|
العزيز شجراوي ...
تعلم أننا عقدنا العزم على العودة لرحاب الوطن سوياً .. بل كان لك فضل اختيار اليوم .. وترتيب الحجوزات ..ولكن .. !!!!
لم نكن نملك خياراً آخر .. انتقلت من حضنك الملئ بالفتوة .. والنبل ..لألج وطن النبل ..وطني .. وطنك .. وطنا ...
وطنا البي إسمك كتبنا ورطنا .. أحبك .. أحبك مكانك صميم الفؤاد ..
وبإسمك أغني ..تغني السواقي ..خيوط الطواقي .. سلام التلاقي ..ودموع الفراق ...
وأحبك ملاز ..وناسك عزاز ..أحبك حقيقة ..وأحبك مجاز ..
الاعزاء بحق ..عشاق السودان
أغرقتني واجبات السنوات الستة الاجتماعية .. طوقت مسيرتي .. وأرغمتني على الدخول للوطن بفيزا " زائر خاص " .. والخصوصية لا تعود لي ..بل تعود لأسباب خاصة وراء الزيارة التي قمت بها لكل بيت دخلته .. وكان من الصعب جداً إعادة الزيارة للكل .. فبقدر جوعي واشتياقي للناس ..الأصدقاء ..الأهل .. كنت أتضور جوعاً وشوقاً .. للنيل .. والهمبريب .. وزحمة الشوارع..(وسماع العبارات المتكررة ..معليش ..آسف ..ما ختيت بالي ..سوري ..تكبر وتأخد غيرها .. )والجميع يتسابقون .. في الشوارع التي ما اتسعت إلا لتضيق .. تضيق ذرعاً بمن تفتقدهم .. شباباً وكهول .. نساءاً ورجال .. اشتاق لزحمة الخرطوم ..وسخانة الخرطوم ..ومواصلات الخرطوم .. ونقاشاتها التي لو وجدت من يدونها ..يوماً بيوم ..لأخرج كنزاً ثميناً يثري به مكتبتنا السودانية .. حوارات بليغة .. في صلب الواقع ..سخرية لاذعة .. بسيطة التركيب .. تسهم في حل أصعب العقد .. تلقائية بلا تكلف ..طيبة بدون انتظار للمقابل .. الناس هم نفس الناس الذين تركتهم منذ تلك السنون ..لم تفارقهم الإلفة ..والحنين ..زادتهم الأيام ألقاً على ألق .. ما تغير إلا من تركناهم أطفالاً وقتها ..ليصبحو الآن هم رجال الساحة .. قادةً لمنابر سياسية في الجامعات .. وأصحاب نفوذ ومراكز قوة بالحي .. غارقون في الدراسات العليا .. ومعاهد التعليم ..والمراكز الثقافية .. مشغولون بهموم تفوق أجسامهم النحيلة " الكتوف اتلاحقت " وأكياس التمباك ..والأنفاس المخمسة ..صارت تتداول بينهم وبين من كانو في سننا .. لا تكاد تميز بين الدفعات .. الاحترام لم يعد للسن فقط .. بل صار وبقدر أكبر لصاحب الانتاج .. مهما كانت ثمرة ذلك الانتاج مادياً أو معنوياً ..اختفت روح التعالي .. وكلمات على شاكلة " يا شافع قوم جيب لي الحاجة ديك " .. الشفع كبرو وصاروا أكثر نضاراً واشراقاً منا .. الكبت ..المعاناة ..الضيق .. الحياة وتعقيداتها .. الجبهة بمسمياتها الكثيرة وسمومها القذرة .. أرغمت الكثيرين على العمل لتجاوز الضيق ..
أحبائي ساعود من جديد لأحكي عن هذه التجربة .. لو أمد الله في الأيام ..
| التوقيع |
|

**
الشهداء أكرم منا جميعاً ..!!!
|
|