتى ما قبل أحداث سبتمبر، لكن الأكيد أنها بعد الأحداث عمدت إلى تضخيم قدراته وأذرعه حتى وصل بها الزعم أن شبكته (القاعدة) تتغول في أكثر من 50 دولة، وأن أنصاره يفوقون الخمسة آلاف عنصر.. وربما يأتي هذا التضخيم في إطار صناعة عدو يمكن أن تكيل له أمريكا الضربات الموجعة بما يشفي صدور الأمريكيين، ويفرغ شحنة الغضب نحو الأزمة التي يعانون منها… وبما يعطي كذلك مبررًا للضربات الوحشية التي تنفذها وسط استنكار العالم – على ما يبدو من تظاهرات وفعاليات مضادة للحرب-… وبغض النظر عن هذا الاختيار هل هو ذكي أم لا، فإن الإدارة الأمريكية ظنت في وقت ما أن القبض على بن لادن من السهولة بما يحقق أهدافها في صناعة أسطورته…
ويظهر ذلك التضخيم المتعمد في تصريحات "ديك تشيني" أنه يشم رائحة بن لادن في مسألة الجمرة الخبيثة رغم تأكيد عدة جهات في الإدارة الأمريكية على عدم وجود ما يؤكد ارتباط أسامة بالقضية، وكذا إصرار الإعلام الغربي أن بن لادن يمتلك مصانع للأسلحة البيولوجية ومعامل للأسلحة الكيماوية… المذهل في الأمر أنه يبدو أن ثمة تربة صالحة جدًا ومساعدة لاستزراع بذور هذه الأسطورة، فعلى مستوى بن لادن نفسه فهو يتحدث عن نفسه وقوته بما يطابق أو على الأقل لا ينفى هذه الجزئية، فهو يقول ردًا على سؤال حول امتلاكه لهذه الأسلحة: "إن المسلم مطالب بامتلاك أسباب القوى جميعًا… وما دامت إسرائيل تمتلكها فلا علينا إن امتلكناها"… أخذا في الاعتبار توافر فرص شراء هذه الأسلحة في مناطق كثيرة من العالم حولنا…
إذن فهو يهدف إلى تأكيد مثل هذا الزعم ربما أملا في تخويف الغرب وإرهابه، أو رغبة في استثمار ما يدور حوله ظنا منه أن ذلك يخدم قضيته… وهو وإن لم يصرح فإنه يؤكد كل المقدمات التي تؤدي إلى نتيجة واحدة، وفي ذات الوقت فهو يحجم عن التصريح بهذه النتيجة الأكيدة…
"الهوس" اللادني ـ إن جاز التعبير- له ما يبرره في أرض الواقع؛ فالظروف مواتية تمامًا لهذا الأمر.. فالناس… عرب وغيرهم… قد ضجوا من أمريكا…. ومن السيطرة المطلقة والتجبر الذي تمارسه على "الناس" جميعًا عربًا أو صربًا أو كوبيين أو كوريين أو صينيين أو حتى الأوروبيين الذين صعدت أمريكا على أكتافهم ثم لم تعبأ بمشاعرهم حين ركلتهم.
والإحباط عند العرب خصوصًا من حكوماتهم التي لم يعد لها أي وزن لديهم في ظل حالة من "الاستنواق" شديدة الحدة أدت إلى "الاستئساد" الأمريكي الأشد حدة… وبالمقارنة مع أسامة يبدو الأخير مناضلا بحق كما يعبر عن ذلك هذا الشاب الذي قال في إحدى ساحات الحوار: " ألسنا بحاجة إلى ألف مجاهد من هذا الطراز في ظل هذا الانبطاح العربي المخزي أمام أمريكا وإسرائيل…"، وآخر يؤكد: "الكثير من الجنرالات والضباط العرب تحولوا إلى لصوص وحرامية، بينما تحول الثري جدًا أسامة بن لادن إلى مجاهد متخليًا عن حياة العز والرفاهية".
ورغم أن تخلي أسامة عن هذه الحياة يبدو نبيلا ورائعًا حقًا، فإن هذا القفز في أذهان الكثيرين ينتج خلطًا كبيرًا لدى جموع الناس.. فمن الإعجاب بهذا التخلي الذي يشترك فيه الكثيرون وربما كاتب هذه السطور… إلى اعتبار أعمال أسامة "جهادًا"، والأخطر من ذلك أن تتم المفاضلة بين أسامة والحكام العرب… كأنه لم يعد في حياتنا إلا نموذجان فحسب.. متناسين في هذا السياق علماء الأمة ومفكريها وقادتها، ففي الوقت الذي يشعر الناس باليأس من حكامهم والخوف من بطشهم لأنهم يكممون الأفواه ولا يمكن لكثير من الناس أن ينطق، نجد بن لادن يصرح: "إن أمريكا تفرض علينا عملاء لحكمنا غير معتمدين على ما أوصى به الله"، وهو ما يجد هوى لدى الشعوب المخذولة، وهو يعبر بشكل أو بآخر عن كل ما يعتمل في صدور العرب ولا يجدون له متنفسًا ولا سبيلا…
ويرتبط هذا الأمر بما يتعلق بفكرة تسيطر على عقليتنا منذ زمن، وهو ما يمكن أن يعرف بـ "الإرجاء"، وهو انتظار المخلّص أو البطل الذي يأتي فيملأ الدنيا عدلا وسلامًا دون أن يكلفنا نحن "فعلا" معينا أو "إيجابية" ما… ويأخذ هذا المخلص صورًا عدة: "المهدي المنتظر" أو "الإمام الغائب"…. المهم في الأمر أن الناس حين تنتظر المخلِّص؛ فإنها لا تحارب معه ولا تعمل على تهيئة الأرض له… لكنها تنتظر فحسب…
وأسامة من هذه الوجهة قد حمل عبء الجهاد عن الأمة، ووجدت فيه المخلِّص الذي يرفع عنها قعودها وتخلفها عن إحياء هذه الأمة.
وهذه الظاهرة ربما هي التي أشار إليها د. مصطفى حجازي في كتابه "سيكولوجية الإنسان المقهور"؛ حيث يعبر عن القهر باختلاق مرضي للبطل الوهمي تسبغ عليه كل الصفات الغائبة وهو نوع من التماهي الإسقاطي، فإن المقهور يسبغ على شخص الزعيم كل تصوراته الطفلية بالقوة والقدرة وكل مثله العليا، ويجعل منه باختصار الصورة النقيض تمامًا لصورته عن نفسه والذي يجتهد في الهروب منها؛ لأنها نموذج النقص والمهانة، وليس "أسامة" بزعامته وقيادته في أذهان معجبيه إلا صورة أخرى من الملا عمر الذي حول نفسه من أمير إمارة أفغانستان إلى أمير المؤمنين في العالم الذي يدافع عن حقوقهم المهضومة، وهو صورة كذلك لكل الزعماء الذين آمن بهم الناس إلى حد القداسة حتى إذا انكسروا وانهزموا خابت آمالهم فيهم…
فالأمر سرى مع جمال عبد الناصر في مصر وصدمة الناس بالأسطورة التي ستلقي بإسرائيل إلى البحر، حتى إذا جاءت هزيمة 1967، سقط الرمز وفقد جيل كامل في مصر الثقة في نفسه، بل إن "صدام حسين" بكل سوءاته وشروره لا يزال البعض – ومنهم كويتيون بالمناسبة- يرفض تصديق أي شيء غير أنه "بطل" و"مخلص" وهازم الأمريكان وراعب اليهود والصهاينة (!!!).
إن أسامة بن لادن الذي نشأ على التدين السلفي المعتاد… هو الذي تحمس لفكرة الجهاد في أفغانستان، وذهب ليكون من طليعة الأفغان العرب ويأخذ دورًا قياديًا فيهم… وحتى أواخر عام 1989 كان أسامة منضويًا تحت مدرسة الفكر الجهادي الذي توجه بقتاله للعدو الذي يحتل أرضا إسلامية الذي أسهم د: عبد الله عزام في إرساء قواعده وضبط تحركاته على حسب خلفيته المنتمية لمدرسة "الإخوان المسلمين"، وعلى حسب أسامة نفسه: " كنت أتلقى عن الشيخ عبد الله عزام كما يتلقى التلميذ عن شيخه"، وعمل آنذاك على تنظيم حركة المجاهدين العرب ورصد الكشوف والسجلات وغير ذلك من أعمال إدارية…
لكن عقب اغتيال د. عبد الله عزام، بدأ أسامة -كما تؤكد بعض المصادر- في الميل لمدرسة فكرية أخرى ويأتي على رأسها فكر الجهاد المصري والجماعة الإسلامية، خاصة أن عددًا من زعماء الجهاد والجماعة قد استقر بأفغانستان بعد طول فترة هروب، ومنهم "أيمن الظواهري" المطارَد بحكم إعدام صادر بمصر، والمطلوب من أمريكا، والمتهم في عدة قضايا دولية…
وأيمن بالذات أصبح المرجع الفكري لأسامة فهو الخطيب المفوه، والملم بالثقافة الشرعية التي تمكنه من التنظير لهذا الاتجاه، خاصة لسبق تأليفه مجموعة من الكتب؛ فأصبح أيمن بمثابة المرجع الفكري والمنظِّر، وأسامة هو القائد والزعيم الروحي.
منذ ذلك الحين أصبح "أسامة" أكثر وضوحًا في عدائه للغرب كله، وعلى رأسه أمريكا، ونجد أسامة وشبكته قد مرا بمرحلتين: الأولى العداء للأنظمة الحاكمة والتي يحكم الظواهري بكفرها، ومن ثم يجب محاربتها، ثم انتقل بعد هذه المرحلة التي استمرت حتى إعلان "الجبهة العالمية" عام 1998 لمحاربة المصالح الأمريكية ليتوجه العداء للمظالم الأمريكية في العالم الإسلامي، وعلى رأسها –كما أشار أسامة في بيانه الذي نقلته عنه قناة الجزيرة- قضية فلسطين والتواجد الأمريكي في الخليج وفرض حكام مستبدين، وأسامة يجيب حين يسأل لمن توجه حربك قائلا: كل الأمريكان في كل مكان، ولم يستثن المدنيين، مؤكدا أن عدوه "كل من يدفع الضرائب في أمريكا".
إن الفكر الجديد في هذه المرحلة الممتدة إلى الآن يظهر بوضوح في كلمته التي ألقاها عقب التفجيرات حين قال: "إن العالم قد تمايز إلى فسطاطين: كفر وإيمان، وعلى الناس الاختيار"، وهو يصف أمريكا وإنجلترا بـ "قريش التي ألقت فلذات أكبادها"؛ فهذا التفكير الاختزالي الذي يبسّط هذا العالم من حولنا، ويجعله معسكر إيمان يقع فيه أسامة مع اتباعه، ومعسكر كفر ويجمع من لم ينضم إلى المعسكر الأول، فهذه العقلية تلغي من واقع الأمة علماءها ومفكريها وقادتها، وفي نفس الوقت تمحو أي تمايز داخل المجتمع الغربي ومنه أي قوى غربية تعمل من أجل وقف الحرب أو تناصر قضايا المسلمين، وبنفس هذه المنطلقات في التفكير صرّح بن لادن من قبل أن "الفضل في انهيار الاتحاد السوفيتي كان لله ثم للمجاهدين في أفغانستان"، متجاوزًا عن أي أسباب أخرى يرى المحللون أنها أسبق مما ذكره أسامة في العمل على انهيار الاتحاد السوفيتي.
فهذه رؤية مبسطة للعالم تختزله في علاقات غير متشابكة، وتعاملات بسيطة ووضوح تام، فأمريكا: هي مصدر الشرور، فهي ـ حسب قوله: "تحتل بلادنا وتسرق مواردنا، وتفرض علينا عملاء لحكمنا…" فالأمر كله بيد أمريكا ـ من وجهة النظر هذه ـ ونحن مجرد فئران تجارب… وأمريكا كلها قالب واحد لا يتجزأ أو لا تمايزات أو تباينات فيه… والواقع بهذه البساطة وعلى هذا الاختزال، سهل جدًا إزالته وتدميره: "أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد لن تنعم أمريكا ولا من يعيش في أمريكا بالأمن…"، وذلك في البيان الذي ألقاه عقب ضرب أفغانستان…
بقي أن نقول بأن أسامة ليس فريدًا في فكرة الاختزال هذه، فلا نعجب أن علمنا أن "بوش يضارعه تمامًا بل يكاد يكون المعادل الموضوعي له" مع استسماح (ت.س إليوت) الأديب الأمريكي الذي أطلق هذا المصطلح… فإذا كان بن لادن يتحدث عن فسطاطين على العالم أن يختار بينهما، فإن بوش يتحدث عن أن مبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا"، وإذا كان الأول يستدعي رصيد الكراهية لدى المسلمين حين يتحدث عن قريش التي ألقت فلذات أكبادها، فإن "بوش" يستدعي رصيد الكراهية المضادة حين يتكلم عن "حرب صليبية".
وعلى نفس الأمر يمكن فهم ما صرح به بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا الذي لا يرى في الحضارة الإسلامية -على امتداد رقعتها وعظيم أثرها- إلا إنتاجًا للتخلف والرجعية… فهذه الأمور التعميمية التي لا تشغل نفسها برؤية الآخر ومحاولة الفهم والاقتراب، وكل ما يعنيها أن تقفز إلى الحكم عليه واتخاذ موقف منه -لا توجد في جانب واحد وإنما تسيطر على العقليات هنا وهناك…
لكن يبقى أن النموذج الذي يقدمه أسامة لا يمكن أن ينتج "تغييرًا" ما، خاصة أنه لا يقوم على أسس سياسية منطقية؛ فهو يشرع السيف ويرفض أن يرى بندقيته بلا دخان، فتارة يوجه رصاصها إلى الحكام ويعمد إلى إسقاطهم بالقوة، وتارة نحو أمريكا ومصالحها… ويبقى السؤال: أين الكيان الصهيوني من هذه الرصاصات، خاصة أن فلسطين يُزجّ بها في الأمر دون أن يكون لها نصيب واقعي من هذا "الجهاد"؟.
يمكن لهذا النموذج أن يغتال رئيسًا أو وزيرًا أو حتى يغير نظام الحكم في دولة، ولا أتعجب حتى إن نجح في إبادة أمريكا… لكن يبقى نموذجًا هادمًا – حتى وإن هدم الباطل- لم ينشغل بالبناء ولا يضعه في أولوياته ولا يرى له قيمة أصلا، والأخطر أن نتلقى نحن البسطاء هذا الفهم المغلوط… فيكون دعاؤنا اللهم امنن علينا بصلاح الدين من جديد، متغافلين تمامًا عن كيف أعد صلاح الدين الجيل الذي حرر فلسطين؟!
أسامة بن لادن وأسرته
والد أسامة هو المقاول الشهير محمد عوض بن لادن، الذي حضر إلى جدة من حضرموت عام 1930م، ولم تمض سنوات قليلة حتى تحول محمد بن لادن من مجرد حمَّال في ميناء جدة إلى أكبر مقاول إنشاءات في السعودية. تكفَّل عام 1969م بإعادة بناء المسجد الأقصى بعد الحريق الذي تعرّض له، وساهم في التوسعة الأولى للحرمين الشريفين.. ونسجت حول أعمال الأسرة الخيرية العديد من الحكايات التي تحرك الوجدان العربي من مثل أن الأسرة قد قامت بتوسعة المسجد الحرام مقابل ريال واحد فقط؛ طمعًا في الفوز بأجر وثواب الآخرة.
توفِّي الوالد إثر اصطدام طائرته المروحية بجبل الطائف، وعمر أسامة حينها 9 سنوات، وترك محمد بن لادن عند وفاته عام 1968م ثروة تقدر بمئات ملايين الدولارات حسب ما ذكرت "الواشنطن بوست"، وتولَّى ابنه البكر سالم الإشراف عليها إلى أن قُتل عام 1988م، حين تحطمت طائرته الخاصة في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية.
ويقدر نصيب أسامة من ثروة والده بـ 300 مليون دولار حسب المرجع السابق.
غير أن نشاطات أسامة التي تعرفها الولايات المتحدة بأنها إرهابية لم تؤثر ألبتة على أعمال آل بن لادن المزدهرة. رغم أن علاقات الأسرة الاجتماعية به لم تنقطع حتى بعد سحب الجنسية السعودية منه، فقد حضر بعض أفراد العائلة ومن بينهم والدته حفل زفاف أحد أبنائه في معقله الذي نقلته بعض الفضائيات واهتمت به وذلك في يناير1990. ومما يثبت هذه الثقة التي تحظى بها عائلة بن لادن أن مجموعتها نفذت عام 1998م مشروعا لبناء مجمع بكلفة 150 مليون دولار في خرج (جنوب الرياض) لحوالي 4300 عسكري أمريكي متمركزين في السعودية.
ولد أسامة بن لادن في الرياض بالسعودية عام 1957م لأم سورية دمشقية، وله 54 من الأشقاء من والده الذي تزوج أكثر من زوجة، ونشأ أسامة نشأة محافظة، وتزوج وهو ابن 17 عاما من أخواله من الشام، أكمل مراحل دراسته كلها في جدة، وأتم دراسته الجامعية في علم الإدارة العامة والاقتصاد، حيث تخرج في جامعة الملك عبد العزيز.
ورغم أن الصورة الذهنية عن المقاتلين هي اتصافهم بالغلظة والقسوة وعلو الصوت وتجهم الوجه، فإن "بن لادن" على العكس تماما، إذ لم يكن هدوء طبعه الملحوظ في أحاديثه التلفزيونية النادرة التي بين أيدينا مصطنعا للإعلام، بل هذا الهدوء أصل فيه، كما أكد ذلك مدرس بريطاني كان قد درَّس لأسامة بن لادن اللغة الإنجليزية في مدرسة خاصة بالسعودية؛ إذ يقول: "إن أسامة كان تلميذاً هادئا وخجولاً"، وأضاف المدرِّس "بريان فايفيلد شايلر" أن هذا الصبي الذي أصبح أهم الأشخاص المطلوب اعتقالهم في العالم كان يتصرف بشكل طيب، ويؤدي كل عمله في الوقت المناسب، وأنه كان لطيفا أكثر من أي شخص آخر في فصله.
وأضاف فايفيلد شايلر أن: "أسامة كان متميزا بين زملائه؛ لأنه كان أطول، وأكثر أناقة ووسامة من معظم الصبية الآخرين، كما أنه كان مهذباً ومؤدباً بشكل ملحوظ، وكان لديه قدر كبير من الثقة بالنفس".
ويغلب على ملامح أسامة الحزن، ونادرا ما رآه أصحابه يضحك بصوت عال، وأحيانا يبتسم.
بداية علاقة "بن لادن" بالقتال في أفغانستان
بدأت علاقة أسامة بن لادن مع أفغانستان منذ الأسابيع الأولى للغزو الروسي لها في 26 ديسمبر 1979م، برحلة قام بها إلى باكستان حيث التقى بقادة المجاهدين الأفغان، ثم عاد لبلاده لجمع الأموال للمقاومة الأفغانية، وفي عام 1984م أسس دار ضيافة في مدينة بيشاور الحدودية الباكستانية لاستقبال متطوعين عرب لأفغانستان، وبفضل ثروته أقام معسكرات داخل أفغانستان.
بقي أسامة متنقلا بين باكستان ودول الخليج فترة ليست بالقصيرة، ثمَّ ما لبث أن دخل أفغانستان وشارك المجاهدين في قتالهم ضد الغزو الشيوعي، وبرز بحضور كبير في معركة جلال آباد التي أرغمت الروس على الانسحاب من أفغانستان.
أسس "بن لادن" ما سمي بـ "سجل القاعدة" عام 1988م، وهو عبارة عن قاعدة معلومات وضعها تحت ضغط أهالي الشباب العربي الذين تطوعوا للجهاد؛ حيث اشتكوا لأسامة كثيراً من عدم وصول أي معلومات عن أبنائهم منذ سفرهم إلى الجهاد، فاضطر أسامة لعمل سجلات تشمل تفاصيل كاملة عن حركة المجاهدين العرب قدوما وذهابا والتحاقا بالجبهات، ثم أصبحت هذه السجلات مثل الإدارة المستقلة، حيث تضمنت التركيبة المؤلفة من بيت الأنصار-أول محطة استقبال مؤقت- للقادمين للجهاد قبل توجههم للتدريب، ومن ثم المساهمة في الجهاد ومعسكرات التدريب والجبهات.
واستمر استعمال كلمة "القاعدة" من قبل المجموعة التي استمر ارتباطها بأسامة بن لادن، وهنا خرج الأمريكان بانطباع أنها اسم لتنظيم إرهابي يهدف إلى الإطاحة بحكومات الدول الإسلامية الراديكالية واستبدالها بحكم الشريعة. وتنظيم "القاعدة" معاد للغرب ويعتبر الولايات المتحدة الأمريكية، بصفة خاصة، العدو الأول للإسلام، وعليه يجب على كل المسلمين حمل السلاح ضدها.
وقد تطور عدد المنتمين لمعسكرات "بن لادن" أو "القاعدة" من عدة مئات إلى عدة آلاف، وتدعي الولايات المتحدة – حسب الواشنطن بوست- أن تنظيمه أصبح يتألف من أكثر من 50 ألفا ممن تطوعوا للجهاد ضد السوفيت في أفغانستان، وتنتشر شبكته في أكثر من 35 بلدًا حول العالم من ضمنهم الولايات المتحدة.
بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان عام 1989، عاد بن لادن إلى السعودية وعلم بعد فترة من وصوله أنه ممنوع من السفر، وظن أن السبب هو الانسحاب الروسي وتفاهم القوى العظمى والمملكة تبعا لها، وهذا لا شك كان عاملا، لكن إحراجه للحكومة السعودية بالمحاضرات التي كان يلقيها عن خطورة النظام العراقي وتنبؤه بأنه سيغزو الخليج، في وقت كان فيه النظام العراقي من أقوى أصدقاء المملكة، عندها لم تكتف وزارة الداخلية بمنعه من السفر بل وُجِّه إليه تحذير بعدم ممارسة أي نشاط علني، لكنه بادر بكتابة رسالة نصائح عامة وخاصة للدولة قبيل الغزو العراقي.
وبعد أن ساءت الأحوال عقب الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1989، وعدم التزام أسامة بالتقييد المفروض عليه وتجميد نشاطه، ووقوع أحداث الصومال واليمن، تحولت قضية "بن لادن" إلى قضية ساخنة على جدول أعمال المخابرات الأمريكية، فطُرد أسامة من السعودية عام 1991 وتوجه إلى السودان، وبعدها سحبت الحكومة السعودية جنسيته عام 1994م، ودفعت هذه التطورات أسامة لأن يأخذ أول مبادرة معلنة ضد الحكومة السعودية حين أصدر بيانا شخصيا يرد فيه على قرار سحب الجنسية. بعد هذا البيان قرر أن يتحرك علنا بالتعاون مع آخرين، فذهب عام 1995 إلى اليمن، ولكنَّ الحركة الإسلامية هناك رفضت بقاءه في اليمن، فعاد ثانيةً إلى السودان، وبعد فترةٍ قصيرةٍ حدث انفجار الرياض 1996، ورغم أن أسامة يفاخر بالعمليات التي تمت ضد المصالح الأمريكية في كل مكان، فإنه لا ينسبها مباشرة لنفسه وإنما يعتبرها من دائرته العامة.
وقد وصف مَن فعل انفجار الرياض قائلا: "نَصِفُ هؤلاء بأنهم أبطال، ونَصِفُهم بأنهم رجال، لقد أزاحوا العار والخزي عن جباه أمتهم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلهم من الشهداء".
بعد هذه الأحداث تعرض السودان لضغط كبير من أمريكا ودول عربية لإخراجه أو تسليمه، وتحت هذا الضغط خرج هو ورفقاؤه إلى أفغانستان وذلك في مايو 1996. ومنذ أن وصل هناك بدأت الأحداث تتتابع بشكل متسارع من انفجار الخبر إلى استيلاء طالبان على جلال آباد إلى بيان الجهاد ضد الأمريكان الذي أصدره في نوفمبر 1996م.
وشرح أسامة ما حدث له في السودان قائلا: "الحكومة السودانية – للأسف- كانت تعاني من بعض الظروف الصعبة، وكانت هناك نزعة داخل الحكومة مالت إلى الصلح أو الاستسلام للضغوط العربية والأمريكية لإبعادي، فآثرت أن ألتزم الصمت مبدئيا، عندها قررت أن أبحث عن أرض يمكنني أن أستنشق بها هواء نقيا حرا، وأستطيع القيام بواجبي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيد رخاء هذه الأرض العظيمة، أرض خراسان (أفغانستان) من أجل القيام بهذه المهمة".
ثم توالت الأحداث والتفجيرات، ونسبت إلى "بن لادن" وأعوانه كل حوادث التفجير التي حدثت في العالم، وفي كل مصيبة تحدث وفيها مساس بالمصالح الأمريكية!!، وأصبح أسامة بن لادن العدو اللدود لأمريكا.
في حين يقضي أسامة وقته في أفغانستان مستمتعا بوقته على ما يبدو، فقد بدأ بممارسة نوع من الطب الشعبي وعلاج المرضى، حيث وصل عددهم لديه إلى مئات، كما أن أسامة الذي يلقب بالشيخ لدى أتباعه يستخدم العسل لمعظم المرضى الوافدين إليه. ويستخدم كذلك بعض الأعشاب كأدوية، وقال أحد المقربين له: "إن أسامة يتمتع بصحة تامة، ويقوم بركوب الحصان كل يوم ويقطع الأميال دون توقف"، وقال آخر: "إن أسامة بن لادن يعيش كرجل عادي، ولكنه في الوقت نفسه يواصل نقل إقامته من مكان إلى آخر، ويعيش معه أفراد أسرته بمن فيهم زوجاته وأولاده وأحفاده، ويزوره بعض أصدقائه من الدول العربية من حين لآخر".
ورغم ذلك فقد تعرض لعدة محاولات اغتيال، يصف ذلك قائلا: "كان هناك عدة محاولات للقبض عليَّ أو اغتيالي، لقد استمرت المحاولات منذ عام 1990 بل من قبل ذلك، بفضل الله لم تنجح أي محاولة منها، وهذا في حد ذاته دليل للمسلمين وللعالم على أن الولايات المتحدة غير قادرة، وأضعف من الصورة التي تريد رسمها في أذهان الناس".
وقال: "المؤمن يجب أن يستريح مطمئنا أن الحياة بيد الله فقط، وأن الرزق كذلك بيد الله القدير، أما عن الخوف على حياة المرء، فمن الصعب على هؤلاء الذين عندهم إيمان كامل شرح كيف يفكرون في أنفسهم".
وقال أيضا: "نؤمن أنه ليس بمقدور أحد أن يأخذ نفَسًا واحدا من عمرنا المكتوب كما قدره الله لنا، ونرى أن الموت في سبيل الله شرف عظيم دعا إليه رسولنا صلى الله عليه وسلم".
"بن لادن" و"طالبان"
على ما يبدو فإن أحد أسباب ارتباط طالبان الشديد بـ"بن لادن" هو تلك العلاقة الحميمة التي ربطت بين "بن لادن" والملا محمد عمر زعيم حركة طالبان الذي صرح بوضوح حتى قبل تفجيرات الثلاثاء 11 سبتمبر 2001م: "تهديدات الأمم المتحدة لا يمكن أن تجبرنا على إخراج الشيخ أسامة بن لادن من أفغانستان.. فالشيخ أسامة بن لادن مسلم مهاجر إلى أفغانستان، وهو ضيف على الأفغان، وإخراجه أو تسليمه مخالف للإسلام، ولعادات الشعب الأفغاني، وفوق ذلك فإن الإمارة الإسلامية والشعب الأفغاني لو غيّروا موقفهم من الشيخ أسامة فستترتب على ذلك مشاكل كثيرة، وسيخسرون الكثير".
ورغم أن العبارة الأخيرة توحي بغموضها، وتدفع للتساؤل حول كنه هذه المشاكل وهذه الخسارة، فإن قيمة هذه التصريحات أنها وردت قبل تفجيرات الثلاثاء، ومع ذلك فإن الأحداث أثبتت مدى صدق الرجل وتمسكه بكلمته، ولا شك أن زمالة الكفاح والسلاح بينهما قد عمّقت الصلة؛ فـ"بن لادن" –في كلمته في أحد المؤتمرات الذي دعت إلى انعقاده جمعية علماء الإسلام- يصف الملا محمد عمر بأنه: "الحاكم والأمير الشرعي الذي يحكم بشريعة الله في هذا العصر"، وأثنى على وقوفه بكل عزة وإباء في وجه الحملة الكفرية العالمية، كما أن عاملا هامًا يؤخذ في الاعتبار أن طالبان ومعظم القوى الجهادية الأفغانية تعتبر أن لـ"بن لادن" يدًا كريمة على الجهاد والشعب الأفغاني من خلال مساعداته المادية والعون البشري الذي قدمّه لهم في ظل تخاذل الدول الإسلامية وتخليها عن القضية الأفغانية، وهو ما يستدعي الوقوف بجانبه في أزمته، خاصة أن الأمر يتعلق بعقيدة "الولاء والبراء" وأحكام الجوار في الإسلام.
في حين ترى الولايات المتحدة أن حركة "طالبان" الأفغانية تواصل توفير ملاذ آمن للإرهابي أسامة بن لادن، وهو الذي صدر قرار اتهام بحقه، فيما يواصل الناطقون باسم حركة طالبان، ووسائلها الإعلامية الحديث عن أن حركة طالبان: "لم تتلق من أحد دليلا على جرائم بن لادن المزعومة".
"بن لادن".. أسطورة البطل
اسامة بن لادن
يبدو أن الغرب وعد نفسه بأنه كلما بدأ الشعور الإسلامي لدى المسلمين بالانحدار عمد بما يلزم لإعادة طزاجته من جديد... هي سنة الله في دينه.
يمكن سرد العديد من الشواهد على ذلك، آخرها ما عمد إليه بعض ساسة الغرب وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي بوش ومعظم الإعلاميين الغربيين، من خلال التأكيد على أن ما يجري هو بين الغرب "وليس الشرق" الصليبي والشرق المسلم. أما فيما يتعلق بالتفسيرات اللاحقة والاعتذارات وما إلى ذلك من تراقيع، فإنها يمكن أن تفيد المسئولين دون غيرهم من الرأي العام العربي والاسلامي.. هذا الأمر يعرفه المسئولون الغربيون جيدا وربما لا يكترثون له.
لهذا لم يتوقفوا مطلقا عن رسم صورة "نورية" في الذهنية المسلمة للمعارض السعودي "أسامة بن لادن"، من خلال تكثيف المفردات "الشيطانية" في خطابهم المتصل في وصف هذا المعارض. ففي الوقت الذي كانت تتفاعل فيه كلمات الساسة الغربيين في نفوس مواطنيهم باشمئزاز من وصف هذا "القاتل" بكلمات تتعلق بالشياطين والعوالم السفلى، كانت ذات الكلمات تتفاعل في نفس المستضعفين في الأرض والمسلمين بصورة خاصة لترسم صورة المخلّص الذي قد يصيب هدفه وينقذهم من استكبار العالم الغربي عليهم، فهؤلاء لم يسمعوا سوى كلمة واحدة أن أسامة عدو لأمريكا.
لقطات ساخنة
في جلسة لم تخل من فنتازيا اجتماعية دار هذا الحوار:
"لم لا يكون كذلك، فها هو حطم العنجهية الأمريكية في عقر دارها؟"، يقول أحد المواطنين الأردنيين.. وعندما سُئل عن فداحة الاعتداءات على المستوى الإنساني أجاب: "لو خيرت أن يقوم بن لادن بهذا العمل لما ترددت بقول لا، ولكنه ما دام قام به فإن هناك مشاعر أخرى".. ويتمتم كأنه يتكلم مع ذاته: هل من المستحيل أن يكون مخلصنا؟.
إلا أن مواطنا آخر يكاد يأخذ منه الغضب كل مأخذ قال: "إنه صنيعة أمريكية وحتى لو لم يكن كذلك، فإن ما قام به عمل إرهابي لا يمكن أن يقوم به شخص مسلم ويعبد الله".
التقط معلم مدرسة الجملة الأخيرة من كلام المتحدث الأخير وقال: ولكنك تبدو متيقن أنه فعلها، وغضبت دون أن تتعب نفسك في السؤال: هل هو حقا من فعلها أم أن الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية كانت على متابعة يومية بما سيقوم به الإرهابيون ولكنها جعلتهم يقومون بما قاموا به لمزيد من السيطرة على العالم؟.
ينتفض آخر وهو يقول: هل من المعقول يا رجل أن توافق الأجهزة الأمنية الاستخباراتية في أمريكا على كل هذا الدمار وتخرب بلادها بأيديها، ما هو السبب الوجيه لهذا الأمر .. لا هذا أمر لا يمكن تصديقه؟.
"ولكن لم تذكروا شيئا عن الموساد والصهاينة الذين لهم تجارب مماثلة وإن بدرجة أقل في الماضي، عندما أغرقوا سفينة لليهود كانت قادمة إلى أرض فلسطين حتى تستغل الحدث لتلهب مشاعر الغرب على العرب كونهم بالتأكيد من قاموا بالفعل" أليس هذا ممكنا .. يقول أحدهم ويتابع: "لقد أشار إلى هذا الاحتمال عدد كبير من ضباط المخابرات المتقاعدين في العالم .. ثم إن هناك العديد من العلامات التي تدل على أن غربيين هم الذين قاموا بهذا الاعتداء الرهيب".
وإذا كان البحث عن مخلص هو السمة الغالبة لأمة فقدت بوصلتها فإن "بن لادن" الذي جمع بين يديه عنفوان الشباب وقوته بالإضافة إلى قدرته المالية وإرادته الصلبة، وأهم من كل ذلك كره الغرب له -كان التربة الأشد خصوبة والأكثر إغراء.
وا إسلاماه
وبعيدًا عن قصة الرجل مع الغرب، وسواء كان فعلا مستهدفا لعمله في الحقيقة، أو ما يمكن أن يقوم به أو لكون التكتيك الغربي يريد رسم صورة مادية ما لعدو من أجل أن يتحرك في إطارها، أو حتى مع احتمال كونه عميلا غربيا مع استحالة الأمر، فإن الرجل استطاع بحق أن يتحول إلى رمز وأعاد شهوة النَفَس البطولي إلى ذهنية الشباب والشابات، فالرجل هو الذي يدافع عن عرض الأمة.
وأكثر من ذلك فقد تحولت أحلام عدد كبير من الفتيات المسلمات إلى ذاك الـ"بن لادن" الطريد والمستهدف بعيدا عن أحلام الحصان الأبيض والفارس، وما إلى ذلك من تفاصيل غربية ربما.. ففارسها في الجبال منشغل عن الجميع ليقاتل ويذود عن دينه وعرضه.. تماما كما تحلم الفتاة الفلسطينية برجل "يرشقها" بكلمات حب ذات تفاصيل تتعلق بأنه مقاتل من الدرجة الأولى.
ربما لم تفعل تفجيرات نيويورك وواشنطن شيئا على الصعيد الوطني والإسلامي للعرب والمسلمين، بغض النظر أن هناك أسفا حقيقيا على الأبرياء، ولكن في الوقت الذي بدأت أصابع الاتهام تشير إلى العرب والمسلمين صعق المسلمون بأنهم مهما حاولوا أن يكونوا غربيين، فإنهم في النهاية سيوضعون في السلة ذاتها التي توضع فيها جميع التيارات الإسلامية المتعددة التوجهات ولدى الفرز والتمحيص تختفي الفوارق، فالجميع أصحاب "ملامح إسلامية"، سواء كانوا إفريقيين أم آسيويين أم أوربيين.
وهذا ما دلت عليه مجموعة الاعتقالات في الدول الغربية، وهو ما يعني إعادة الروح الإسلامية لدى عامة المسلمين، وكأنها انطلاقة جديدة لصحوة إسلامية أخرى تختلف كل الاختلاف عن الصحوة الإسلامية قبل 11 سبتمبر أيلول.. وكأن بن لادن يقول لأمريكا: شكرًا.
مسيحي يسمي مولوده أسامة بن لادن!
بن لادن ..
أثار إعجاب المسيحيين
أطلق مسيحي من الفليبين اسم "أسامة بن لادن" على مولوده الجديد!!
قال "نيكولاس سيفليجو" والد الطفل: "زوجتي ميلي سفلجو" وضعت طفلنا في 24 سبتمبر الماضي بعد 13 يوما من الهجمات الإرهابية التي قتلت 7 آلاف ضحية في مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأمريكية".
وأضاف: إنه سمى ابنه الأول بهذا الاسم حتى يقول للعالم: إن أمريكا لم تعد هي القوة التي لا تقهر.
ويقول والد الطفل لصحيفة فليبينية: إنه معارض للسياسة الأمريكية، ويكره الإمبريالية، وأضاف أنه نصير بن لادن رقم واحد في الفليبين، وأن أمريكا هي المسئولة عن تربية العنف الإمبريالي عبر العالم، وساهمت في إنتاج أسوأ الإرهابيين الذين ينقلبون الآن ضد أمريكا بسبب كبتها للدول الضعيفة، وتسببها في معاناة مئات الملايين في العالم.
الطريف.. أن جيرانه وأقاربه انتقدوه، ووصفوه بأنه لا يستطيع التحكم في غضبه تجاه أمريكا، ولكنه لم يتزحزح عن موقفه رغم انتقادات جيرانه وأسرته، وقال: "إن وسائل الإعلام التي تسيطر عليها أمريكا هي التي تصور أسامة بن لادن باعتباره الشر الأكبر".
وقال أحد المعجبين بأسامة بن لادن: إنه حاول تسمية ابنه "أسامة بن لادن" الأسبوع الماضي، ولكن خاف تداعيات ذلك، وأضاف "أن اسم أسامة هو اسم لصحابي جليل هزم جيشا جرارا من أعداء المسلمين، وتولى القيادة وعمره 16 عاما".
|