معلومات العضو
|
|
|
إحصائية العضو
|
|
|
|
مشاركة: تفسير ابن كثير
** أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَالنّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
يقول تعالى منكراً على من أراد ديناً سوى دين الله الذي أنزل به كتبه, وأرسل به رسله, وهو عبادة الله وحده لا شريك له, الذي {له أسلم من في السموات والأرض} أي استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً, كما قال تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} الاَية, وقال تعالى: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون * ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله, والكافر مستسلم لله كرهاً, فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع, وقد ورد حديث في تفسير هذه الاَية على معنى آخر فيه غرابة, فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري, حدثنا سعيد بن حفص النفيلي, حدثنا محمد بن محصن العكاشي, حدثنا الأوزاعي, عن عطاء بن أبي رباح, عن النبي صلى الله عليه وسلم {وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً}, «أما من في السموات فالملائكة, وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام, وأما كرهاً فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون». وقد ورد في الصحيح «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» وسيأتي له شاهد من وجه آخر, ولكن المعنى الأول للاَية أقوى, وقد قال وكيع في تفسيره, حدثنا سفيان عن منصور, عن مجاهد {وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} قال: هو كقوله {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} وقال أيضاً: حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن مجاهد, عن ابن عباس {وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} قال: حين أخذ الميثاق, {وإليه يرجعون} أي يوم المعاد فيجازي كلاً بعمله ثم قال تعالى: {قل آمنا بالله وما أنزل علينا} يعني القرآن, {وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب} أي من الصحف والوحي, {والأسباط} وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل ـ وهو يعقوب ـ الاثني عشر, {وما أوتي موسى وعيسى} يعني بذلك التوراة والإنجيل, {والنبيون من ربهم} وهذا يعم جميع الأنبياء جملة {لا نفرق بين أحد منهم} يعني: بل نؤمن بجميعهم {ونحن له مسلمون} فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل, وبكل كتاب أنزل, لا يكفرون بشيء من ذلك, بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله, وبكل نبي بعثه الله.
ثم قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الاَية, أي من سلك طريقاً سوى ما شرعه الله, فلن يقبل منه {وهو في الاَخرة من الخاسرين} كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم, حدثنا عباد بن راشد, حدثنا الحسن, حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تجى الأعمال يوم القيامة, فتجى الصلاة فتقول: يا رب, أنا الصلاة¹ فيقول إنك على خير¹ وتجي الصدقة فتقول: يا رب, أنا الصدقة فيقول إنك على خير, ثم يجي الصيام فيقول: يا رب, أنا الصيام, فيقول: إنك على خير, ثم تجى الأعمال كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير, ثم يجى الإسلام فيقول: يا رب, أنت السلام وأنا الإسلام, فيقول الله تعالى: إنك على خير, بك اليوم آخذ وبك أعطى, قال الله في كتابه {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الاَخرة من الخاسرين} تفرد به أحمد, قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة, ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.
** كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * أُوْلَـَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ الله غَفُورٌ رّحِيمٌ
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع البصري حدثنا يزيد بن زريع, حدثنا داود بن ابي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك, ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله هل لي من توبة ؟ فنزلت {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ـ إلى قوله ـ فإن الله غفور رحيم} فأرسل إليه قومه فأسلم, وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به, وقال الحاكم: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, وقال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان, حدثنا حميد الأعرج, عن مجاهد, قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم, ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه, فأنزل الله فيه {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ـ إلى قوله ـ غفور رحيم} قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه, فقال الحارث: إنك ـ والله ما علمت ـ لصدوق, وإن رسول الله لأصدق منك, وإن الله لأصدق الثلاثة, قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه, فقوله تعالى: {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} أي قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول, ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك, فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعدما تلبسوا به من العماية, ولهذا قال تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين}. ثم قال تعالى {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} أي يلعنهم الله, ويلعنهم خلقه, {خالدين فيها} أي في اللعنة, {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه, تاب عليه.
** إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الضّآلّونَ * إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَىَ بِهِ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ
يقول تعالى متوعداً ومهدداً لمن كفر بعد إيمانه, ثم ازداد كفراً, أي استمر عليه إلى الممات, ومخبراً بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات, كما قال تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} الاَية, ولهذا قال ههنا {لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} أي الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي, قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع, حدثنا يزيد بن زريع حدثنا داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن قوماً أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا, فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم, فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فنزلت هذه الاَية: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم} وهكذا رواه, وإسناده جيد, ثم قال تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا. ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة, كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان وكان يقري الضيف ويفك العاني ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك ؟ فقال «لا, إنه لم يقل يوماً من الدهر: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وكذلك لو افتدى بملء الأرض ذهباً ما قبل منه, كما قال تعالى: {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة} وقال {لا بيع فيه ولا خلال}, وقال {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم}. ولهذا قال تعالى ههنا: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} فعطف {ولو افتدى} به على الأول, فدل على أنه غيره, وما ذكرناه أحسن من أن يقال: أن الواو زائدة, والله أعلم, ويقتضي ذلك أن لا ينقذه من عذاب الله شيء ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهباً, ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهباً, بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها, وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج, حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني, عن أنس بن مالك, أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء, أكنت مفتدياً به ؟ قال: فيقول: نعم, فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك, قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً, فأبيت إلا أن تشرك» وهكذا أخرجه البخاري ومسلم,
(طريق أخرى) وقال الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا حماد عن ثابت, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم, كيف وجدت منزلك ؟ فيقول: أي رب خير منزل, فيقول: سل وتمن, فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار, لما يرى من فضل الشهادة, ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم, كيف وجدت منزلك ؟ فيقول: يا رب شر منزل, فيقول له: تفتدى مني بطلاع الأرض ذهباً ؟ فيقول: أي رب نعم, فيقول: كذبت, قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل, فيرد إلى النار», ولهذا قال {أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين} أي وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.
** لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ
روى وكيع في تفسيره عن شريك, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون {لن تنالوا البر} قال: الجنة, وقال الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا مالك, عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, سمع أنس بن مالك, يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً, وكان أحب أمواله إليه بيرحاء, وكانت مستقبلة المسجد, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب, قال أنس: فلما نزلت {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله, إن الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}, وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء, وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى, فضعها يا رسول الله حيث أراك الله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم, «بخ بخ ذاك مال رابح, ذاك مال رابح, وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين», فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله, فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه, أخرجاه, وفي الصحيحين أن عمر قال يا رسول الله لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر, فما تأمرني به ؟ قال: حبس الأصل وسبل الثمرة» وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني, حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا محمد بن عمرو, عن أبي عمرو بن حماس, عن حمزة بن عبد الله بن عمر, قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الاَية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممما تحبون} فذكرت ما أعطاني الله, فلم أجد شيئاً أحب إليّ من جارية لي رومية , فقلت: هي حرة لوجه الله, فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها, يعني تزوجتها.
** كُلّ الطّعَامِ كَانَ حِـلاّ لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ إِلاّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىَ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّبِعُواْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم, حدثنا عبد الحميد, حدثنا شهر, قال: قال ابن عباس حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي, قال: «سلوني عما شئتم, ولكن اجعلوا لي ذمة الله, وما أخذ يعقوب على بنيه, لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام» قالوا: فذلك لك, قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: اخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه ؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل ؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى ؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم, ومن وليه من الملائكة ؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه, فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سقمه, فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه, وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل, وأحب الشراب إليه ألبانها» ؟ فقالوا: اللهم نعم: قال: «اللهم اشهد عليهم». وقال «أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو, الذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ, وماء المرأة أصفر رقيق, فأيهما علا كان له الولد, والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله, وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله» ؟ قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد عليهم». وقال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه, ولا ينام قلبه» ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: «اللهم اشهد» قالوا: وأنت الاَن فحدثنا من وليك من الملائكة ؟ فعندها نجامعك و نفارقك قال: «إن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه, قالوا: فعندها نفارقك, لو كان وليك غيره لتابعناك, فعند ذلك قال الله تعالى: {قل من كان عدواً لجبريل} الاَية, ورواه أحمد أيضاً عن حسين بن محمد عن عبد الحميد به,
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري, حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي, عن بكير بن شهاب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا يا أبا القاسم, إنا نسألك عن خمسة أشياء, فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك, فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال {والله على ما نقول وكيل} قال« هاتوا» قالوا: أخبرنا عن علامة النبي قال: «تنام عيناه ولا ينام قلبه», قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة, وكيف تذكر ؟ قال: «يلتقي الماءان, فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة, أذكرت, وإذا علا ماء المرأة أنثت» قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال: كان يشتكي عرق النسا, فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا وكذا ـ قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل ـ فحرم لحومها» قالوا: صدقت, قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد ؟ قال: «ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب بيده ـ أو في يديه ـ مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله عز وجل» قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع ؟ قال «صوته». قالوا صدقت, إنما بقيت واحدة, وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها, إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك ؟ قال: «جبريل عليه السلام», قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا, لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر, لكان, فأنزل الله تعالى: {قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} والاَية بعدها, وقد رواه الترمذي والنسائي, من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه, وقال الترمذي : حس غريب, وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل عليه السلام ـ وهو يعقوب ـ يعتريه عرق النسا بالليل, وكان يقلقه ويزعجه عن النوم, ويقلع الوجع عنه بالنهار, فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقاً ولا يأكل ولد ما له عرق, وهكذا قال الضحاك والسدي, كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره, قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به واقتداء بطريقه, قال: وقوله {من قبل أن تنزل التوراة} أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة, قلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان {إحداهما} أن إسرائيل عليه السلام حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله, وكان هذا سائغاً في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فهذا هو المشروع عندنا,وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه, كما قال تعالى: {وآتى المال على حبه} وقال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} الاَية.
(المناسبة الثانية) لما تقدم بيان الرد على النصارى, واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه, كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى, شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع, فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة, أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها, ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك, وجاءت التوراة بتحريم ذلك, وأشياء أخرى زيادة على ذلك, وكان الله عز وجل قد أذن لاَدم في تزويج بناته من بنيه, وقد حرم ذلك بعد ذلك , وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم عليه السلام, وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة, وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم, وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغاً, وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين, ثم حرم عليهم ذلك في التوراة, وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم, وهذا هو النسخ بعينه, فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح عليه السلام, في إحلاله بعض ما حرم في التوراة, فما بالهم لم يتبعوه ؟ بل كذبوه وخالفوه ؟ وكذلك ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين القويم, والصراط المستقيم, وملة أبيه إبراهيم, فما بالهم لا يؤمنون ؟ ولهذا قال تعالى: {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} أي كان حلاً لهم, جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل, ثم قال تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} فإنها ناطقة بما قلناه {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} أي فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً, وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه {فأولئك هم الظالمون} ثم قال تعالى: {قل صدق الله} أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن, {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية, وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم, كما قال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم * ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}.
** إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم, يطوفون به, ويصلون إليه, ويعتكفون عنده {للذي ببكة} يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه, ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه, ولهذا قال تعالى: {مباركاً} أي وضع مباركاً {وهدى للعالمين} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش, عن إبراهيم التيمي, عن أبيه, عن أبي ذر رضي الله عنه, قال: قلت يا رسول الله, أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال «المسجد الحرام». قلت: ثم أي ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما ؟ قال: «أربعون سنة». قلت: ثم أي ؟ قال: «ثم حيث أدركتَ الصلاة فصل فكلها مسجد» وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا سعيد بن سليمان, عن شريك, عن مجالد, عن الشعبي, عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً} قال: كانت البيوت قبله, ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. وحدثنا أبي, حدثنا الحسن بن الربيع, حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن خالد بن عرعرة, قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه, فقال: ألا تحدثني عن البيت, أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال: لا, ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم, ومن دخله كان آمناً, وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت, وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا, وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقاً, والصحيح قول علي رضي الله عنه. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب, عن أبي الخير, عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء, فأمرهما ببناء الكعبة, فبناه آدم, ثم أمر بالطواف به, وقيل له: أنت أول الناس, وهذا أول بيت وضع للناس» فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه. والله أعلم, أن يكون هذا موقوفاً على عبد الله بن عمرو, ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.
وقوله تعالى: {للذي ببكة} بكة من أسماء مكة على المشهور, قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها وقيل: لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعاً, فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها, وكذا روى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان. وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: مكة من الفج إلى التنعيم, وبكة من البيت إلى البطحاء, وقال شعبة, عن المغيرة, عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد, وكذا قال الزهري. وقال عكرمة, في رواية, وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة, وما وراء ذلك مكة. وقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة, وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة, وبكة, والبيت العتيق, والبيت الحرام, والبلد الأمين, والمأمون, وأم رحم, وأم القرى, وصلاح, والعرش على وزن بدر, والقادس لأنها تطهر من الذنوب, والمقدسة, والناسة بالنون, وبالباء أيضاً والحاطمة, والنسّاسة, والرأس, وكوثاء والبلدة, والبنية, والكعبة.
وقوله تعالى: {فيه آيات بينات} أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم, وأن الله عظمه وشرفه, ثم قال تعالى: {مقام إبراهيم} يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران, حيث كان يقف عليه ويناوله إسماعيل, وقد كان ملتصقاً بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه, ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف, لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها ههنا, و لله الحمد والمنة. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} أي فمنهنّ مقام إبراهيم والمشْعَر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة, وكذا روى عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم, وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبةعلى قدميه حافياً غير ناعل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي, قالا: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس, في قوله تعالى: {مقام إبراهيم} قال: الحرم كله مقام إبراهيم, ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم, وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج مقام إبراهيم هكذا رأيته في النسخة, ولعله الحجر كله مقام إبراهيم, وقد صرح بذلك مجاهد. وقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء, وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية, كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم, فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو يحيى التّيْمي, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت, ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى, فإذا خرج أخذ بذنبه, وقال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} الاَية, وقال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره, وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها, كما ثبتت الأحاديث والاَثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعاً وموقوفاً. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة «لا هجرة ولكن جهاد ونية, وإذا استنفرتم فانفروا» وقال يوم الفتح فتح مكة «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض, فهو حرام بحرمة الله, إلى يوم القيامة, وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي, ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه, ولا ينفر صيده, ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها, ولا يختلى خلاها» فقال العباس: يا رسول الله, إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم, فقال «إلا الإذخر», ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه, ولهما واللفظ لمسلم أيضاً عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي, وأبصرته عيناي حين تكلم به, إنه حمد الله وأثنى عليه, ثم قال «إن مكة حرمها الله, ولم يحرمها الناس, فلا يحل لامريء يؤمن با لله واليوم الاَخر أن يسفك بها دماً, ولا يعضد بها شجرة, فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم, وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار, وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب». فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو ؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح, إن الحرم لا يعيذ عاصياً, ولا فاراً بدم, ولا فاراً بخَزْية, وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا يحل لأحد كم أن يحمل بمكة السلاح» رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحَزْوَرَة بسوق مكة, يقول «والله إنك لخير أرض الله, وأحب أرض الله إلى الله, ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه الإمام أحمد, وهذا لفظه, والترمذي والنسائي وابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح, وكذا صَحّح من حديث ابن عباس نحوه وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان, حدثنا أبو عاصم, عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم, حدثني زياد ابن أبي عياش, عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} قال: آمناً من النار. وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان, حدثنا أحمد بن عبيد, حدثنا محمد بن سليمان الواسطي, حدثنا سعيد بن سليمان, حدثنا ابن المؤمل عن ابن محيصن, عن عطاء, عن عبد الله بن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من دخل البيت دخل في حسنة, وخرج من سيئة, وخرج مغفوراً له» ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل, وليس بالقوي. وقوله {و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله {وأتموا الحج والعمرة لله}, والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده, وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً, وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا الربيع بن مسلم القرشي, عن محمد بن زياد, عن أبي هريرة, قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» ثم قال «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه», ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون به نحوه. وقد روى سفيان بن حسين وسليمان بن كثير وعبد الجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري, عن أبي سنان الدؤلي واسمه يزيد بن أمية, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس, فقال: يا رسول الله أفي كل عام ؟ فقال «لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها, الحج مرة فمن زاد فهو تطوع» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه, والحاكم من حديث الزهري به, ورواه شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.
قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبد الأعلى, عن أبيه, عن أبي البَخْتَري, عن علي رضي الله عنه, قال: لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قالوا: يا رسول الله في كل عام ؟ فسكت, قالوا: يا رسول الله في كل عام ؟ قال «لا, ولو قلت نعم لوجبت», فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به, ثم قال الترمذي, حسن غريب, وفيما قال نظر, لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي. وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير, حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن أنس بن مالك, قال: قالوا: يا رسول الله, الحج في كل عام ؟ قال«لو قلت نعم لوجبت, ولو وجبت لم تقوموا بها, ولو لم تقوموا بها, لعذبتم». وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء, عن جابر, عن سراقة بن مالك, قال يا رسول الله, متعتنا هذه لعامنا هذا, أم للأبد ؟ قال «لا, بل للأبد». وفي رواية «بل لأبد أبد».
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لنسائه في حجته «هذه ثم ظهور الحصر ـ يعني ثم الزمن ظهور الحصر ـ ولا تخرجن من البيوت» وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعاً بنفسه, وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام, قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا إبراهيم بن يزيد, قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما, قال قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله ؟ قال: «الشعث التفل», فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله ؟ قال: «العج والثج», فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله ؟ قال: «الزاد والراحلة», وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي, قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه, وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه, كذا قال ههنا وقال في كتاب الحج: هذا حديث حس. لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا, وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث, لكن قد تابعه غيره, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري, حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي, عن محمد بن عباد بن جعفر, قال: جلست إلى عبد الله بن عمر, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما السبيل ؟ قال «الزاد والراحلة» وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك, وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة, ولكن في أسانيدها مقال كما هو مقرر في كتاب الأحكام, والله أعلم. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث, ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة, عن قتادة, عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله عز وجل {من استطاع إليه سبيلاً} فقيل: ما السبيل ؟ قال «الزاد والراحلة», ثم قال: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثنا ابن علية عن يونس, عن الحسن, قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} فقالوا: يا رسول الله ما السبيل ؟ قال «الزاد والراحلة», ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان, عن يونس به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أنبأنا الثوري, عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي, عن فضيل, يعني ابن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعجلوا إلى الحج ـ يعني الفريضة ـ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي, عن مهران بن أبي صفوان, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أراد الحج فليتعجل» ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير به. وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله {من استطاع إليه سبيلاً} قال: من ملك ثلثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلاً, وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة وروى وكيع بن الجراح عن أبي جناب يعني الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس, قال {من استطاع إليه سبيلاً} قال «الزاد والبعير» وقوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه. وقال سعيد بن منصور عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن عكرمة, قال: لما نزلت {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} قالت اليهود: فنحن مسلمون, قال الله عز وجل: فاخْصِمهم فحجهم, يعني فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً» فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا, قال الله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر, حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود, حدثنا مسلم بن إبراهيم, وشاذ بن فياض, قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني, حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث, عن علي رضي الله عنه,قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ملك زاداً وراحلة ولم يحج بيت الله, فلا يضره مات يهودياً أو نصرانياً, ذلك بأن الله قال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً * ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم به, وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حدثنا هلال بن فياض, حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني, فذكره بإسناده مثله, ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم, عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به, وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وفي إسناده مقال, وهلال مجهول, والحارث يضعف في الحديث. وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر, حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من أطاق الحج فلم يحج, فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً, وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري, قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة فلم يحج, فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين, ما هم بمسلمين.
** قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ
هذا تعنيف من الله تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق, وكفرهم بآيات الله, وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم, مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله, بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن, وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي سيد ولد آدم, وخاتم الأنبياء, ورسول رب الأرض والسماء, وقد توعدهم الله على ذلك, وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومعاملتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد, فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون, أي وسيجزيهم على ذلك {يوم لا ينفع مال ولا بنون}.
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىَ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ
يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله, كما قال تعالى: {ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم} الاَية, وهكذا قال ههنا {إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين} ثم قال تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} يعني أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه, فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهاراً, وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم, وهذا كقوله تعالى: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} الاَية بعدها. وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال لأصحابه يوماً «أي المؤمنين أعجب إليكم إيماناً ؟» قالوا: الملائكة. قال: «وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم» ؟ وذكروا الأنبياء, قال «وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟» قالوا: فنحن. قال «وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟» قالوا: فأي الناس أعجب إيماناً ؟ قال «قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها» وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري, ولله الحمد, ثم قال تعالى: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} أي ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية, والعدّة في مباعدة الغواية, والوسيلة إلى الرشاد, وطريق السداد وحصول المراد.
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وشعبة عن زبيد اليامي, عن مرة, عن عبد الله هو ابن مسعود {اتقوا الله حق تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى, وأن يذكر فلا ينسى, وأن يشكر فلا يكفر, وهذا إسناد صحيح موقوف, وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود, وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب, عن سفيان الثوري, عن زبيد, عن مرة, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اتقوا الله حق تقاته}: أن يطاع فلا يعصى, ويشكر فلا يكفر, ويذكر فلا ينسى», وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد, عن مرة, عن ابن مسعود مرفوعاً, فذكره, ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, كذا قال, والأظهر أنه موقوف, والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي, نحو ذلك. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية, والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الاَية منسوخة بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} قال: لم تنسخ, ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم, ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه, فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بعث عليه, فعياذاً با لله من خلاف ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا شعبة, قال: سمعت سليمان عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن, فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}, ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت لأَمَرّتْ على أهل الأرض عيشتهم, فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم ؟» وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به وقال الترمذي: حسن صحيح, وقال الحاكم: على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب, عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة, عن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن با لله واليوم الاَخر, ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن أبي سفيان, عن جابر, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن با لله عز وجل» ورواه مسلم من طريق الأعمش به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال«إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي, فإن ظن بي خيراً فله, وإن ظن شراً فله», وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي».
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي, حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت وأحسبه عن أنس, قال: كان رجل من الأنصار مريضاً, فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده, فوافقه في السوق فسلم عليه, فقال له «كيف أنت يا فلان» ؟ قال: بخير يا رسول الله, أرجو الله وأخاف ذنوبي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف», ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان, وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه, ثم قال الترمذي: غريب, وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلاً, فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر, عن يوسف بن ماهك, عن حكيم بن حزام, قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخر إلا قائماً, ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به, وترجم عليه فقال (باب كيف يخر للسجود), ثم ساقه مثله فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلماً, وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلاً غير مدبر وهو يرجع إلى الأول.
وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} قيل {بحبل الله} أي بعهد الله, كما قال في الاَية بعدها {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي بعهد وذمة, وقيل {بحبل من الله} يعني القرآن كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن «هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم».
وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى, فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي, حدثنا أسباط بن محمد عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي عن عطية, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض».
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص, عن عبد الله رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين, وهو النور المبين, وهو الشفاء النافع, عصمة لمن تمسك به, ونجاة لمن اتبعه», وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق, هلم إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن.
وقوله: {ولاتفرقوا} أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة, وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق, والأمر بالاجتماع والائتلاف, كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله يرضى لكم ثلاثاً, ويسخط لكم ثلاثاً, يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا, وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم, ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال» وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ, كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً, وخيف عليهم الافتراق والاختلاف, وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة, منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار, وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} إلى آخر الاَية, وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج, فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية, وعدواة شديدة وضغائن وإحن وذحول, طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم, فلما جاء الله بالإسلام, فدخل فيه من دخل منهم, صاروا إخواناً متحابين بجلال الله, متواصلين في ذات الله, متعاونين على البر والتقوى, قال الله تعالى: {هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم, ولكن الله ألف بينهم} إلى آخر الاَية, وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم, فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان, وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين, فعتب من عتب منهم, بما فضل عليهم في القسم, بما أراه الله فخطبهم فقال «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي. وكنتم متفرقين فألفكم الله بي, وعالة فأغناكم الله بي ؟» فكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الاَية نزلت في شأن الأوس والخزرج, وذلك أن رجلاً من اليهود مَرّ بملأ من الأوس والخزرج, فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة, فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب, ففعل, فلم يزل ذلك دأبه, حتى حميت نفوس القوم, وغضب بعضهم على بعض, وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟» وتلا عليهم هذه الاَية, فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم. وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك, والله أعلم.
** وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ تَفَرّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ فَأَمّا الّذِينَ اسْوَدّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمّا الّذِينَ ابْيَضّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَالَمِينَ * وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَىَ اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ
يقول تعالى: {ولتكن منكم أمة} منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, {وأولئك هم المفلحون}, قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة, يعني المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ثم قال «الخير اتباع القرآن وسنتي» رواه ابن مردويه. والمقصود من هذه الاَية, أن تكون فرقة من هذه الأمةمتصدية لهذا الشأن, وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه, كما ثبت في صحيح مسلم, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرأً فيلغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي, أنبأنا إسماعيل بن جعفر, أخبرني عمرو بن أبي عمرو, عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي, عن حذيفة بن اليمان, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده, ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن أبي عمرو به, وقال الترمذي: حسن, والأحاديث في هذا الباب كثيرة, مع الاَيات الكريمة, كما سيأتي تفسيرها في أماكنها, ثم قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} الاَية, ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, مع قيام الحجة عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا صفوان, حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني, عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ, قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة, قام حين صلى الظهر, فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة ـ يعني الأهواء ـ كلها في النار إلا واحدة ـ وهي الجماعة ـ وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه, لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» والله يا معشر العرب, لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به, وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى, كلاهما عن أبي المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي به, وقد ورد هذا الحديث من طرق.
وقوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يعني يوم القيامة, حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة, وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس رضي الله عنهما, {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} قال الحسن البصري: وهم المنافقون {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وهذا الوصف يعم كل كافر {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} يعني الجنة ماكثون فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً, وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الاَية: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن ربيع بن صبيح وحماد بن سلمة, عن أبي غالب, قال: رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق, فقال أبو أمامة, كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه, ثم قرأ { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} إلى آخر الأية, قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟: قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعاً ـ حتى عد سبعاً ـ ما حدثتكموه, ثم قال: هذا حديث حسن, وقد رواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق, عن معمر, عن أبي غالب بنحوه.
وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الاَية عن أبي ذر حديثاً مطولاً غريباً عجيباً جداً, ثم قال تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك} أي هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد {بالحق} أي نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والاَخرة {وما الله يريد ظلماً للعالمين} أي ليس بظالم لهم بل هو الحكم, العدل الذي لا يجور, لأنه القادر على كل شيء, العالم بكل شيء, فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحداً من خلقه, ولهذا قال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} أي الجميع ملك له وعبيد له {وإلى الله ترجع الأمور} أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والاَخرة.
** كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَن يَضُرّوكُمْ إِلاّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلّوكُمُ الأدُبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوَاْ إِلاّ بِحَبْلٍ مّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مّنَ النّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم, فقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف, عن سفيان عن ميسرة, عن أبي حازم, عن أبي هريرة رضي الله عنه {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام, وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يعني خير الناس للناس, والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس, ولهذا قال {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك, حدثنا شريك, عن سماك, عن عبد الله بن عميرة, عن زوج دُرّة بنت أبي لهب, عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر, فقال: يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله, وآمرهم بالمعروف, وأنهاهم عن المنكر, وأوصلهم للرحم» ورواه أحمد في مسنده, والنسائي في سننه, والحاكم في مستدركه, من حديث سماك, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الاَية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه, وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم, كما قال في الاَية الأخرى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} أي خياراً {لتكونوا شهداء على الناس} الاَية.
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم توفون سبعين أمة, أنتم خيرها وأنتم أكرم على الله عز وجل» وهو حديث مشهور, وقد حسنه الترمذي, ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه, وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه, فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله, وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل, فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه, كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا ابن زهير, عن عبد الله يعني ابن محمد بن عقيل, عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية: أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء, فقلنا يا رسول الله ما هو ؟ قال «نصرت بالرعب, وأعطيت مفاتيح الأرض, وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً, وجعلت أمتي خير الأمم» تفرد به أحمد من هذا الوجه, وإسناده حسن.
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار, حدثنا ليث عن معاوية عن أبي حَلْبَس يزيد بن ميسرة, قال سمعت أم الدرداء رضي الله عنها تقول: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول «إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا, وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا, ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم ؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها ههنا, قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا المسعودي حدثنا بكير بن الأخنس, عن رجل, عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب, وجوههم كالقمر ليلة البدر, قلوبهم على قلب رجل واحد, فاستزدت ربي عز وجل فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً» قال أبو بكر رضي الله عنه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي, حدثنا هشام بن حسان, عن القاسم بن مهران, عن موسى بن عبيد, عن ميمون بن مهران, عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ربي أعطاني سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب» فقال عمر, يا رسول الله فهلا استزدته فقال استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفاً». قال عمر: فهلا استزدته ؟ قال قد استزدته فأعطاني هكذا», وفرج عبد الله بن بكر بين يديه, وقال عبد الله: وبسط باعيه, وحثا عبد الله, وقال هشام: وهذا من الله لا يدرى ما عدده.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان, حدثنا إسماعيل بن عياش, عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص, وعليها عبد الله بن قرط الأزدي, فلم يعده, فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائداً, فقال له ثوبان: أتكتب ؟ قال: نعم, قال: اكتب, فكتب للأمير عبد الله بن قرط «من ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أما بعد فإنه لو كان لموسى وعيسى عليهما السلام بحضرتك خادم لعدته», ثم طوى الكتاب وقال له: أتبلغه إياه ؟ قال: نعم, فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط, فلما رآه, قام فزعاً, فقال الناس: ما شأنه أحدث أمر ؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة, ثم قام فأخذ ثوبان بردائه, وقال: اجلس حتى أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول «ليدخلن الجنة من أمتّي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب, مع كل ألف سبعون ألفاً» تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون, فهو حديث صحيح, ولله الحمد والمنة.
(طريق آخر): قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق الحمصي, حدثنا محمد بن إسماعيل يعني ابن عياش, حدثني أبي, عن ضمضم بن زرعة, عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي, عن ثوبان رضي الله عنه, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ربي عز وجل وعدني من أمتي سبعين ألفاً لا يحاسبون,مع كل ألف سبعون ألفاً» هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان, والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن قتادة, عن الحسن, عن عمران بن حصين, عن ابن مسعود رضي الله عنه, قال أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ثم غدونا إليه, فقال «عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها, فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة, والنبي ومعه العصابة, والنبي ومعه النفر, والنبي وليس معه أحد, حتى مر علي موسى عليه السلام ومعه كَبْكَبَة من بني إسرائيل, فأعجبوني فقلت: من هؤلاء ؟ فقيل: هذا أخوك موسىَ معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي ؟ فقيل: انظر عن يمينك, فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال, فقيل لي: أرضيت ؟ فقلت, رضيت يا رب ـ قال ـ فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفاً فافعلوا, فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب, فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق, فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله, ادع الله أن يجعلني منهم, أي من السبعين, فدعا له, فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم, فقال «قد سبقك بها عكاشة» قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف, قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئاً حتى ماتوا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هم الذين لا يسترقون, ولا يكتوون ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون» هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق, ورواه أيضاً عن عبد الصمد عن هشام عن قتادة بإسناده مثله, وزاد بعد قوله «رضيت يا رب, رضيت يا رب, قال: رضيت, قلت: نعم. قال انظر عن يسارك ـ قال ـ فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال, فقال: رضيت ؟ قلت: رضيت» وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد, ولم يخرجوه.
(حديث آخر) قال أحمد بن منيع: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز, حدثنا حماد عن عاصم عن زر, عن ابن مسعود رضي الله عنه, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ الأمم بالمواسم فراثت عليّ أمتي, ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم, قد ملؤوا السهل والجبل, فقال: أرضيت يا محمد ؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم, فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم, فقال: «سبقك بها عكاشة» رواه الحافظ الضياء المقدسي, وقال: هذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا محمد بن الجذوعي القاضي, حدثنا عقبة بن مكرم, حدثنا محمد بن أبي عدي عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن عمران بن حصين, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب» قيل: من هم ؟ قال «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون, ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون» ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان, وعنده ذكر عكاشة.
(حديث آخر) ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفاً, تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه, فقال: يا رسول الله, ادع الله أن يجعلني منهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله, فقال «سبقك بها عكاشة».
(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا سعيد بن أبي مريم, حدثنا أبو غسان عن أبي حازم, عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً ـ أو سبعمائة ألف ـ آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة, ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر» أخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابيه عن سهل به.
(حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور, حدثنا هشيم, أنبأنا حصين بن عبد الرحمن, قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال, أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت: أنا, ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة, ولكني لدغت, قال: فما صنعت ؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك ؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي ؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال «لا رقية إلا من عين أو حمة», قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع, ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط, والنبي ومعه الرجل والرجلان, والنبي وليس معه أحد, إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي, فقيل لي: هذا موسى وقومه, ولكن انظر إلى الأفق, فنظرت فإذا سواد عظيم, فقيل لي: انظر إلى الأفق الاَخر, فإذا سواد عظيم, فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, ثم نهض فدخل منزله, فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً, وذكروا أشياء, فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «ما الذي تخوضون فيه ؟» فأخبروه, فقال «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون, ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. «قال: أنت منهم», ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم, قال «سبقك بها عكاشة» وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم, وليس عنده: لا يرقون.
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة, حدثنا ابن جريج, أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر حديثاً, وفيه فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون, ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء» ثم كذلك, وذكر بقيته, رواه مسلم من حديث روح, غير أنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد, سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً, مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب, وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل» وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به, وهذا إسناد جيد.
(طريق أخرى) عن أبي أمامة. قال ابن أبي عاصم, حدثنا دحيم, حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو, عن سليم بن عامر, عن أبي اليمان الهَوْزني واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ, عن أبي أمامة عن رسول الله, قال: «إن اللهوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب» فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن الله وعدني سبعين ألفاً, مع كل ألف سبعون ألفاً وزادني ثلاث حثيات», وهذا أيضاً إسناد حسن,
(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد, حدثنا أبو توبة, حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب, ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفاً, ثم يحثي ربي عز وجل بكفيه ثلاث حثيات» فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم, وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر, قال الحافظ الضياء أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد علة, والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن سعيد, حدثنا هشام يعني الدستوائي, حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة, حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه, قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد أو قال: بقديد فذكر حديثاً وفيه ثم قال «وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب, وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة» قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة, عن النضر بن أنس, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف». قال أبو بكر رضي الله عنه: زدنا يا رسول الله. قال: «والله هكذا». فقال عمر: حسبك يا أبا بكر, فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا, فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صدق عمر» هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قاله الضياء وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني, قال: حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد, حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي, حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا أبو هلال عن قتادة, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف» فقال أبو بكر: يا رسول الله, زدنا. قال: «وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك, قلت: يا رسول الله, زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صدق عمر», هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بصري.
(طريق آخر) عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر, حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي, حدثنا حميد عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً» قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: «لكل رجل سبعون ألفاً». قالوا: زدنا, وكان على كثيب, فقال «هكذا» وحثا بيده, قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا, وهذا إسناد جيد, ورجاله كلهم ثقات, ما عدا عبد القاهر بن السري, وقد سئل عنه ابن معين فقال: صالح.
(حديث آخر) روى الطبراني من حديث قتادة عن أبي بكر بن أنس, عن أبي بكر بن عمير, عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلثمائة ألف الجنة» فقال عمير: يا رسول الله, زدنا, فقال: هكذا, بيده, فقال عمير: يا رسول الله, زدنا فقال عمر: حسبك إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «صدق عمر».
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد, حدثنا أبو توبة, حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر أن قيساً الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب, ويشفع كل ألف لسبعين ألفاً, ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه». كذا قال قيس, فقلت لأبي سعيد: آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم بأذني, ووعاه قلبي, قال أبو سعيد: فقال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وذلك إن شاء الله عز وجل يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيته من أعرابنا» وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله, وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف.
(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني, حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, حدثني أبي, حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد, عن أبي مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يَخْبِطون الأرض, تقول الملائكة: لم جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء ؟» وهذا إسناد حسن.
(نوع آخر) ـ من الأحاديث الدلة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل, وأنها خير الأمم في الدينا والاَخرة, قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا ابن جريج, أخبرني أبو الزبير عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع الجنة» قال: فكبرنا, ثم قال: «أرجو أن يكونوا ثلث الناس» قال: فكبرنا, ثم قال: «أرجو أن تكونوا الشطر», وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج به, وهو على شرط مسلم. وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟» فكبرنا, ثم قال «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟» فكبرنا, ثم قال «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة».
(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الطبراني: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور, حدثنا عفان بن مسلم, حدثنا عبد الواحد بن زياد, حدثني الحارث بن حَصِيرة, حدثني القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «كيف أنتم وثلثها ؟» قالوا: ذاك أكثر, قال: «كيف أنتم والشطر لكم ؟» قالوا: ذاك أكثر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة عشرون ومائة صف, لكم منها ثمانون صفاً» قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حَصِيرة.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا عبد العزيز بن مسلم, حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني عن محارب بن دِثار, عن ابن بريدة, عن أبيه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أهل الجنة عشرون ومائة صف, هذه الأمة من ذلك ثمانون صفاً» وكذا رواه عن عفان عن عبد العزيز به, وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به, وقال: هذا حديث حسن, ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد, عن سليمان بن بريدة, عن أبيه به.
(حديث آخر) ـ روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: حدثنا خالد بن يزيد البجلي, حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه, عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف, ثمانون منها من أمتي» تفرد به خالد بن يزيد البجلي, وقد تكلم فيه ابن عدي.
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثنا موسى بن غيلان, حدثنا هاشم بن مخلد, حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان, عن أبي عمرو, عن أبيه عن أبي هريرة, قال: لما نزلت {ثلة من الأولين وثلة من الاَخرين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم ربع أهل الجنة, أنتم ثلث أهل الجنة, أنتم نصف أهل الجنة, أنتم ثلثا أهل الجنة».
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس, عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «نحن الاَخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه, الناسُ لنا فيه تبع, غداً لليهود للنصارى بعد غد» رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, مرفوعاً بنحوه, ورواه مسلم أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نحن الاَخروة الأولون يوم القيامة, ونحن أول من يدخل الجنة» وذكر تمام الحديث.
(حديث آخر) ـ روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها, وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي», ثم قال: انفرد به ابن عقيل عن الزهري, ولم يرو عنه سواه, وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل, وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ, فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق, حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عَتّاب, حدثنا أبو حفص التنيسي ـ يعني عمرو بن أبي سلمة ـ حدثنا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد, عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري. ورواه الثعلبي: حدثنا أبو العباس المخلدي أنبانا أبو نعيم عبد الملك بن محمد, أنبانا أحمد بن عيسى التنيسي, حدثنا عمرو بن أبي سلمة, حدثنا صدقة بن عبد الله عن زهير بن محمد عن ابن عقيل به.
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح, كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها, رأى من الناس سرعة, فقرأ هذه الاَية {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة, فليؤد شرط الله فيها, رواه ابن جرير, ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} الاَية, ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات, شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم, فقال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب} أي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {لكان خيراً لهم, منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} أي قليل منهم من يؤمن با لله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم, وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.
ثم قال تعالى مخبراً عباده المؤمنين ومبشراً لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين, فقال تعالى: {لن يضروكم إلا أذى وإِن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} وهكذا وقع, فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم, وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله, وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن, وسلبوهم ملك الشام أبد الاَبدين ودهر الداهرين, ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك, ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام, فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية, ولا يقبل إلا الإسلام. ثم قال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون {إلا بحبل من الله} أي بذمة من الله, وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة {وحبل من الناس} أي أمان منهم لهم, كما في المهادن والمعاهَد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين, ولو امرأة, وكذا عبد على أحد قولي العلماء, قال ابن عباس {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي بعهد من الله وعهد من الناس وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس. وقوله {وباؤوا بغضب من الله} أي ألزموا فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه {وضربت عليهم المسكنة} أي ألزموها قدراً وشرعاً. ولهذا قال {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق} أي وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبداً متصلاً بذل الاَخرة, ثم قال تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله, وقيضوا لذلك ـ أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله عز وجل والغشيان لمعاصي الله, والاعتداء في شرع الله, فعياذاً بالله من ذلك, والله عز وجل المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود الطيالسي, حدثنا شعبة, عن سليمان الأعمش, عن إبراهيم, عن أبي معمر الأزدي, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلثمائة نبي, ثم يقوم سوق بقلهم آخر النهار.)
** لَيْسُواْ سَوَآءً مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتّقِينَ * إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هِـَذِهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي, عن ابن مسعود في قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهكذا قال السدي. ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى, قالا: حدثنا شيبان عن عاصم, عن زر, عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء, ثم خرج إلى المسجد, فإذا الناس ينتظرون الصلاة, فقال «أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم» قال: فنزلت هذه الاَيات {ليسوا سواء من أهل الكتاب ـ إلى قوله ـ والله عليم بالمتقين} والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره, ورواه العوفي عن ابن عباس ـ أن هذه الاَيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب, كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة وغيرهم, أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب, وهؤلاء الذين أسلموا, ولهذا قال تعالى: {ليسوا سواء} أي ليسوا كلهم على حد سواء, بل منهم المؤمن ومنهم المجرم, ولهذا قال تعالى: {من أهل الكتاب أمة قائمة} أي قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه, متبعة نبي الله , فهي قائمة, يعني مستقيمة {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} أي يقومون الليل ويكثرون التهجد, ويتلون القرآن في صلواتهم {يؤمنون بالله واليوم الاَخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الاَية, ولهذا قال تعالى ههنا {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} اي لا يضيع عند الله, بل يجزيهم به أوفر الجزاء {والله عليم بالمتقين} أي لا يخفى عليه عمل عامل, ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً. ثم قال تعالى مخبراً عن الكفرة المشركين بأنه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} أي لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم ضرب مثلاً لما ينفقه الكفار في هذه الدار, قاله مجاهد والحسن والسدي, فقال تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر} أي برد شديد, قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم. وقال عطاء: برد وجليد, وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد {فيها صر} أي نار وهو يرجع إلى الأول, فإن البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار, كما يحرق الشيء بالنار {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} أي فأحرقته, يعني بذلك السفعة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده, فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع, فذهبت به وأفسدته, فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها, كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون}.
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلآءِ تُحِبّونَهُمْ وَلاَ يُحِبّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضّواْ عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
يقول تبارك وتعالى ناهياً عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة, أي يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم, والمنافقون بجهدهم وطاقتهم, لا يألون المؤمنين خبالاً, أي يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن, وبما يستطيعون من المكر والخديعة, ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم, وقوله تعالى: {لا تتخذوا بطانة من دونكم} أي من غيركم من أهل الأديان, وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخلة أمره. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما, من حديث جماعة منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه, وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه, والمعصوم من عصم الله», وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه, فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضاً, وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي أيوب الأنصاري فذكره فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان, حدثنا عيسى بن يونس عن أبي حيان التيمي, عن أبي الزنباع, عن ابن أبي الدهقانة, قال: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن ههنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب, فلو اتخذته كاتباً, فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الاَية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين وإطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب, ولهذا قال تعالى: {لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتم}, وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل, حدثنا هشيم, حدثنا العوام عن الأزهر بن راشد, قال: كانوا يأتون أنساً فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو, أتوا الحسن يعني البصري, فيفسره لهم, قال: فحدث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا تستضيئوا بنار المشركين, ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» فلم يدروا ما هو, فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنساً حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تستضيئوا بنار المشركين, ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» فقال الحسن: أما قوله «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً»: محمد صلى الله عليه وسلم, وأما قوله «لا تستضيئوا بنار المشركين» يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله تعالى, وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى, عن هشيم, ورواه الإمام أحمد عن هشيم بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري, وهذا التفسير فيه نظر ومعناه ظاهر «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» أي بخط عربي, لئلا يشابه نقس خاتم النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه كان نقشه محمد رسول الله, ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين, فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم, بل تباعدوا منهم, وهاجروا من بلادهم, ولهذا روى أبو داود «لا تتراءى ناراهما» وفي الحديث الاَخر «من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله» فحمل الحديث على ما قاله الحسن رحمه الله, والاستشهاد عليه بالاَية فيه نظر, والله أعلم.
ثم قال تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} أي قد لاح على صفحات وجوههم, وفلتات ألسنتهم من العداوة, مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله, ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل, ولهذا قال تعالى: {قد بينا لكم الاَيات إن كنتم تعقلون} وقوله تعالى: {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} أي أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرونه لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك, وهم لا يحبونكم لا باطناً ولا ظاهراً, {وتؤمنون بالكتاب كله} أي ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب, وهم عندهم الشك والريب والحيرة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جبير, عن ابن عباس {وتؤمنون بالكتاب كله} أي بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك, وهم يكفرون بكتابكم, فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم, رواه ابن جرير, {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} والأنامل أطراف الأصابع, قاله قتادة. وقال الشاعر:
أَوَدّ كما ما بَلّ حلقي ريقتيوما حملت كفاي أنملي العشرا
وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع, وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة, وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه, كما قال تعالى: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وذلك أشد الغيظ والحنق. قال الله تعالى: {قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} أي مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم, فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه, ومعل كلمته ومظهر دينه, فموتوا أنتم بغيظكم {إن الله عليم بذات الصدور} أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين, وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون, وفي الاَخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها لا محيد لكم عنها, ولا خروج لكم منها. ثم قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين, وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم, ساء ذلك المنافقين, وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء, لما لله تعالى في ذلك من الحكمة ـ كما جرى يوم أُحد ـ فرح المنافقون بذلك, قال الله تعالى مخاطباً للمؤمنين {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} الاَية, يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم, فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان, وما لم يشأ لم يكن, ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته, ومن توكل عليه كفاه.
ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى
|