عرض مشاركة واحدة
قديم 19-11-2004, 23:04   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
seed_alcarro
عضو متواصل
 
إحصائية العضو








seed_alcarro غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 20
seed_alcarro is on a distinguished road

 

 

هل التخلي عن العروبة هو مفتاح السلام؟ في الهوية السودانية

د. عبدالوهاب الافندي
في الاسبوع الماضي، عقد المتحف البريطاني حلقة نقاشية حول موضوع الهوية السودانية. وقد كان العنوان المقترح للحلقة التي نظمت بالتعاون مع صحيفة الغارديان هو من هم السودانيون؟ ، حيث كانت تنتظم علي هامش المعرض الذي اقامه المتحف للاثار السودانية. ولكن العنوان تغير بعد ذلك الي: ابعد من دارفور: الهوية والصراع في السودان .
ويستند هذا الخيار الي فرضية كثر طرحها في الاونة الاخيرة مفادها ان الصراع في السودان هو صراع علي الهوية بمعني اخر، ان الخلاف علي الهوية هو الدافع للصراع. والجانب الاخر لهذا الطرح بأنه لو توحد السودانيون حول هوية واحدة فان الصراع سينتهي فورا.
واذا شئنا التحديد والدقة، فان حجة انصار هذا الطرح تذهب الي ان الاصل في المشكلة هو تمسك بعض السودانيين بهويتهم العروبية والاسلامية، وانه لو تخلي هؤلاء عن عروبتهم واسلامهم، واكتفوا بتعريف انفسهم بأنهم سودانيون افارقة لا غير، فان السلام سيعم ربوع البلاد.
ولتعضيد هذه المقولة يضيف اصحابها حجتين: الاولي هي ان التمسك بالهوية العربية من قبل السودانيين الشماليين يتخذ من قبلهم مبررا للاستعلاء علي اخوانهم الافارقة واحتقار الثقافات المحلية. وهذا الاستعلاء يترجم نفسه بمحاولات لفرض هذه الهوية علي الاخرين عبر الاسلمة والتعريب واستخدام العنف لمحو الثقافات الاخري. اما الحجة الثانية فتضيف ان هذا التمسك يكشف ايضا عن خلل في المفاهيم، بل خداع للذات، فمن المضحك ان يدعي السودانيون، وهم افارقة سود كما تدل سحنتهم، بأنهم عرب اقحاح ينتمون الي معد بن عدنان. ولا ريب ان التمسك بمثل هذه الاوهام هو تعبير عن احتقار متأصل للذات، وللهوية الافريقية الحقيقية للسودانيين الشماليين الذين يخجلون منها ويهربون منها الي وهم عروبية لا حقيقة لها.
ومحصلة الامر هي ان تخلي الشماليين عن اوهام العروبة يعتبر ظاهرة صحية، لانه تخل عن اوهام نتجت عن احتقار الذات، وتصحيح لحالة مرضية وهو فوق ذلك تطور صحي لانه يخلص البلاد من الصراع الناتج من الاستعلاء الذي ولده هذا الوهم، حيث سيعود كل السودانيين اخوة في هويتهم الافريقية المشتركة.
وكنا في السابق تناولنا، وعلي صفحات هذه الصحيفة، هذا الطرح بالنقد والتشريح، وذلك في السجال الذي دار بيني وبين الدكتور فرانسيس دينج، احد ابرز المروجين لهذه الاطروحة. وفي الحلقة النقاشية المشار اليها التي عقدها المتحف البريطاني الاسبوع الماضي، وكنت من المشاركين فيها، اعيد هذا الطرح علي لسان مشاركين في النقاش، هما الاستاذ احمد ابراهيم دريج، حاكم دارفور الاسبق، والدكتور جوك مادوت جوك احد الناشطين الجنوبيين، والاكاديمي الذي يدرس في الجامعات الامريكية وقد اعدت الرد عليها في ذاك المنبر.
وكما لا يخفي فان هذه القضية تحتاج الي نقاش مستفيض من قبل كل المثقفين السودانيين ولكن هناك نقاطا مهم لا بد من التأكيد عليها كأساس لهذا الحوار. واول هذه النقاط هي ان تعدد الهويات في العالم وفي الوطن الواحد، وتصادمها، لا يمكن ان يكون سببا للصراع او مبررا له، ذلك ان تعدد الهويات وتعايشها هو من طبيعة الواقع الانساني ولن تستطيع قوة علي الارض محو هذه التعددية.
ثاني هذه النقاط هو ان كل فرد وجماعة هي الاحق بتحديد وتعريف هويتها، وانه لا يحق لاي كان ان يفرض علي الاخرين الهوية التي يختارون او يشكك في هويتهم التي اختاروا. وقد ضرب لهذا مثالا بحالة مسلمي البوسنة، الذين يصر كل من الصرب والكروات علي نسبتهم عرقيا الي طائفتهم، فيزعم الصرب ان اهل البوسنة صرب اسلموا ويجادل الكروات بأنهم بالعكس، كروات مسلمون، ولكن مسلمي البوسنة انفسهم يرفضون هذه المزاعم، ويصرون علي هويتهم الدينية والعرقية المتميزة. نفس الشيء يحدث في تركيا، حيث يرفض الاتراك اصرار الاكراد علي هوية كردية منفصلة، ويصرون علي تسميتهم اتراك الجبال .
وفي كل هذه الحالات فان العنف لم ينتج عن تمسك البعض بهوية معينة، بل من محاولة اخرين منازعتهم في هذه الهوية وانكار حقهم في التمسك بها.
في الحالة السودانية فان انكار الهوية العربية علي اهل السودان المتمسكين بها لا يعكس خللا في المفاهيم فقط، بل يعبر كذلك عن عنصرية مزدوجة. الخلل يعود الي فهم مغلوط للهوية العربية باعتبارها هوية عرقية وهذا الفهم يغفل ان الهوية العربية هي في اساسها تعبير عن المشاركة في فضاء ثقافي ـ لغوي معين، لم يكن يفترض له النقاء العرقي حتي في حقبته الاولي. فنحن نجد في التاريخ العربي حتي في ما قبل الاسلام تقسيم العرب الي عرب عاربة وعرب مستعربة، مما يعني ان هذا الفضاء الثقافي كان منذ البداية مفتوحا علي الخارج. وليس ادل علي هذا ان اسماعيل عليه السلام، الذي يعتبره كثير من العرب جدهم، وهو بالقطع جد الرسول العربي محمد صلي الله عليه وسلم، لم تجر في عروقه نقطة دم عربية واحدة، اذ كان كلداني الاب، مصري الام.
ولا نحتاج هنا الي ان نفصل هنا ان الفضاء الثقافي العربي قد انفتح في حقبة ما بعد الاسلام لاستيعاب ثقافات وحضارات اشورية واغريقية وكنعانية وفينيقية وعبرية ورومانية، وبالطبع افريقية (وحتي اوروبية في الاندلس).
من جهة اخري فان الهوية السودانية الشمالية، كما يكشف المعرض المقام حاليا في المتحف البريطاني ـ وهو بالمناسبة مفتوح مجانا لكل الزوار ـ هي هوية راسخة نمت وتطورت خلال اكثر من مئتي الف عام، وقامت علي حضارة عاصرت ونافست الحضارات المصرية القديمة والبابلية والاشورية، وسبقت في الوجود الحضارات الاغريقية والرومانية وتفاعلت معها من موقع قوة.
ولكن الذي يتميز به الفضاء الحضاري السوداني علي الحضارات المذكورة هو الاستمرارية في وضع من الاستقلال الذاتي والتواصل السكاني. فبخلاف العراق ومصر واليونان وايطاليا، مهد الحضارات القديمة الاخري، والتي تعرضت لاجتياحات متلاحقة قطعت الي حد كبير (وبعنف) التواصل بين تركيبتها السكانية والثقافية الاصلية وبين حاضرها، فان السودان تمتع باستقلال ذاتي وحماية من الاجتياحات الخارجية العنيفة لاكثر من ثلاثة الاف عام مما اعطاها وضعا فريدا في العالم.
وعندما تعرض السودان لاول اجتياح اجنبي حديث علي يد قوات محمد علي من مصر في عام 1821 كانت هويته قد تشكلت عبر تفاعل داخلي طويل، كما ان الاحتلال المصري جاء ليعمق ويعزز الهوية القائمة لا ليناقضها.
من هنا فان انتماء السودان الي الفضاء الحضاري الثقافي لجنوب المتوسط (الذي اصبح اليوم قلب العالم العربي) هو انتماء اصيل، سابق لانتماء كثير من وحدات هذا العالم، بما في ذلك الجزيرة العربية نفسها، فعل سبيل المثال نجد السودان اعتنق الديانة المسيحية منذ القرن الخامس الميلادي، واصبحت اللغة الاغريقية هي اللغة الرسمية فيه، بدون ان يتعرض لفتح اجنبي. ولو ان منتقدي الهوية العربية عاصروا تلك الحقبة لسخروا بنفس القدر من هذا التشبث بزعمهم بهوية اجنبية !
من هنا تتكشف طبيعة العنصرية المزدوجة التي يصدر عنها الازدراء والتشكيك بالهوية العربية لاهلها من اهل شمال السودان حيث تربط العروبة باللون، وليس باللسان والانتماء الحضاري، وبالمساهمة في اثراء الثقافة العربية من المقاعد الامامية وليس من الصفوف الخلفية. هناك ايضا التسليم المفترض بأن الانتساب الي الهوية العربية يبرر الاستعلاء العرقي ويقترن به لدرجة ان التخلي عن هذه الهوية يعتبر الطريق الوحيد للتخلص من الاحتكاك والاستعلاء.
وهذه كلها افتراضات خاطئة فوق كونها تقوم علي فهم ومنطلق عنصري، فالفضاء الثقافي العربي ليس مغلقا علي فئة عرقية بعينها، كما ان الانتماء للعرب لا يقترن باستعلاء عنصري تحديدا بسبب هذا الانفتاح، وايضا لاقترانها بالاسلام الذي يدين ويرفض الاستعلاء والعنصرية.
وقد كنت استمع قبل اسابيع لشاب سنغالي يدرس في السودان وهو يلقي قصيدة رائعة لشاعرة سودانية تندب فيها مأساة العروبة المحلية، وكان الالقاء حماسيا رائعا يكشف عن عاطفة دفاقة، وانتماء حقيقي للفضاء الثقافي العربي. وهذا بدوره يشير الي ان مئات الملايين من المسلمين في افريقيا واسيا واوروبا يشعرون بكثير من الانتماء الي الفضاء الثقافي العربي الذي هو قلب الوجود الاسلامي، مع اعتزازهم بهوياتهم المنفصلة.
من هنا نخلص الي ان التهجم علي الهوية العربية لاهل شمال السودان هو اتجاه خاطيء من كل وجه: اخلاقيا وسياسيا وتاريخيا وحضاريا وايضا من وجهة نظر الحقيقة، وهو لا يخدم قضية الوحدة والتصالح والتعايش في السودان وهو علي كل مضيعة للوقت والجهد، لانه لن يؤثر في اعتزاز عرب السودان بعروبتهم.
هذا لا ينفي ان هناك نزعات عنصرية بين بعض عرب السودان، وهناك ايضا استعلاء عرقي بين غيرهم. ويجب ان يتوحد السودانيون حول محاربة العنصرية والاستعلاء العرقي من اي جهة صدر. هناك ايضا مطالب مشروعة للعناصر غير العربية في السودان يأن تعبر الدولة بصدق عن التعددية العرقية والدينية في السودان والا تكون احادية التوجه.
واخيرا نذكر بأن الصراع حول هوية البلاد ليس هو صراع بين ثقافة عربية مستوردة وثقافات محلية.. فالقوي المعادية للثقافة العربية لا تدعو لان تكون لغة الدينكا او لغة الغور هي اللغة الرسمية للبلاد، بل تتبني ان تكون اللغة الانكليزية والديانة المسيحية هما السائدتان. اذن الصراع هو بين الثقافة العربية وهي ثقافة محلية تم تطويرها بهوية سودانية وطابع سوداني خاص خلال اكثر من اثني عشر قرنا، وساهم في تطويرها السودانيون بكل فئاتهم، بما في ذلك اهل الجنوب، ودارفور والشرق وفوق كل ذلك، السودانيون النوبيون، المجسدون فعلا لاستمرارية الهوية السودانية عــبر الاف السنين.
الحوار حول الهوية السودانية يجب ان يستمر، وسيستمر بلا شك، ولكن هذا الحوار يجب ان يكون بين المفكرين والعلماء والادباء والفنانين وكل المهتمين، والا يتحول الي شعارات تفرض بقوة السلاح، خاصة حين يكون حملة السلاح من الاميين ومجرمي الحرب.

التوقيع

أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا
بالذي أصبح شمسا في يدينا
وغناء عاطرا تعدو به الريح
فتختال الهوينى يا بلادي
من كل قلب يا بلادي

seed_alcarro غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس