لمـــاذا لا ننتـــــحر .....!!؟؟
لماذا تمرض نفوسنا؟!!
المؤمن لا يعرف شيئا اسمه المرض النفسي لأنه يعيش
في حالة قبول و انسجام مع كل ما يحدث له من خير و شر.. فهو كراكب
الطائرة الذي يشعر بثقة كاملة في قائدها و في أنه لا يمكن أن يخطئ
لأن علمه بلا حدود، و مهاراته بلا حدود.. فهو سوف يقود الطائرة بكفاءة في
جميع الظروف و سوف يجتاز بها العواصف و الحر و البرد و الجليد و الضباب..
و هو من فرط ثقته ينام و ينعس في كرسيه في اطمئنان و هو لا يرتجف
و لا يهتز إذا سقطت الطائرة في مطب هوائي أو ترنحت في منعطف أو مالت
نحو جبل.. فهذه أمور كلها لها حكمة و قد حدثت بارادة القائد و علمه و غايتها
المزيد من الأمان فكل شيء يجري بتدبير و كل حدث يحدث بتقدير و ليس
في الإمكان أبدع مما كان.. و هو لهذا يسلم نفسه تماما لقائده بلا مساءلة
و بلا مجادلة و يعطيه كل ثقته بلا تردد و يتمدد في كرسيه قرير العين ساكن
النفس في حالة كاملة من تمام التوكل.
و هذا هو نفس إحساس المؤمن بربه الذي يقود سفينة المقادير
و يدير مجريات الحوادث و يقود الفلك الأعظم و يسوق المجرات في مداراتها
و الشموس في مطالعها و مغاربها.. فكل ما يجري عليه من أمور مما لا طاقة
له بها، هي في النهاية خير.
إذا مرض و لم يفلح الطب في علاجه.. قال في نفسه.. هو خير..
و اذا احترقت زراعته من الجفاف و لم تنجح وسائله في تجنب الكارثة..
فهي خير.. و سوف يعوضه الله خيرا منها.. و اذا فشل في حبه.. قال في
نفسه حب فاشل خير من زيجة فاشلة.. فاذا فشل زواجه.. قال في نفسه
الحمد لله أخذت الشر و راحت..
و الوحدة خير لصاحبها من جليس السوء.. و اذا أفلست تجارته قال
الحمدلله لعل الله قد علم أن الغنى سوف يفسدني و أن مكاسب الدنيا
ستكون خسارة علي في الآخرة.. و اذا مات له عزيز.. قال الحمدلله..
فالله أولى بنا من أنفسنا و هو الوحيد الذي يعلم متى تكون الزيادة في
أعمارنا خيرا لنا و متى تكون شرا علينا.. سبحانه لا يسأل عما فعل.
و شعاره دائما: (و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و
عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لاتعلمون)
و هو دائما مطمئن القلب ساكن النفس يرى بنور بصيرته
أن الدنيا دار امتحان و بلاء و أنها ممر لا مقر، و أنها ضيافة مؤقتة شرها زائل و خيرها زائل..
و أن الصابر فيها هو الكاسب و الشاكر هو الغالب.
لا مدخل لوسواس على قلبه و لا لهاجس على نفسه، لأن نفسه دائما مشغولة
بذكر العظيم الرحيم الجليل و قلبه يهمس: الله.. الله..
مع كل نبضة، فلا يجد الشيطان محلا و لا موطئ قدم و لا ركنا مظلما في
ذلك القلب يتسلل منه.
و هو قلب لا تحركه النوازل و لا تزلزله الزلازل لأنه في مقعد الصدق الذي لا تناله الأغيار.
و كل الأمراض النفسية التي يتكلم عنها أطباء النفوس لها عنده أسماء أخرى:
الكبت اسمه تعفف
و الحرمان رياضة
و الاحساس بالذنب تقوى
و الخوف (و هو خوف من الله وحده) عاصم من الزلل
و المعاناة طريق الحكمة
و الحزن معرفة
و الشهوات درجات سلم يصعد عليها بقمعها و يعلو عليها بكبحها الى منازل
الصفاء النفسي و القوة الروحية
و الأرق.. مدد من الله لمزيد من الذكر.. و الليلة التي لا ينام فيها نعمة تستدعي
الشكر و ليست شكوى يبحث لها عن دواء منوم فقد صحا فيها الى الفجر و قام للصلاة
و الندم مناسبة حميدة للرجوع الى الحق و العودة الى الله
و الآلا م بأنواعها الجسدي منها و النفسي هي المعونة الالهية التي يستعين
بها على غواية الدنيا فيستوحش منها و يزهد فيها
و اليأس و الحقد و الحسد أمراض نفسية لا يعرفها و لا تخطر له على بال
و الغل و الثأر و الانتقام مشاعر تخطاها بالعفو و الصفح و المغفرة
و هو لا يغضب الا لمظلوم و لا يعرف العنف الا كبحا لظالم
و المشاعر النفسية السائدة عنده هي المودة و الرحمة و الصبر و الشكر و الحلم
و الرأفة و الوداعة و السماحة و القبول و الرضا
تلك هي دولة المؤمن التي لا تعرف الأمراض النفسية و لا الطب النفسي..
و الأصنام المعبودة مثل المال و الجنس و الجاه و السلطان، تحطمت و لم
تعد قادرة على تفتيت المشاعر و تبديد الانتباه.. فاجتمعت النفس على
ذاتها و توحدت همتها، و انقشع ضباب الرغبات و صفت الرؤية و هدأت الدوامة
و ساد الاطمئنان و أصبح الانسان أملك لنفسه و أقدر على قيادها و تحول من
عبد لنفسه الى حر بفضل الشعور بلا اله الا الله.. و بأنه لا حاكم و لا مهيمن
و لا مالك للملك الا واحد، فتحرر من الخوف من كل حاكم و من أي كبير بل ان
الموت أصبح في نظره تحررا و انطلاقا و لقاء سعيد بالحبيب.
اختلفت النفس و أصبحت غير قابلة للمرض.. و ارتفعت الى هذه المنزلة بالايمان
و الطاعة و العبادة فأصبح اختيارها هو ما يختاره الله، و هواها ما يحبه الله..
و ذابت الأنانية و الشخصانية في تلك النفس فأصبحت أداة عاملة و يدا منفذة
لارادة ربها. و هذه النفس المؤمنة لا تعرف داء الاكتئاب، فهي على العكس نفس
متفائلة تؤمن بأنه لا وجود للكرب مادام هناك رب.. و أن العدل في متناولنا مادام
هناك عادل.. و أن باب الرجاء مفتوح على مصراعيه مادام المرتجى و القادر حيا لا يموت.
و النفس المؤمنة في دهشة طفولية دائمة من آيات القدرة حولها و هي في
نشوة من الجمال الذي تراه في كل شيء.. و من ابداع البديع الذي ترى آثاره
في العوالم من المجرات الكبرى الى الذرات الصغرى.. الى الالكترونات المتناهية
في الصغر.. و كلما اتسعت مساحة العلم اتسع أمامها مجال الادهاش
و تضاعفت النشوة.. فهي لهذا لا تعرف الملل و لا تعرف البلادة أو الكآبة.
و حزن هذه النفس حزن مضيء حافل بالرجاء، و هي في ذروة الألم و المأساة
لا تكف عن حسن الظن بالله.. و لا يفارقها شعورها بالأمن لأنها تشعر بأن الله
معها دائما، و أكثر ما يحزنها نقصها و عيبها و خطيئتها.. لا نقص الآخرين و عيوبهم..
و لكن نقصها لا يقعدها عن جهاد عيوبها.. فهي في جهاد مستمر و في تسلق
مستمر لشجرة خطاياها لتخرج من مخروط الظل الى النور المنتشر أعلى الشجرة
لتأخذ منه الحياة لا من الطين الكثيف أسفل السلم.
إنها في صراع وجودي و في حرب تطهير باطنية.. و لكنه صراع هادئ واثق
لا يبدد اطمئنانها و لا يقتلع سكينتها لأنها تشعر بأنها تقاتل باطلها بقوة
الله و ليس بقوتها وحدها.. و الاحساس بالمعية مع الله لا يفارقها، فهي
في أمن دائم رغم هذا القتال المستمر لأشباح الهزيمة و لقوى العدمية
بداخلها.. فهي ليست وحدها في حربها.
ذلك هو الجهاد الأكبر الذي يشغل النفس عن التفاهات و الشكايات و الآلام
الصغيرة و يحفظها من الانكفاء على ذاتها و الرثاء لنفسها و الاحتفاء بمواهبها..
فهي مشغولة عن نفسها بتجاوز نفسها و تخطي نفسها و العلو على ذاتها..
فهي في رحلة خروج مستمرة.. رحلة تخطي و صعود، و دستورها هو:
(أن تقاوم أبدا ما تحب و تتحمل دائما ما تكره)
و مشاعر هذه النفس منسابة مع الكون متآلفة مع قوانينه متوافقة مع سننه
متكيفة بسهولة مع المتغيرات حولها.. فيها سلاسة طبيعية و بساطة تلقائية..
تلتمس الصداقة مع كل شيء.. و مثالها الكامل هو النبي محمد صلى الله عليه و سلم
حينما كان يحتضن جبل أحد و يقول: هذا جبل يحبنا و نحبه.. فالمحبة الشاملة هي
أصل جميع مشاعرها.. انها في صلح دائم مع الطبيعة و مع القدر و مع الله..
و الوحدة بالنسبة لهذه النفس ليست وحشة بل أنس.. و ليست خواء بل امتلاء..
و ليست فراغا بل انشغال.. و ليست صمتا.. بل حوار داخلي و استشراف نوراني..
و هي ليست وحدة بل حضن آمن.. و عذابها الوحيد هو خطيئتهاو احساسها بالبعد
و الانفصال عن خالقها.. و هو عذاب يخفف منه الايمان بأن الله عفو كريم تواب يحب
عباده الأوابين المستغفرين.. و هي أقرب ما تكون الى ربها و هي ساجدة ذائبة
حبا و خشوعا.. يقول بعض الأولياء الصالحين: نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا
عليها بالسيوف، و لكن أنى للملوك أن يعرفوها و هم غرقى الدنيا و سجناء ماديتها.
إن السبيل الى ميلاد تلك النفس و خروجها من شرنقتها الطينية هو الدين
و الطاعة و المجاهدة و لا يوجد سبيل آخر لميلادها.. فالعلم لا يلد الا غرورا
و الفن لا يلد الا تألها.. و الدين وحده هو المحضن الذي تتكامل فيه النفس
و تبلغ غايتها.
و بين العلماء مرضى نفوس مشغولون باختراع القنابل و الغازات السامة.
و بين الفنانين متألهون غرقى اللذائذ الحسية
و الدين وحده هو سبيل النفس الى كمالها و نجاتها و شفائها.
و النفس المؤمنة نفس عاملة ناشطة في خدمة اللآخرين و نجدتهم لا يقطعها
تأملها عن الشارع و السوق و زحام الأرزاق.. و العمل عندها عبادة.. و العرق
و الكدح علاج و دواء و شفاء من الترف و أمراض الكسل و التبطل.. حياتها
رحلة أشواق و مشوار علم و رسالة خدمة.. و العمل بابها الى الصحة النفسية..
و منتهى أملها أن تظل قادرة على العمل حتى النفس الأخير و أن تموت و هي
تغرس شجرة أو تبني جدارا أو توقد شمعة.. تلك النفس هي قارب نجاة، و هي
في حفظ من أي مرض نفسي، و لا حاجة بها الى طب هذه الأيام، فحياتها في
ذاتها وصفة سعادة..
| التوقيع |
|

|
|