رسالة إلى غير المسلمين
لماذا الإسلام ؟
إعداد : مسلمة
حقوق الطبع غير محفوظة
لكل مسلم الحق في الترجمة و النسخ و التوزيع بشرط
عدم تغيير أي شئ و عدم إنقاص أي صفحة
إهداء
إلى غير المسلمين ..
أُهدي هذا العمل المتواضع المختصر ..
ليتعرفوا على ديننا .. الإسلام .. أملي أن يقرؤوه بحياد و تجرد للحق ..
إلى أستاذي في علم الأجنّة ..
الذي طالما بهرنا بغزير علمه و شخصيته الرائعة الراقية ..
و لكن ما أحزننا هو أنه ليس على ملة الإسلام ..
فمِثلُ هذا لا يَخْفَى عليه الحق , إلا أن يكون الحقُّ لم يُعرض عليه ..
فأسأل الله سبحانه أن يشرح صدره ..
و أن يريه الحق حقَّاً و يعينه على اتباعه ..
فمن المؤسف أن يخسر الإسلام أمثال هؤلاء ..
إليه أُهدي هذا الجهد المتواضع .
مقدمة
هذه الوريقات ..
هي مجرد طَرَقَات على الأبواب و ليست وُلوجاً كاملاً .. و مجرد كلمات موجزة و إضاءات خافتة تنيرُ بعضَ الطريق و ليس كُله .. عَلَّها تجعل قارئها يقرأ أكثر عن الإسلام ليستبين له سبيل الرشاد ..
الإسلام هو رسالة الله الخاتمة إلى البشر – بعد اليهودية و المسيحية – أنزل الله تعالى تعاليمها في القرآن الكريم على رسوله محمد صلى الله عليه و سلم قبل أكثر من ألف و أربعمائة عام .
و هي ليست إلى قوم مُعيَّنين , بل هي رسالة شاملة كاملة إلى كل البشر إلى يوم القيامة . و قد حَوَتْ من التشريع ما يحقق للإنسان سعادة الدنيا والآخرة.
و قد نسخت ما قبلها من الديانات , فبعد بعثة محمد عليه الصلاة و السلام لا يقبل الله تعالى غير الإسلام .
{ و من يبتغِ غير الإسلام دِيناًًًً فلن يُُقُبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } , و قد كانت الديانات السابقة مقبولة في وقت بعثة أنبيائها و لم تعد كذلك بعد مجيء محمد صلى الله عليه و سلم .
و قد انتشر الإسلام في مشارق الأرض و مغاربها , و ألغى كل الفوارق – الإقليمية و العِرقية و الجغرافية ..الخ – بين البشر و جعلهم أمة واحدة لكل فرد فيها حقوقه الإنسانية كاملة دون التفات إلى أصله أو مستواه الإجتماعي أو غيرها من الأمور , و جعل التفاوت بين الناس لا يكون إلا بالتقوى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) حديث شريف .
و قد عمدنا في هذا العرض الموجز إلى بيان بعض جوانب بعثة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم , وعرض لبعض الإعجاز العلمي في القرآن الكريم و الذي حَيَّرَ علماء العصر الحديث و جعلهم يؤمنون بأن القرآن كتاب من عند الله و لا يمكن أن يكون من صنع إنسان – كما يزعم بعض غير المسلمين - . و كذلك تناولنا بإيجاز موضوع ألوهية المسيح عليه السلام وصلبه , و بعض المواضيع الأخرى المتعلقة بالإسلام ..
و قد عاشت حضارة الإسلام قوية منتشرة في ربوع الأرض , يعيش المسلمون و غير المسلمين تحت مظلة عدل حُكَّامها و إنصاف أحكامها .. و قد ازدهرت العلوم بكل فروعها , و انتشر العلم . و قد كانت أوروبا – بعد خروجها من عصورها المظلمة التي كان رجال الدين فيها يحرقون العلماء أحياء – كانت تستقي علومها من المسلمين و ترسل أبناءها لتعلُّم اللغة العربية و أخذ العلم من العلماء المسلمين - وهذا ما يعترف به الغرب أنفسهم – و كانت اكتشافات المسلمين و إنجازاتهم هي المنطلق الذي بدأت منه أوروبا نهضتها العلمية .
و عاشت حضارة الإسلام في عِزٍّ و ازدهار قروناً طويلة في كل المجالات السياسية , و الاقتصادية , و الاجتماعية , و العلمية .. الخ , إلى أن بدأت مرحلةُ الانحدار في القرون المتأخرة - و قصة الانحدار و أسبابه قصة طويلة ليس المقام هنا لعرضها - و أصبح المسلمون اليوم يعيشون الإسلام بقشوره دون تمسك بقيمه الأصيلة و تعاليمه الحنيفة , وهذا هو سبب تأخرهم و جهلهم و ذُلهِّم اليوم .
و قد أردت بهذا الكلام أن أنبه القارئ عن الإسلام و الباحث عن الحقيقة ألا يكون واقع المسلمين اليوم مرجعاً له في الحكم على الإسلام فهذا الحال الذي يعيشونه اليوم من استضعاف و تأخُّر و بُعد عن الدين ليس أصلاً في المسلمين و إنما هو حال تردوا إليه . فإذا أراد معرفة الإسلام الصحيح فعليه بالقرآن و سنة رسول الله و الكتب المعتبرة لدى أهل السُّنَّة و الجماعة .
و قبل أن أختم ..
فقد سمعتُ امرأة غير مسلمة تقول بعد أن سمِعَتْ عن المبادئ النبيلة و المثُُل و الغايات التي يسعى الإسلام إلى تحقيقها : " لستُ بحاجة إلى الدين لكي أعتنق مثل هذه المبادئ , فأنا أعيش بهذه الأخلاق لأني مقتنعة بأن هذا هو الصواب , و لست بحاجة إلى الدين كي أكون إنسانة جيدة " . نقول : إن هذه المرأة قد تعيش حياة جيدة الآن , و هي على قيد الحياة , و لكن كيف يكون حالها بعد الموت عندما تصطدم بالحقيقة الهائلة .. حقيقة الخلود الأبدي .. إما في الجنة , و إما في الجحيم !!
حقيقة أن الوصول إلى الجنة لا يكون إلا عبر الدين .. و الدين الصحيح وحده !
والله َ أسأل أن يتقبله عملاً خالصاً لوجهه الكريم ..
و أن يشرح به الصدور و ينير به القلوب ..
هو وليُّ ذلك و القادر عليه
و الحمد لله رب العالمين .
يقول الله تعالى :
" و إذ قالَ اللهُ يا عيسى ابن مريمَ أأنت قلت للناس اتخذوني و أميَ إلهين من دون الله ؟
قال : سبحانك ما يكونُ لي أن أقول ما ليس لي بحق .
إن كنتُ قُلْتُهُ فقد عَلِمْتَه , تعلمُ ما في نفسي و لا أعلمُ ما في نفسك .
إنك أنت علاَّمُ الغُيُوب .
ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا اللهَ ربي و ربكم .
و كنتُ عليهم شهيداً ما دُمْتُ فيهم , فلما توفيتني* كُنتَ أنت الرقيبَ عليهم , و أنت على كل شئٍ شهيد .
إنْ تُعذبهُم فإنهم عبادُك ,
و إنْ تغفر لهم فإنك أنتَ العزيزُ الحكيم " .
سورة المائدة (116- 118)
*توفيتني : أي استوفيتني بالرفع إليك
بسم الله الرحمن الرحيم
هل محمد رسول من الله ؟
حتى سن الأربعين لم يُعرَف محمد صلى الله عليه و سلم كرجل دولةٍ أو كواعظ أو خطيب , ولم يُشاهَد ولو مرة واحدة وهو يناقش مبادئ الفلسفة أو علم الاجتماع . ومما لا شك فيه أنه كان يمتلك أخلاقاً عظيمة قَلَّ أن تجتمع كلُّها في شخصٍ واحد ,و شخصيةً ممتازة , و معرفةً بالواقع المحيط به .
كان مشهوراً في قومه بالصدق , وكان موضع احترام الجميع و تقديرهم ,
فقد اشتهر بالأمانة المطلقة منذ طفولته المبكرة .. في القول و العمل و الخلق , فكان يلقب بالأمين و قد عرفه الناس بذلك اللقب حتى إنه لم يكن هناك ما يدعو إذا قيل " الصادق الأمين " أن يُذكر بعده اسمه . و لعل ما وصفه به أحد المؤرخين ما يبين بعضاً مما كان عليه صلى الله عليه و سلم : " اتفق أهل السِّيَر و التواريخ على أن النبي صلى الله عليه و سلم نشأ في قومه عاقلاً لبيباً و كاملاً أديباً , مُلازماً لحُسْنِ السَّمت و الوقار , مُصيباً , و أنه لم يعثر أحد من أهله منه على طفولية أو صبوة حتى بلغ مبلغ الرجال . و بعد بلوغه ذلك الحد شاع بين قريش صدقُه و أمانتُه , و اشتهر فيما بينهم عدله و استقامته , و تحققت عندهم عفتُه و صيانتُه , و انتشر في مكة و ما حولها طهارته من النقص و نزاهتُه , فعظم عند قومه قدره , حتى صاروا يسمونه الصادق الأمين لما ثبت لديهم له من الصدق المستبين , و توطد له فيهم من الحلم الرزين , فكانت قريش و من يَرِدُ مكةَ من العرب يُودِعُونه أموالهم و ذخائرهم ثقةً به , و اعتماداً على ما يرونه من حسن سيرته , و صحة مذهبه في الوفاء , و سلامة طريقته , و ما زالت هذه صفته عندهم حتى بعثه الله إليهم – أي أنزل عليه الرسالة – فكانوا يجادلونه في الدين في الوقت الذي يأتمنونه فيه على المال الغالي الثمين " .
رغم هذا لم يكن فيه شئ لافت للنظر بدرجة كبيرة أو بشكل جوهري غير عادي يجعل الناس تتقبل منه في المستقبل شيئاً كبيراً و مختلفاً اختلافاً جذرياً عما هو سائد حينئذ .
فهل من الممكن لإنسان بكل هذه المواصفات الممتازة أن يتحول هكذا فجأة إلى دجَّال و يدَّعي أنه رسول الله و يتعرض إلى ثورة غضب هائلة ؟
قد يتسائل المرء ما الذي يجعله يتحمل و يعاني كل هذه المعاناة ؟
لأي سبب ؟
فقد عرض عليه قومُه أن يُنَصِّبوه كمَلِكٍ عليهم , و أن يضعوا كل الثروات تحت تصرفه و ذلك فقط ليترك الدعوة إلى الدين الجديد , لكنه اختار أن يرفض كل تلك العروض المغرية و أن يستمر في الدعوة لدينه وحيداً في مواجهة كل الأذى و المقاطعة و الاعتداء البدني من قومه الذين كان فيهم قبل ذلك عزيزاً شريفاً .
أكثر من هذا أنه جعل الإيمان بالمسيح و موسى و كل رسل الله الآخرين عليهم السلام مطلباً أساسياً بدونه لا يكون المرء مسلماً ( قولوا آمنا بالله و ما أُُنزِل إلينا و ما أُنزِل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أُوتِيَ موسى و عيسى و ما أوتي النبيُّون من ربهم , لا نُفرِّق بين أحد منهم و نحن له مسلمون ) سورة البقرة 136 .
و فوق هذا يؤكد حقائق ذات طبيعة علمية كالموجودة في القرآن لم يتوصل إليها العلم إلا في قرون متأخرة . و أخيراً و ليس بآخر , لماذا استمر في الحياة الزاهدة حتى بعد حصوله على القوة و السلطة ؟
إذا كانت عظمة الهدف , و صغر الوسيلة , و فخامة النتائج هي المعايير للعبقرية الإنسانية فمن يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟
يقول بوسورث سميث في كتاب ( محمد و الإسلام ) : " أنه من المستحيل لأيِّ شخص درس حياة و شخصية الرسول العربي العظيم و عرف كيف عاش و كيف تعلم غير أن ينحني احتراماً لهذا الرسول الموقَّر القوي الذي هو واحد من أعظم رسل الله و مهما أقول لكم فإني سأقول أشياء كثيرة معروفة للجميع و لكن حينما أعيد قراءتها أشعر بمزيد من التقدير و الإعجاب , أشعر بمشاعر جديدة من الاحترام و التبجيل لهذا المعلم العربي العظيم " .
و يقول مايكل هارت في كتابه ( المائة الأوائل ) : " اختياري لمحمد ليكون أول قائمة عظماء العالم قد أدهش بعض القراء و اعترض عليه آخرون لكنه كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي أحرز نجاحاً منقطع النظير في كل من الدين و الدنيا في نفس الوقت . "
هذه لمحة موجزة سريعة عنه صلى الله عليه و سلم , و فيما لي سنعمد إلى بعض التفصيل عن هذا النبي الخاتم و رسالته .
أخلاقه صلى الله عليه و سلم :
إن أول شهادة لما كانت عليه أخلاق الرسول بعد الرسالة تضعها زوجته خديجة : " و الله لا يخزيك الله أبداً , إنك لتصل الرحم , وتصدُق الحديث , و تحمل الكَلَّ , و تُقْرِي الضيف , و تعين على نوائب الحق ". و ليس أقرب للإنسان من زوجته التي تعرف عنه ما قد لا يعرفه غيرها .
و سُئلت زوجته عائشة عن خُلُقه فقالت : " كان خلقه القرآن " , فهل جمع غير القرآن مكارم الأخلاق ؟
أما أنس بن مالك الذي خدم الرسول منذ أول الهجرة و عمره عشر سنين و مكث معه حتى و فاته فيقول عنه : " خدمتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر سنين فما قال لي أفٍّ قط , و ما قال لي لشئ صنعتُهُ : لم صنعتَه ؟ و لا لشئ تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم من أحسن الناس خُلُقاً , و لا مسستُ خَزَّاً و لا حريراً و لا شيئاً كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه و سلم , و لا شممت مسكاً قط و لا عطراً كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه و سلم " .
إن من أهم الأدلة على حسن خلقه أنه عليه الصلاة و السلام دعا إلى محاسن الأخلاق في أحاديث كثيرة منها :
" أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله و حُسْنُ الخلق " ,
" لكل بنيان أساس , و أساسُ الإسلام حُسن الخلق " ,
" إن أحبكم إليَّ , و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً " .
و كان يوصي به أصحابه فعن أبي هريرة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : " عليك بحسن الخلق ", قلت : و ما حسن الخلق يا رسول الله ؟ قال : " تَصِلُ من قطعك , و تعفو عمّن ظلمك , و تعطي من حرمك " . و لعل في حديثه : " إنما بُعِثتُ لأُتممَ مكارم الأخلاق " ما يوضح قدر اهتمامه بالخلق .
فهل كان لحسن خلقه هو حد ؟ أليس هو القدوة الحسنة لنا ؟
لقد بلغ صدقه حداً لم يعهده التاريخ و لم تعرفه السِّيَر , فهو صادق مع نفسه و مع غيره و مع الله سبحانه و تعالى , و كم حبب الصدق إلى الناس و أوصاهم به ! فقال : " كَبُرَتْ خيانة أن تُحَدِّثَ أخاك حديثاً هو لك به مُصَدِّق وأنت له به كاذب " . و قال : " عليكم بالصدق , فإن الصدق يهدي إلى البِرِّ , و إن البر يهدي إلى الجنة , و ما يزال الرجل يَصدُق و يتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقاً , و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور , و إن الفجورَ يهدي إلى النار , و ما يزال الرجل يكذب و يتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّاباً " .
و حتى في الأمور الصغيرة طالب بتحري الصدق فيها , عن عبد الله بن عامر قال : جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بيتنا و أنا صبي صغير فذهبتُ لألعب , فقالت أمي : يا عبدَ الله تعال حتى أعطيك , فقال عليه الصلاة و السلام : " و ما أردت أن تعطيه ؟ " , قالت : تمر , فقال : " أما إنك لولم تفعلي لكُتبت عليك كذبة ".
و قد أوصى أصحابه بالصدق فيقول معاذ : " قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : أوصيك بتقوى الله , و صدق الحديث , و أداء الأمانة , و الوفاء بالعهد , و بذل السلام , و خفض الجناح " .
و لعل ما حدث يوم وفاة ابنه إبراهيم ما يؤكد للتاريخ بصورة قاطعة أنه عليه الصلاة و السلام كان صادقاً إلى درجة لم يعهدها الناس كما أقرَّ بذلك الرواة حتى من غير المسلمين , فقد حزن الرسول لموت ابنه الطفل الجميل إبراهيم فبكاه و قال : " تدمع العين , و يحزن القلب , و لا نقول إلا ما يُرضي الرب , و إنا يا إبراهيم عليك لمحزونون " , و وافق موتَ إبراهيم كسوفُ الشمس , فشاع بين المسلمين أنها انكسفت مشاركة في الحزن لموته ...
أفلا يُدخل ذلك العزاء في قلب النبي , و تكون من أدلة حب الله له و من تأييده لدعوته ؟
و لكن الصادق الأمين ما إن سمع ذلك حتى وقف و هو الحزين ليخطب في الناس بقوله : " إن الشمسَ و القمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته , فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله بالصلاة " .
و من ضمن ما تميز به سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم رأفته بغيره و رحمته بكل ما يمكن أن تصل إليه الرحمة , حتى شملت الحيوان و الطير , فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفرة , فرأينا حمرة _ طائراً أحمر اللون _ معها فرخان لها فأخذناهما , فجاءت الحمرة تضرب بجناحيها من أجل فرخيها , فقال الرسول صلى الله عليه و سلم : " من فَجَعَ هذه بولدِها ؟ رُدُّوا ولدَها إليها " .
و قال : " إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شئ , فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ,
و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة , و ليُحِدَّ أحدكم شفرته و ليُرِحْ ذبيحته " . و قال : " إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسه و ليأكل معه , فإن لم يفعل فليناوله لقمة " .
كما قرر حقوق الجوار , و هي لا تتمثل في الصحبة الحسنة أو الألفة الطيبة فحسب و إنما تصل إلى أبعد من ذلك , فلو عمل بها الناس لعمت المحبة و الرحمة العالم بأجمعه , فهل هناك من إخاء و محبة و وفاء قدر ما نحس بها في حديثه الشريف : " أتدرون ما حق الجار ؟ .. إن استعان بك أعنته , و إن استنصرك نصرته , و إن استقرضك أقرضته , و إن افتقر عُدتَ عليه , و إن مرض عُدته , و إن مات تبعت جنازته , و إن أصابه خيرٌ هنأته , و إن أصابته مصيبة عزيته , و لا تستعلِ عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه , و لا تؤذه . و إذا اشتريت فاكهة فأهدِ له ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً و لا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده , و لا تؤذه بقِتار قِدرك إلا أن تغرف له منها " .
كما قرر حق الجار المشرك أيضا فقال : " ..... و أما الذي له حق واحد فالجار المشرك " .
وجانب آخر مضئ في حياته صلى الله عليه و سلم و هو تواضعه في غير مسكنة , فقد أقبل أعرابي ليُقَبِّل يده , فقال له : " مَهٍ يا أخا العرب , لا تفعل بي كما تفعل الأعاجم بملوكها , فإن الله سبحانه و تعالى بعثني لا متكبراً و لا متجبراً , بل بعثني بشيراً و نذيراً " .
إن الحديث عن أخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصل إلى نهاية , فقد أدهش الرواة و المؤرخين ما كان عليه النبي من خلق كريم , و قلب رحيم , و إحساس نبيل , و ما ذُكر هنا غيض من فيض .. و لقد أنصفه بعض خصوم الإسلام , فيقول كارلايل في كتابه ( الأبطال ) :
" لقد أصبح من العار على كل فرد ممدن في هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظَنُّ من أن دين الإسلام كذبٌ و أن محمداً خدَّاعٌ مُزوِّر , و آنَ لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة , فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مئتي مليون من الناس أمثالنا , خلقهم الله الذي خلقنا , أكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها و مات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر و الإحصاء أكذوبة و خدعة ؟
أمَّا أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً , فلو أن الكذب و الغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج و يصادفان منهم ذلك التصديق و القبول , فما الناس إلا بُله و مجانين , و ما الحياة إلا سخف و عبث و أضلولة كان الأولى بها ألا تُخلق .. هل رأيتم رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً و ينشره ؟ " .
هذه لمحة من حياة محمد صلى الله عليه و سلم بعد الرسالة ..
فهل اجتمع لفرد مثل هذه الأخلاق ؟!
و هل يمكن لصاحبها أن يقول إلا الصدق ؟!
و أليس كل ما يدعو إليه يكون الحق ؟!
أفلا يكون محمد بذلك رسولاً نبياً ؟!
ليس للدعوة أغراض شخصية
إذا لم تكن رسالة الإسلام وحياً من الله سبحانه وتعالى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فإنها تكون دعوة شخصية قام بها , و لا يمكن أن يكون غير واحد من هذين الأمرين . فإن كانت دعوة شخصية فإنه يكون قد قصد بها تحقيق أهداف خاصة كنفع مادي , أو كسب لمركز أدبي , أو للأمرين معاً , أو نحو ذلك من عروض الدنيا فهل سعى محمد صلى الله عليه و سلم إلى ذلك ؟؟
كان صلى الله عليه و سلم ينحدر من أكرم سلالة و أعرق أصول , فقريش كانوا سادة العرب , فهم أهل الحرم , و محمد هو ابن سيد من سادات قريش و حفيد كبيرهم , و كان موضع تقدير العرب كافة , و داره محط أنظار كل طالب رأي , و وُجهة كل من أراد معونة أو اكتساب خلق كريم ..
أما بعد أن جهر صلى الله عليه و سلم بالدعوة لاقى من صنوف الأذى ما لا سبيل إلى بيانه , حتى أن أقاربه و أهله كذَّبوه , و منهم من اتخذت عداوته شكل الاعتداء , أما بقية قريش فإنها انقلبت تسبُّه و تحاربه و تعتزم قتله .. فهل كانت دعوته تهدف إلى سيادة أو مركز أدبي ؟ إنه بعد أن كان معروفًا في قومه بالصادق الأمين , أطلقوا عليه الأقاويل و الأكاذيب , و بعد أن كان مجلسه يضم القادة و العظماء , إذ به يقرب المساكين و الفقراء قبل الأثرياء و الكبراء ..
و إن فيما عرضه أشراف قريش على محمد عليه الصلاة و السلام الدليل الذي لا يحتاج إلى غيره لبيان ما كان عليه محمد عليه الصلاة و السلام , فقد قالوا له : " إنك منا حيث قد علمتَ من الشرف في العشيرة و المكان في النسب " ... ثم قالوا : " إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً , و إن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك , و إن كنت تريد به مُلكاً ملَّكناك علينا , و إن كان هذا الذي يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع رَدَّه عن نفسك طلبنا لك الطِّبَّ و بذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه " .
فماذا فعل صلى الله عليه و سلم بعد كل هذه الإغراءات ؟
قرأ آيات من القرآن الكريم على مُحدِّثه ثم سجد لله تعالى .
و بعد أن كان محمد صلى الله عليه و سلم وحيداً أو مع قلة من صحابته في بداية الدعوة , انتشر دين الله و دخل الناس فيه أفواجا و أتت الوفود من كل مكان تعلن إيمانها برسالته , و مع كل هذا المجد و الشرف و السؤدد ظل محمد كما هو لا تداخله كبرياء و لا يتصرف تصرف السادة العظماء , فعندما تمَّ للمسلمين النصر العظيم بفتح مكة و دخلتها جيوشهم فاتحة منتصرة , دخلها عليه الصلاة و السلام و قد خشعت نفسه و أحنى رأسه الشريف حتى مسَّ عنق ناقته .. دخل و قلبه خاضعٌ لله تترقرق في عينيه الدموع شكراً لله على نصره و تأييده .
و كثيرٌ ممن كانوا يفدون على الرسول عليه الصلاة و السلام لأول مرة كانوا إذا دخلوا عليه في مجلسه يلتفتون و يسألون : أيُّكم رسول الله ! فهو لم يكن يتميز عن جلسائه في جلسته أو ملبسه .. أليس هو القائل : " طوبى لمن تواضع في غير مسكنة , و أنفق مالاً جمعه في غير معصية , و رحم أهل الذل و المسكنة ... " . وقد أنصفه أرنست رينان في كتابه ( تعليقاتي على تواريخ الأديان ) عندما قال : " قد دلتني تحرياتي العلمية و التاريخية على أنه لا صحة مطلقاً لما أُريد إلصاقه بمحمد من كذب و افتراء ... كقولهم إنه كان يميل إلى التسيُّد و السيطرة , فمحمد كما أثبتت الوثائق التاريخية و شهادات أكابر علماء التاريخ كان على العكس من ذلك بريئاً من روح الكبرياء متواضعاً صادقاً أميناً لا يحمل الحقد لأحد , و كانت طباعه نبيلة و قلبه طاهراً " .
و قد حذر صلى الله عليه و سلم المسلمين من أن يعتبروه أكثر من بشر مثلهم فقال : " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ، إنما أنا عبد الله و رسوله " , فهل كان يبغي مركزاً بين قومه و سيادة بين أتباعه ؟
و لقد ظل الرسول صلى الله عليه و سلم طوال مدة رسالته تجتمع عنده الأموال من الغنائم و الجزية , فينفق ذلك على المسلمين و على المحتاجين حتى و إن لم يكونوا مسلمين , حتى إنه في مرضه الأخير نادى الأنصار و أعطاهم ما بقي لديه من مال , و هو مقدار ما بقي لديه بعد حياة دامت ثلاثاً و ستين سنة ,
فكم كان قدره ؟ .. سبعة دنانير .. و لا أكثر من ذلك ..!
فهل كان يبغي هدفاً دنيوياً من دعوته ؟
هل كان يسعى إلى جمع الثروات ؟
هل كان يبحث عن السيادة و التصدُّر ؟
هل تحققت له أي فائدة شخصية من دعوته ؟
لقد تغير حاله بالرسالة من حياةٍ كريمةٍ مستقرةٍ هادئة إلى هجرةٍ و جهادٍ و بذل و تضحية بلا أغراض شخصية أو مطامع دنيوية أو منافع ذاتية .
أفلا يكون محمد بذلك رسولاً نبياً ؟
الحاجة إلى رسالة الإسلام
يقول المؤرخ العالمي ه. ج. ويلز في كتاب ( معالم تاريخ الإنسانية ) عن حالة أوروبا في عام 500 م _ أي في القرن السابق لرسالة الإسلام _ ما نصه : "كانت الحياة اليومية في ذلك الزمان تتقلب في مستواً خفيض جداً , و لا جرم من النواحي الجسمانية و الذهنية و الخلقية , و كثيراً ما يقال أن أوروبا قد انحدرت إلى الهمجية في القرنين السادس و السابع , بيد أن هذا لا يعبر عن حقيقة الحال , و الأصح كثيراً أن يقال أن مدنية الإمبراطورية الرومانية قد انتقلت إلى دور انحلال خلقي متطرف ؛ لأن الهمجية " البربرية " نظام اجتماعي ذو طراز أولي منظم داخل حدوده , بيد أن حالة أوروبا من دون أشلائها السياسية كانت حالة فوضى اجتماعية . و لم تكن معنوياتها كمعنويات إحدى قرى المتوحشين بجنوب أفريقيا , بل معنويات حَيٍّ فقير في إحدى المدن , ففي القرية المتوحشة يعرف المتوحش أنه ينتمي إلى مجتمع و يعيش و يتصرف وفقاً لهذا , أما في حيِّ الفقراء فإن الفرد لا يعرف أي كائن أكبر منه , و لا يتصرف ناظراً للعلاقة بذلك الفرد . إننا نعرف عن ذلك العصر قدراً يكفل لنا أن نخبرك بأنه لم يكن مجرد عصر من الحرب و اللصوصية بل عصر مجاعة و وباء..."
أما العرب فيقول فيهم ابن خلدون : " فهم بطبيعة التوحش الذي هم فيه أهل انتهاب و عبث , ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة و لا ركوب خطر , و يفرون إلى منتجعهم بالقفر . و القبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عبثهم و فسادهم , و أما البسائط متى اقتدروا عليها بفقدان الحامية و ضعف الدولة فهي نهب لهم يرددون عليها الغارة و النهب إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم , ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي و انحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم . و هم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب لأنهم أمة وحشية , فينقلون الحجر من المباني و يخربونها لينصبوه أثافي للقدر , و يخربون السقف ليعمروا به خيامهم و يتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم , و ليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه , و ليست لهم عناية بالأحكام و زجر الناس عن المفاسد , إنما همُّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو مغرماً ... وهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة و الأنفة و بُعد الهمة و المنافسة في الرئاسة ... " .
هذه هي حالة العالم الاجتماعية قبل الإسلام .
و من مظاهر انحلال الدين في العالم اتخاذ النساء مُتعاً بلا عقود زواج , كما انتشر في بلاد العرب وَأدُ البنات إذ كانوا يدفنون بناتهم أحياء , كما عمّت الفوضى و انتشر الظلم و الجور في كل علاقة للإنسان بغيره .
كتب ج .ه. دينسون في كتابه ( العواطف كأساس للحضارة ) يصف الفترة التي سبقت بعثة مجمد صلى الله عليه و سلم : " .. ففي القرنين الخامس و السادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هارٍ من الفوضى ؛ لأن العقائد التي كانت تُعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت , و لم يكن ثَمَّ ما يُعتَدُّ به مما يقوم مقامها , و كان يبدو أن المدينة الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مُشرفة على التفكك و الانحلال , و أن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية ؛ إذ القبائل تتحارب و تتناحر , لا قانون و لا نظام . أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة و الانهيار بدلاً من الاتحاد و النظام , و كانت المدنية- كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله-واقفة تترنح و قد تسرب إليها العطب حتى اللباب ..
و بين مظاهر هذا الفساد الشامل وُلِدَ الرجل الذي وَحَّدَ العالم جميعه " .
ففي وسط هذا الظلام الدامس الذي شمل العالم , و من بين هذه السحب القاتمة التي خيمت فوق سماء البشرية , و في خضم تلك الفوضى الهائلة التي سيطرت على حياة الشعوب .. يأتي محمد رسول الله ليخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور , و كانت رسالة الإسلام دعوة دينية , و ثورة اجتماعية , و نهضة خُلُقية هدفها صلاح البشرية , و هي رسالة كل العهود و الأزمان . و لنستمع إلى ما قاله في ذلك المنصفون من خصوم الإسلام , فيقول جيب في كتابه ( مع الإسلام ) : " و لكن الإسلام ما زال في قدرته أن يقدم للإنسانية خدمة سامية جليلة فليس هناك أية هيئة سواه يمكن أن تنجح مثله نجاحاً باهراً في تأليف هذه الأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة , ..... و إذا ما وضعت منازعات دول الشرق و الغرب العظمى موضع الدرس فلا بد من الإلتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع " .
و يقول ماسينيون : " ....و هو- أي الإسلام- يناهض الديون الربوية و الضرائب غير المباشرة التي تفرض على الحاجات الأولية الضرورية ، و يقف في الوقت نفسه إلى جانب الملكية الفردية و رأس المال التجاري , و بذا يحل الإسلام مرَّة أخرى مكاناً وسطاً بين نظريات الرأسماليين البرجوازية و نظريات البلشفية الشيوعية ".
و يقول الفيلسوف البريطاني روجر سكرتون : " .. إن إحدى أعظم مآسي العالم الحديث هو انهيار الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم بنظام مدهش يجمع بين الحكم المحلي و القيادة المركزية و هو الذي حافظ على كل الشتات في الشرق الأوسط و منعه من الانهيار و ما يستتبع ذلك من مشاكل عالمية ..".
" لقد حل الإسلام مشكلات عديدة ما زال غير المسلمين يعانون منها , فإن فكرة إدماج البشرية في وطن واحد دون الاهتمام بالأجناس و الألوان و اللغات أو التقيد بالحدود الجغرافية هي التي أهدتها جامعة الإسلام إلى المدنية البشرية , و هي الترياق الوحيد لسم الأحقاد الدولية و العداوة التي ساقت المدنية و الحضارة إلى هاوية الدمار . و المسيحية دين دولي كالإسلام من وجه أنه الدين لكثير من الأمم و الشعوب , أما من وجهة المساواة بين الشعوب و نشر الإنسانية بينها فالإسلام هو الدين الدولي العام , و إن فشل المسيحية في هذه الناحية ذريع , فالمسيحيون البيض ما زالوا حتى اليوم يضمرون العداوة للمسيحيين السود مع أنهم قد يعيشون في قطر واحد , كما هو الحال في أمريكا موطن الديمقراطية و أعظم الشعوب حضارة , إذ لا يستطيع الرجل الأبيض أن يعيش مع الرجل الأسود تحت سقف واحد , كما أن معتقدي المسيحية من طوائف المنبوذين الحقيرة في الهند ما زالوا يعانون حتى اليوم من الاحتقار من طوائف الهندوس العالية , و ما زال المسيحيون العرب يعتقدون أنهم أسمى من مسيحيي الشرق , و لا يسمحون لهم بعبادة الله في كنائسهم الخاصة بهم . و من هذا يبدو أن المسيحية قد أخفقت تماماً في تأليف وحدة إنسانية في حين أن الإسلام تمكن من إيجاد نظام عالمي عماده إخاءٌ عام , جمع بين العربي و الشرقي , و الأبيض و الأسود , الآري و السامي و الهندي و الزنجي و ساوى بينهم تماماً , فالزنجي الأسود أو المنبوذ يتساوى مع الرجل الأبيض أو ذي المكانة العالية , و ينال نصيبه من الاحترام التام من كل مسلم تربطه به أخوة الإسلام , و ذلك بمجرد اعتقاده الإسلام مباشرة , و يستطيع أن يقف كتفاً إلى كتف في الصلاة مع أعظم المسلمين مقاماً , كما يستطيع أن يتناول طعامه معه على مائدة واحدة . فانسجام الإسلام و مساواته غير معروفين في أي جماعة أو دين أو نظام في العالم كله ". مولاي محمد علي رئيس الرابطة الأحمدية لإشاعة الإسلام بلاهور.
هذه هي رسالة الإسلام .. ألم تكن الحاجة تدعو إليها ؟
و أليس العالم في حاجة دائمة إليها ؛ لأنها تصلح لكل قوم في كل زمان ؟
هل يمكن أن تكون هذه الرسالة دعوة إنسان ؟ أم لابد أنها رسالة السماء ؟
أفلا يكون محمد بذلك رسولاً نبياً ؟
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
قال تعالى : ( قُل لو اجتمعت الإنسُ و الجِنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرا )
إن القرآن معجزة دائمة مدى الدهر , و لذلك فان إعجازه لا يقف عند حد معين , و لا يُحَدُّ بزمن أو ثقافة : " لا تفنى غرائبه و لا تنقضي عجائبه " . و لما كان الكون من عمل الله , و العلم يبصرنا بأسرار و روائع هذا العمل , و القرآن كلام الله , فلا بد أن يطابق الكلام العمل , و لهذا قيل أن الكون هو كتاب الله المنظور , و القرآن هو كتاب الله المسطور . و في القرآن قضايا علمية عامة تذهل العقول , سبق القرآن بها ركب العلم , فكانت من آيات الإعجاز في هذا العصر و التي يقرب عددها من السبعمائة و خمسين آية علمية , قال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق )
** يعتقد العلماء بأن الكون كان في بدايته على شكل كتلة واحدة انفجرت , ثم تبعثرت منها الالكترونات و النترونات و البروتونات , ثم تشكلت بعض العناصر الغازية كالهدروجين و الهليوم , هذه هي نظرية الإنفجار الأعظم التي اعتُمِدَت في القرن العشرين , و قد جاء بها القرآن قبل ما يزيد على الألف و أربعمائة عام حين كان الناس في ظلمات الجهالة غارقين .
قال الله تعالى في القرآن الكريم : ( أولم يرَ الذين كفروا أن السموات و الأرض كانتا رتْقاً ففتقناهما ؟ و جعلنا من الماء كل شئ حيّ . أفلا يؤمنون ؟! ) سورة الأنبياء .
و قد أجمعت كتب التفسير لهذه الآية أن الكون كان كتلة واحدة ملتحمة ( الرتق ) , ثم فصلها الله سبحانه و تعالى عن بعضها ( الفتق ) وفق تدبير منظم و تقدير محكم , بحيث أخذ كل جزء من هذه الأجرام دوره و فاعليته في التكامل الكوني .
و يذكر علماء العصر الحديث أنه بعد الإنفجار كان الكون عبارة عن فضاء مملوء كتلة غازية منتظمة التوزيع مع تموجات بسيطة . و هذا ما سبقهم إليه القرآن في قوله تعالى وهو يتحدث عن نشأة الكون :
( ثم استوى إلى السماء و هي دخان ) سورة فصلت . فسبحان الله ! أنَّى لمحمد النبي الأميّ أن يعرف هذه الحقائق الهائلة لولا أنه رسول الله الذي يوحى إليه من السماء!!
** الجنين في مرحلة المضغة [ طوله سنتمتر واحد ] عبارة عن قطعة صغيرة لا يميز فيها الناظر شيئاً مميزاً .. البروفسير الشهير مارشال جونسون قام بتشريح هذه المضغة فوجدها بناءاً على نوع خلاياها تنقسم إلى جزئين : واحد عبارة عن أجهزة قد تخلَّقت - أي تمايزت- و لكنها في صورة براعم , و الثاني عبارة عن خلايا لم تتخلق بعد , فقال مارشال : كيف نصف هذه المضغة , فجزء قد تخلَّق و جزء لم يتخلَّق بعد ؟ ثم قال : لا نستطيع إلا أن نصفها بأنها مُخَلَّقَة و غير مُخَلَّقَة , و هذا هو عين وصف القرآن الكريم لهذا الطور في قوله تعالى : ( فإنَّا خلقناكم من ترابٍ ثم من نُطفةٍ ثم من علقةٍ ثم من مُضغةٍ مُخَلَّقة و غير مُخَلَّقة لنُبيِّنَ لكم )
فسبحان الله الخالق !!
** تأمل تصوير الله تعالى لمراحل تطور الجنين في رحم أمه قبل أن يعرفها التشريح و تكتشفها المجاهر : ( ثم خلقنا النطفةَ علقةً , فخلقنا العلقةَ مضغةً , فخلقنا المضغةَ عظاماً , فكسونا العظامَ لحماً , ثم أنشأناهُ خَلْقَاً آخر , فتبارك الله ُ أحسنُ الخالقين . ثم إنكم بعد ذلك لميتون , ثم إنكم يوم القيامة تُبعثون ) سورة المؤمنون .
** اكتشف العلماء في الأربعينيات من القرن العشرين أن البحار مختلفة عن بعضها البعض .. فالأبيض المتوسط غير الأحمر غير بحر العرب و هكذا . فقد أُخذت صور بالأقمار الصناعية بواسطة الخاصية الحرارية , فتبين أن البحار تختلف في الحرارة , و هذا الاختلاف يصحبه اختلاف في الكثافة و الملوحة و في نوع الأحياء المائية و في قابلية الأكسجين للذوبان في الماء . و اكتشفوا أن كل بحر لا يختلط ماؤه مع البحر الذي يجاوره حتى في أوقات المد و الجزر فبين كل بحرين يوجد حاجز مائي ضخم يمنع امتزاجهما و قد تم تصوير هذه الحواجز بالأقمار الصناعية .فماذا قال الله جل في علاه في هذا الأمر؟
( مَرَجَ _ أي أرسل _ البحرين يلتقيان , بينهما برزخ _ أي حاجز _ لا يبغيان_ أي لا يطغى أحدهما على الآخر _ ) سورة الرحمن .{ الكلمات بين الشرط للشرح و ليست من الآية}.
و ليس هذا فقط ...
فبين البحر و النهر يوجد مَصَب , و هنا تتكون لدينا ثلاث كتل مائية : النهر العذب الفرات , و البحر المالح الأُجاج , و بينهما منطقة المصب التي هي مزيج بين الملوحة و العذوبة . و هذه المناطق الثلاث تختلف عن بعضها البعض في الضغط الأسموزي نتيجة لاختلاف الملوحة , فتنشأ ثلاث بيئات مختلفة للحياة :
الأولى : بيئة النهر العذبة فيها أسماك خاصة بالأنهار لا تستطيع العبور من النهر إلى المصب . و الثانية : منطقة البحر المالح , و لها أحياء خاصة بها لا تستطيع هي أيضاً الدخول إلى المصب . و الثالثة : منطقة المصب , و بها كائنات حية خاصة بها لا تستطيع الخروج من منطقة المصب إلى البحر أو النهر . و عندما تأتي أسماك البحر لتتغذى على الكائنات الموجودة في منطقة المصب تقترب من الحدود و تقف خارجاً و تأكل دون أن تدخل المصب .
إذن المصب منطقة حِجر على الكائنات التي فيه لا يمكنها الخروج منه , فهو حجر على ما فيه , و هو محجور على ما بخارجه فلا يسمح لما بالخارج بالدخول .. فاستمع إلى الله تعالى وهو يصف لنا كل هذا بقوله : ( و هو الذي مَرَجَ البحرَين هذا عذبٌ فراتٌ , و هذا ملحٌ أجاجٌ , و جعل بينهما برزخاً و حِجراً محجُوراً ) .
**يقول الله عز و جل : ( أيحسبُ الانسان أَلَّن نجمع عظامه ؟ بلى قادرين على أن نُسَوِّيَ بنانَه ) سورة القيامة . هذه الآية من الآيات العظيمة التي ترد على الكافرين الذين قالوا : إن الله لا يستطيع أن يُرجع الإنسان كما كان بعد الموت ، فيجمع عظامه التي أصبحت رميماً , ثم يرجعه كما كان تماماً . فيرد الله تعالى عليهم بأنه ليس فقط قادراً على أن يرجع عظام الإنسان , بل إنه يرجعه بتمامه و كماله و جميع دقائقه حتى البصمة , يرجع بنانه سوياً كما كان . فلماذا خصص الله تعالى البنان - و هو طرف الإصبع - بالذكر دون سائر الجسد ؟
لقد توصل العلم الحديث إلى سِرِّ البصمة و أنها تحدد هوية الإنسان و أنه لا يمكن لبصمة أن تتماثل في شخصين في العالم حتى في التوائم المتطابقة التي أصلها من بويضة واحدة , بينما جاء القرآن منذ أربعة عشر قرناً بهذه اللمسة التي لم يدركها الناس حتى القرن التاسع عشر .
** توصل علماء الجيولوجيا إلى أن لكل جبل امتداداً داخل الأرض كالوتد يمتد في عمقها وهو كالجذر بالنسبة للشجرة الباسقة . و الله تعالى يقول : ( و الجبال أوتادا ) . سورة النبأ .
وهذا الوتد المغروس في الأرض يمسك طبقات الأرض بعضها ببعض , فيمنعها من الاضطراب و الميَدان ؛ ذلك أن سطح الأرض يتألف من طبقات مختلفة التركيب مصطفة فوق بعضها , و انغراس الجبل في أعماقها يمسك تلك الطبقات ببعضها من أن تتفكك أو تنزلق فتميد و تضطرب .
والله جل في علاه يقول : ( و جعلنا في الأرض رواسيَ أن تميد بكم ) سورة الأنبياء . و الرواسي كما هو معلوم هي الجبال .
** يقول الله تعالى : ( غُلِبَت الروم , في أدنى الأرض , و هم من بعد غلبهم سيغلبون ) سورةالروم .
تتحدث الآيات عن المعركة التي دارت بين الفرس و الروم , فأتى القرآن بما حدث و هو هزيمة الروم , ثم أخبر بأمر مستقبلي و هو انتصار الروم بعد بضع سنين و هو ما تحقق .
لكن حديثنا هنا عن ( في أدنى الأرض ) و قد جرت المعركة في فلسطين , فهل هذا هو أخفض مكان في الأرض كما تخبر الآية ؟ نعم , اكتشف الناس حديثاً أن أخفض منطقة على سطح الكرة الأرضية هي منطقة البحر الميت , حيث جرت المعركة بين الفرس و الروم .
فمن الذي أعلم محمداً بأن هذه هي أخفض منطقة في العالم ؟!سبحانه و تعالى عما يصفون .
** في مطلع القرن العشرين اكتشف العلماء أن البحار بالإضافة إلى موجها السطحي الذي نراه , فإن البحار العميقة فيها موج داخلي في الأعماق السحيقة , فماذا قال الله سبحانه و تعالى في وصفه للبحر العميق : ( ... بحر لُجيّ-أي عميق- يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ... ) سورة النور .
فسبحان الذي أعلم محمداً _الذي عاش حياته كلها في بيئة صحراوية_ بما يحدث في أعماق البحار السحيقة التي لم يستطع الإنسان الوصول إليها إلا بعد قرون طويلة !!
** اكتشف علماء العصر الحديث أن البحر في قاعه شقوق , في نهاية هذه الشقوق يلامس الماء الصهير البركاني , فهو نار في قاع البحر , و الله تعالى يقول :
( و البحرِ المَسْجُور ) و المسجور من سَجَرَ بمعنى أوقد , فسبحان الذي أعلم محمداً بوجود الحمم تحت البحار و المحيطات , و هو الذي يقول في الحديث الشريف : "....فإن تحت البحر ناراً .... " .
** يصف الله تعالى العبد العاصي الكافر بقوله ( ناصية كاذبة خاطئة ) سورة العلق , و الناصية هي مقدم الرأس حتى منبت الشعر .
فلماذا لم يصف الله تعالى اللسان مثلاً بالكذب و الخطأ ؟ لماذا اختار الناصية بالذات ؟ اكتشف علماء الجهاز العصبي أن الجزء من المخ الواقع خلف الناصية مباشرة ( الفص الأمامي ) هو المسؤول عن سلوك الإنسان , فاختيار الإنسان للسلوك يصدر من هنا ,
قال العلماء : إذا أراد الإنسان أن يكذب مثلاً فإن قرار الكذب يصدر من الناصية , و إذا أراد أن يفعل شيئاً خطأً فإن قرار الخطأ يصدر أيضاً من الناصية , فهي كاذبة خاطئة كما قرر القرآن الكريم في زمن لم يكن هناك أي إمكانية لمجرد التفكير في هذا الموضوع .
** تأمل هذه الآية ( و الشمسُ تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم , و القمرَ قدَّرناهُ منازلَ حتى عاد كالعرجون القديم , لا الشمسُ ينبغي لها أن تدرك القمر , و لا الليلُ سابقُ النهار , و كلٌّ في فلك يسبحون ) سورة يس .
و بعد ألف سنة أو أكثر اكتشف علماء الفلك أن الشمس تجري فعلاً , و حددوا بالأجهزة و المقاييس معدلات سرعتها و وجهتها , كما قرروا أن الكواكب كلها كل واحد يسبح في فلكه , أي مداره الخاص به .
فأنى لمحمد بن عبد الله أن يقرر النظرية بروعتها البيانية , و لم يتهيأ له قبل ألف سنة شئ من وسائلهم .. إلا أن يكون وحياً من السماء !!
** هل الأرض مسطحة كما كان يظن الناس ؟ أم أنها كروية كما أثبت العلم
الحديث ؟
لاشك في أنها كروية ؛ لأن الله سبحانه يقول : ( يُكَوِّرُ الليلَ على النهارِ , و يُكَوِّرُ النهارَ على الليل ) , فتخيل الكرة الأرضية و هي أمام الشمس و تدور حول نفسها فينشأ النهار في النصف المواجه للشمس و الليل في النصف البعيد , تخيل هذا المشهد ثم اقرأ الآية مرة أخرى لترى بديع التصوير القرآني و هو يصور استدارة الليل على ما كان نهاراً و استدارة النهار على ما كان ليلاً , و لا يكون ذلك إلا على جسم كروي .
** كان العلم حتى بعد زمن اينشتاين يظن أن الكون ثابت لا يتمدد و لا يزيد , إلى أن توصل العلماء إلى أن المجرات تتباعد عن بعضها و أن الكون في حالة تمدد و توسع مستمر , و هذا قوله تعالى :
( و السماءَ بنيناها بأييدٍ و إنا لموسعون ) سورة الذاريات . فالعجب كل العجب ممن يظل بعد كل هذا يشك في أن القرآن كتاب من عند الله الخالق .
** يقول الله جل في علاه : ( فمن يُرد اللهُ أن يهديه يشرح صدره للإسلام , و من يرد أن يضله يجعل صدره ضَيِّقاً حرجاً كأنما يَصَّعَّدُ في السماء ) سورة الأنعام .
و اكتشف الطيارون و رواد الفضاء و مَن وراءهم من العلماء أن التَّصَعُّدَ في السماء يضيقُ الصدور فيضيقُ على المرء نَفَسُهُ و يوشك على الاختناق على ارتفاع ثلاثة أو أربعة أميال , فإذا جاوزها إلى سبعة أو ثمانية زهقت أنفاسه فمات .
هذا هو القرآن الكريم ..
و هذه بعض أوجه إعجازه ..
فهل يمكن لبشر عاش في الصحراء قبل أكثر من أربعة عشر قرناً أن يصل إلى حقائق لم تعرفها الدراسات العلمية إلا بعد اكتشاف الأجهزة و الآلات الحديثة ؟!
هل يمكن أن يكون هذا كلاماً من عند بشر ؟!
أفلا يكون محمد بذلك رسولاً يوحى إليه من السماء ؟!
الإسلام دين السلام .. أم الحرب ؟
إن الإسلام ينادي بنفسه رسالة عالمية للبشر كافة , فلم يجئ محمد صلى الله عليه و سلم لقريش و لا لعرب الجزيرة , و لا للجنس السامي _ كما جاء المسيح عليه السلام لهداية خراف بني اسرائيل الضالة كما قال _ إنما أرسل محمد إلى البشر كافة في أقطار الأرض جميعاً ( و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً و نذيرا ) سبأ. و الإسلام يَعُدُّ نفسه خيراً و بركة و رحمة للناس جميعاً ( و ما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ) سورة الأنبياء . و تبعا لنظرة الإسلام الإنسانية فإنه يريد للبشرية كلها أن تنعم بخيره و رحمته و هدايته , و لا يريد أن يكون هذا وقفاً على قوم أو جنس , على طريقة اليهودية مثلاً !
و لكنه في الوقت ذاته لا يحاول أن يقسر الناس قسراً على اتّباعه ( لا إكراه في الدين قد تبين الرُّشد من الغَيِّ ) سورة البقرة . و كل ما يريده هو أن تُترك له حرية الدعوة بين أهل الأرض جميعاً ؛ كي يصلهم بالخير المطلق الذي جاء به , و الذي لا يجعله وقفاً على أحد أو حِكراً على أحد , و أن تُكفل لأتباعه حرية العقيدة , فلا يفتنوا عن دينهم بالقوة , و لا يضاروا في أنفسهم أو أموالهم , و أن تتاح له القوة اللازمة لحمايتهم من ذلك كله لتنفيذ شريعته بينهم . فأمر الإسلام بإزالة الحواجز التعسفية من طريق هذه الدعوة .. و من هذه الحواجز التعسفية الدولة التي تمنع رعاياها بالقوة من الإستماع إلى دعوة الإسلام , أو تمنع الدعاة الإسلاميين بالقوة من نشر دعوتهم . و كذلك أمر بحماية المسلمين من أن يعتدي عليهم سواهم , و حماية النظام الاجتماعي الإسلامي أن يخرج عليه أحد بالقوة , و كذلك تحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض كلها , و دفع الظلم في أي صورة من صوره , لا يهم أن يكون هذا الظلم واقعاً على فرد مسلم أو غير مسلم , فالأمة المسلمة مكلفة بدفع الظلم عن البشرية كافة لحساب البشرية كافة ؛ تحقيقاً لمعنى الرحمة العامة التي أرسل بها محمد للعالمين و تحقيقاً للوصاية العامة التي ناطها الله بالمسلمين .
و لمثل هذه الأغراض وحدها كانت الحروب الإسلامية التي انبعثت من روح الإسلام. فإذا وقع في بعض الأحيان من بعض الجماعات الإسلامية أن كانت حربهم لغير هذه الأهداف بأن تدخل عنصر الرغبة في الاستغلال المادي , أو عنصر الإكراه للدخول في الدين , أو أي عنصر آخر .. فذلك انحراف عن مُثُل الإسلام وقيمه .
فليست غاية المسلمين أن يُكرهوا أحداً على اتباع الإسلام , إنما كل غايتهم أن تترك لهم حرية الدعوة , و أن تترك للناس حرية الاعتقاد , فإذا تبين الرشد من الغيّ , فقد تركت الحرية للناس بعد هذا التبيين , و بطل الإكراه و القهر بنص القرآن .
أما القتال فقد شرع لغرض آخر .. شرع للدفاع عن المسلمين الذين أُوذوا في ديارهم و اعتدى عليهم الأعداء ( أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِمُوا ) سورة الحج . فهم مكلفون أن يقاتلوا من يقاتلونهم و يردوا الاعتداء الذي وقع عليهم
( و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) البقرة . ( و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله) الأنفال . و هنا نجد أن الغاية من هذه الحروب هي دفع العدوان, و دفع الفتنة عن الدين و ترك الدين لله , و القاعدة العامة هي أن لا حرب إلا مع المحاربين و مع الطغاة الذين يصدون الناس عن دينهم , و لا عدوان إلا على الظالمين . و إذن فهي ليست حرباً للإكراه على العقيدة , و لا كراهية للآخرين بسبب العقيدة , و إنما هي الوسيلة العملية لدفع الظلم و إقامة العدل , و تحقيق الأمن و حماية الضعفاء .
و ما نراه اليوم من هجمة على الإسلام و وصف أتباعه بأنهم إرهابيون و محبون للقتل و متعطشون للدماء وصف غير صحيح .. فالمسلمون لم يفعلوا أكثر من محاولة رد العدوان و رفع الظلم عنهم .. فالمسلمون في فلسطين اعتدى عليهم اليهود و سلبوا أرضهم و شردوهم و قتلوهم .. و كذلك فعلت أمريكا بالمسلمين في أفغانستان و العراق , و ما تفعله روسيا بالمسلمين في الشيشان .. فكل من لديه أدنى عقل يعلم أن من حق أي شعب _ منذ أن خلقت الأرض _ أن يرد العدوان الواقع عليه . أما فيما يتعلق بضرب الأعداء في أرضهم , فالمسلم ليس ملزماً بأن يظل مقيداً بالأرض التي يشن فيها العدو هجومه , بل للمسلم أن يضرب هذا العدو أنى وُجِد حتى يكف بأسه و يكسر شوكته .
و من يتحدث عن استهداف المدنيين _ في أمريكا و أوروبا مثلاً _ فالمسلمون في هذا النوع من الهجمات لم يفعلوا أكثر من الرد على العدو بالمثل , فاليهود و الأمركان و أحلافهم ما فتؤوا ينزلون على المدنيين المسلمين تقتيلاً و تذبيحاً و تشريداً , و الله تعالى يقول : ( فإن اعتدوا عليكم فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم ) , ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به ) و هذا قمة العدل , فالأعداء لو تركوا المدنيين المسلمين و لم يقتلوهم لما جاز لنا أن نقتل مدنييهم , و لا يجوز لنا أن نفعل بهم أكثر مما فعلوا بنا , فقط نرد عليهم بالمثل . فهل من عدل يفوق هذا العدل ! و من هذا كله يتبين لنا أن الأصل في الإسلام هو السلم , و الحرب ليست إلا لرفع الظلم و نصرة المستضعفين و ذلك في حالة تعرض المسلمين للعدوان .. أما إن كان المسلمون آمنين في ديارهم و كل أراضيهم في أيديهم _ غير محتلة _ فإنهم مكلفون بنشر الإسلام و لا يدخلون في قتال إلا إذا تمّ صدهم بالقوة و منعهم من تبليغ رسالتهم .
هل المسيح ابن الله ؟
( و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك , و يسوع المسيح الذي أرسلته ) إنجيل يوحنا
نحن _ المسلمين _ نعتقد أن المسيح عليه السلام ليس إلهاً و لا ابن إله , و إنما هو عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم , و أنه لم يُصلب و لم يُقتل و أن الذي صُلب و قُتل هو شخص آخر تآمر مع اليهود لقتل عيسى عليه السلام , فنجى الله عبده و رسوله عيسى و حفظه سالماً و رفعه إليه , و ألقى الشبه على الشخص الآخر , فأمسك به اليهود ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام فصلبوه و قتلوه .
ولن نعمد هنا إلى سرد آيات القرآن لإثبات بطلان عقيدة النصارى , و إنما سنذكر أدلة من الكتب المقدسة المعتمدة لدى طوائف النصرانية . وهذه الأدلة الموجزة لو قرأها نصراني متجرد للحق لما آمن بألوهية المسيح طرفة عين .
المسيح عليه السلام رسول من الله تعالى :
** ( و لكن لي شهادة أعظم من شهادة يوحنا , و هي شهادة الأعمال التي كلفني الأب أن أنجزها و التي أعملها , فهي تشهد لي مبينة أن الأب أرسلني , و الأب الذي أرسلني هو نفسه أيضاً يشهد لي ) إنجيل يوحنا (5\36-37) .
**إنجيل يوحنا (7\15-18) : ( أجابهم يسوع و قال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني , إن شاء أحد أن يعمل مشيئته , يعرف التعليم هل هو من الله ؟ أم أتكلم أنا من نفسي ؟ من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه , و أما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق و ليس فيه ظلم ) .
** في سفر الأعمال (22:2 ) قال بطرس رئيس تلاميذ المسيح : ( أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال , يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات و عجائب , و آيات صنعها الله بيده في وسطكم ) .
** ( فقد نزلت من السماء لا لأتمَّ مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ) إنجيل يوحنا (38:6 ) .
** ( الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامي و يؤمن بالذي أرسلني تكون له الحياة الأبدية ) إنجيل يوحنا (24:5 ) .
** ( لأني لا أسعى لتحقيق إرادتي بل إرادة الذي أرسلني ) إنجيل يوحنا (30:5) .
فهل يدعي أحد بعد هذا أن المسيح ليس رسولاً من الله ؟!
** (يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في القول و الفعل ) إنجيل لوقا (19:24) .
** ( هذا يسوع النبي ) إنجيل متى (11:21) .
** ( الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ) إنجيل يوحنا (44:12) .
** ( و الكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للأب الذي أرسلني ) يوحنا (24:14) . ** ورد في الرسالة إلى فيلبي (2\5-7) : ( فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً . الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله ) .
فيا سبحان الله نص صريح يقول أن المسيح نفسه لم يكن يعتقد لحظة واحدة أنه معادل لله , فضلا عن أن يدعي الألوهية !
عقيدة الصلب :
** ( طوبى للذي ينظر إلى المسكين , في يوم الشر ينجيه الرب , الرب يحفظه و يحييه , يغتبط في الأرض و لا يسلمه إلى مرام أعدائه ) المزمور (41\1-3) .
** يتحدث المزمور (41\5-9) عن أعداء المرنم , و عن الخائن الذي وثق به , فيقول : ( أعدائي يتقاولون عليَّ بِشرٍّ : متى يموت و يبيد اسمه ؟ و إن دخل ليراني يتكلم بالكذب , قلبه يجمع لنفسه إثماً , يخرج في الخارج يتكلم , كل مبغضي يتناجون معاً عليّ , عليّ تفكروا بأذيتي , يقولون : أمر ردئ قد انسكب عليه , حيث اضطجع لا يعود يقوم . أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليَّ عقبه ) . لكن كمال المسيح و حسن طاعته لله نجياه من كيد عدوه , و أبطل مؤامرة يهوذا , فيقول المزمور : ( أما أنت يا رب فارحمني و أقمني فأجازيهم , بهذا علمت أنك سررت بي أنه لم يهتف عليّ عدوي , أما أنا فبكمالي دعمتني و أقمتني قدامك إلى الأبد , مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل و إلى الأبد . آمين آمين ) . المزمور (41\10-13) . لقد سُرّ به ربه , و لم يهتف عليه عدوه , بل بكماله و صلاحه كتبت له النجاة .
و لقد أمَّن بولس في رسالته إلى العبرانيين هذه القضية فقال : ( الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد و دموع طلبات و تضرعات للقادر أن يخلصه من الموت و سمع له من أجل تقواه )7:5َ
إذن فقد أقر الكتاب المقدس بنجاة المسيح من الموت .
** ورد في إنجيل مرقس (34:15 ) قول المسيح و هو معلق على الصليب ( إلهي إلهي لماذا تركتني ؟ ) فإذا كان المسيح هو الله فإلى من كان يصرخ , و من هو هذا الإله الذي تركه ؟!
~~~~~~~ ~~~~~~ ~~~~~~~ ~~~~~~~
**يقول النصارى أن المسيح ساوى نفسه بالله كما ورد على لسانه في إنجيل يوحنا (30:10 ): ( أنا و الأب واحد ) , و للرد على هذا نقول أنه إذا كانت كلمة ( واحد ) هنا تعني المساواة فهذا يعني أن تلاميذ المسيح أيضا آلهة , و ذلك لأن نفس الكلمة ( واحد ) و نفس سياق الآية ورد بخصوص التلاميذ على لسان المسيح كما جاء في إنجيل يوحنا (22:21:17) : ( ليكون الجميع واحد كما أنك أنت أيها الأب فيّ و أنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا كما أننا واحد ) .
** ( ابن الله ) هكذا دائماً يصفه الإنجيل بأنه ابن الله , مثل ما ورد في يوحنا ( 35:3 ) و في (25:17 ) .
و للرد على هذا نقول أن كلمة ابن الله لم ترد في الأناجيل للمسيح فقط , فقد وردت أيضا لمسميات عدة منها ما ورد في العهد القديم أن الله سمى إسرائيل ابنه , و كذلك ورد لكل من آمن بالمسيح ( و أما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله ) إنجيل يوحنا ( 12:1 ) , و أيضا ورد في إنجيل متى ( 9:5 ) : ( طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله ) , و في متى (45:44) : ( و صلوا لأجل الذين يسيؤون إليكم
و يطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات ) .
فإذا كانت كلمة ( ابن الله ) مجازية فيدل هذا على أن المسيح بشر متساوٍ مع كل الذين وردت في حقهم هذه التسمية , أما إذا كانت غير مجازية أي أنها بنوة حقيقية لله أصبح كل الذين وردت في حقهم آلهة مثل المسيح ... و المسيح بنفسه أزال هذا الإشكال عندما أورد على لسانه كما جاء في إنجيل يوحنا (13:20 ):
( فقال المسيح لمريم المجدلية اذهبي إلى إخوتي و قولي لهم إني أصعد إلى أبي و أبيكم و إلهي و إلهكم )
** يقول النصارى أن المسيح له أسماء إلهية مما يدل على أنه الله ، كما ورد في سفر أشعيا ( 6:9 ) :
( لأنه يولد لنا ولد و يعطى ابناً , و تكون الرياسة على كتفه و يدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً ) .
فنقول أن كلمة ( إله ) التي وردت في الآية في حق المسيح قد وردت في حق موسى أيضا في العهد القديم سفر الخروج ( 1:7 ) : ( انظر إنا جعلناك إلهاً لفرعون , و هارون أخوك يكون نبيك ) فموسى أحق بالألوهية من المسيح إذاً لأن الألوهية وردت في حقه صراحة بالإضافة إلى أن له نبيّ .
وحدانية الله :
و قد وردت في الأناجيل أدلة كثيرة على وحدانية الله , منها :
** ( أنا الرب و ليس آخر . لا إله سواي ) سفر إشعياء (5:45) .
** ( أن الرب هو الإله , ليس آخر سواه ) سفر التثنية (35:4) .
** ( الرب إلهنا رب واحد ) سفر التثنية (4:6) .
** ( و إلهاً سواي لست تعرف ) سفر هوشع (4:13) .
** قال المسيح في إنجيل متى (10:4) : ( للرب إلهك تسجد و إياه وحده تعبد ) .
** ( لأن أباكم واحد الذي في السماء ) إنجيل متى (9:23) .
** ( إن أول كل الوصايا .. الرب إلهنا رب واحد ) إنجيل مرقس (29:12) .
تحريف الإنجيل :
نحن _ المسلمين _ نؤمن بأن الله تعالى قد أنزل الإنجيل على رسوله عيسى عليه السلام , و لكن مع مرور الأزمنة دخل التحريف إلى الإنجيل ، و أصبح لدى طوائف النصارى المختلفة ما يفوق السبعين كتاباً مقدساً .. في حين أن المسلمين لديهم كتاب واحد لم يتبدل فيه حرف منذ نزوله على الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و حتى يومنا هذا . و نتيجة لدخول التحريف – المتعمد و غير المتعمد – فقد و قعت الأناجيل المختلفة في تناقضات كثيرة لا يتسع المقام هنا لعرضها كلها , و لكن سنعرض بعضاً منها :
** إنجيل مرقس (25:15) : ( الساعة الثالثة صلبوه ) يناقض إنجيل يوحنا (19\14-16) : ( الساعة السادسة صلبوه ) !
** إنجيل متى (12\38-40) : ( طلب الفريسيون من المسيح آية فأعطاهم آية يونان) يناقض إنجيل مرقس (8\11-13) : ( طلب الفريسيون من المسيح آية فرفض ) ويناقض إنجيل لوقا (20:11) : ( طلبوا من المسيح آية فأخرج الشياطين ) !
** سفر التكوين (3:2) : ( تعب الرب فاستراح في اليوم السابع ) يناقض سفر إشعياء (28:40) : ( الرب لا يكل و لا يعيا ) !
** سفر الملوك (2\1-11) : ( إيليا يصعد إلى السماء ) يناقض إنجيل يوحنا (13:3)

لم يصعد أحد إلى السماء إلا ابن الإنسان ) !
** سفر التكوين (12:14) : ( لوط عليه السلام ابن أخ إبراهيم ) يناقض سفر التكوين (14:14) : ( لوط عليه السلام أخ إبراهيم ) !
** إنجيل متى (9:9) : ( رأى المسيح إنساناً اسمه متى عند مكان الجباية ) يناقض إنجيل مرقس (14:2) : ( رأى المسيح لاوى بن حلفى عند مكان الجباية ) و إنجيل لوقا (5\27-28) : ( رأى المسيح عشاراً اسمه لاوى عند مكان الجباية ) !
** إنجيل يوحنا (31:5) : ( إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً ) يناقض يوحنا (14:8) : ( إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق ) !
** إنجيل متى (20\29-34) : ( تبعه جمع كثير و أشفى المسيح أعميان ) يناقض إنجيل مرقس (10\46-52) : ( تبعه جمع كثير و أشفى المسيح أعمى واحد ) !
** إنجيل مرقس (32:15) : ( و اللذان صلبا معه كانا يعيرانه ) يناقض لوقا (23\39-43) : ( كان واحد منهم يعيره فانتهره الآخر ) !
** إنجيل متى (32:27) : ( سخَّروا سمعان القيرواني لحمل صليب المسيح ) يناقض إنجيل يوحنا (19\16-18) : ( المسيح حمل صليبه ) !
** سفر حزقيال (26\7-14) : ( نبوخذنصر يدمر صور و لن تبنى أبداً ) يناقض سفر حزقيال (29\18-20) : ( جيش نبوخذنصر يعمر صور مجاناً ) !!!
** سفر أيوب (3:23) : ( يطلب الرب فلا يجده ) يناقض سفر أرمياء (13:29) : ( يطلب الرب فيجده ) !!
** سفر إشعياء (8:7) : ( ينكسر أفرايم في مدة 65 سنة ) يناقض سفر الملوك الثاني (6:17) : ( انكسر في سنتين ) !!!!
** سفر التكوين (6\6-7) : ( ندم الله أن خلق الإنسان ) , و سفر الخروج (14:32) : ( فندم الرب ) يناقضان سفر العدد (19:23) : ( ليس الله إنساناً فيكذب و لا ابن إنسان فيندم ) !
سفر التكوين (1\3-5) : ( خلق النور و الليل و النهار في اليوم الأول ) يناقض سفر التكوين (14:1) : ( خلق النور في اليوم الرابع ) !
** سفر الخروج (11:33) : ( موسى كلم الله وجهاً لوجه ) يناقض سفر الخروج (20:33) : ( قال الرب لموسى لا تقدر أن ترى وجهي ) !
** سفر التكوين (21:46) : ( بنو بنيامين 10 ) يناقض أخبار الأيام (6:7) :
( بنو بنيامين 3 ) و يناقض أخبار الأيام (8\1-2) : ( بنو بنيامين 5 ) !!!
** إنجيل متى (13:1) : ( يكنيا ولد شأتيل ) يناقض أخبار الأيام (3\17-19) : ( يكنيا ولد أسير ) !
** إنجيل متى (14:11) و (17\10-13) : ( المسيح يقول عن يحيى أنه إيليا ) يناقض إنجيل يوحنا (1\19-28) : ( يحيى ينكر أنه إيليا ) !
كُتَّاب الأناجيل :
الأناجيل المعتمدة لدى طوائف النصارى المختلفة قام بكتابتها متى و مرقس و لوقا و يوحنا , و يعتفد النصارى بأن هؤلاء لم يكتبوا الأناجيل من عندهم و إنما بواسطة الروح القدس عن طريق الإلهام ( بل تكلم أناس الله القديسين مسوقين عن طريق الروح القدس ) , فنقول :
1- لو كان هؤلاء يكتبون بالوحي و الإلهام لما تضاربت أقوالهم , فإذا تناولنا قصة الصلب فقط نجد رواياتهم متباينة للغاية , فمتى مثلاً يقول : أن اليهود عرفوا المسيح بواسطة قبلة قبلها له يهوذا الخائن , أما يوحنا فيقول : لا فقد أظهر لهم نفسه . إذن فمن الصادق منهم و من الكاذب ؟!
2- أيضاً متى يقول : بعد أن ظفر اليهود بالمسيح ذهبوا به إلى مجمع اليهود , بينما يقول يوحنا : أنهم ذهبوا به إلى حنانيا حما قيافا . فمن الصادق منهم و من الكاذب ؟!
3- يقول متى : أن جنود بيلاطس ألبسوا المسيح رداءاً قرمزياً , بينما يقول لوقا : أنهم جنود هيرودس و ليس بيلاطس . فمن الصادق منهم و من الكاذب ؟!
4- قال أصحاب الأناجيل أن المسيح صلب بتهمة التجديف على الله . و المعروف أن عقوبة التجديف هي الموت رجماً و ليس صلباً , سفر اللاويين (24\15-16) : ( و من جدف على اسم الرب فإنه يقتل , يرجمه كل الجماعة رجماً ) , و لذلك عندما جدف إستافنوس على الله قتله اليهود رجماً و ليس صلباً .
5- ذكر صاحب إنجيل متى أن اليهود طلبوا من المسيح معجزة فوعدهم بأنه سوف يموت ثم يمكث في القبر ثلاثة أيام و ثلاث ليالٍ ثم بعد ذلك يقوم و يظهر لهم . و لكن كل ذلك لم يحدث فقد مكث في القبر يوماً واحداً و ليلتين ثم لم يظهر لأي واحد من أعدائه . فهل كذب المسيح أم متى الإنجيلي الملهم ؟!
6- ذكر متى في إنجيله (27\3-10) نبوءة عن يهوذا الإسخريوطي من العهد القديم و نسبها إلى أرميا , و الصحيح أنها من سفر زكريا (11\11-13) و ليست من سفر أرميا و لو كان متى ملهماً لما وقع في هذا الخطأ الجسيم !!
7- اختلف لوقا و متى في ذكر نسب المسيح , فلو كان هنالك إلهام و روح قدس كما يزعمون لما اختلفا في هذا .
8- تنبأت الأناجيل بنهاية العالم في القرن الأول للميلاد و كذلك عودة المسيح ثانية إلى الأرض و ذلك قبل أن يكمل تلاميذه مدن بني إسرائيل و لكن شيئاً من ذلك لم يحدث , فمن الكاذب أصحاب الأناجيل أم المسيح ؟!!
لهذه الأسباب و غيرها نقول أن كُتَّاب الأناجيل لا علاقة لهم بالوحي و الإلهام , فلو كانت المسألة إلهاماً لما اختلفوا في ذكر الحقائق و لما تناقضوا بينهم , فاختلاف أصحاب الأناجيل ليس اختلافاً في التعبير أوالأسلوب وإنما هو اختلاف في الحقائق.
هذه هي الأناجيل .. و هذا بعض ما جاء فيها ..
فما هو التفسير لكل هذه التناقضات الجلية ؟!
أيعقل أن الله تعالى أخطأ فيما أنزل – تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا - ؟
أم أن الأسهل- عقلاً - هو التسليم بوقوع التحريف ؟!
ألم تذكر الأناجيل - بالنص- أن المسيح نبي مرسل من الله ؟!
ألم تُقِر – نصاً – بوحدانية الله ؟!
و هل يعلم النصارى أن الأناجيل كلها لا توجد فيها آية واحدة تحمل نصاً بعقيدة التثليث ؟!
أفلا يكون المسيح بذلك رسولاً نبياً ؟!
( يا أهل الكتاب لا تغلُوا في دينكم و لا تقولوا على الله إلا الحق .
إنما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ الله و كلمتُه ألقاها إلى مريمَ
وروح منه .
فآمنوا بالله و رسله . و لا تقولوا ثلاثة . انتهُوا خيراً لكم .
إنما اللهُ إلهٌ واحد , سبحانه أن يكون لهُ ولد .
له ما في السماواتِ و ما في الأرضِ , و كفى بالله وكيلا )
سورة النساء
أم المسيح عليهما السلام
( إذْ قالت الملائكة يا مريمُ إن الله يُبشِّرُكِ بكلمةٍ منهُ اسمهُ المسيحُ عيسى ابن مريمَ وجيهاً في الدنيا و الآخرة و من المقرَّبين )
.سورة آل عمران
إنه " عيسى ابن مريم " كما دعاه القرآن ..
و قصة أمومة مريم كما جاءت في القرآن الكريم مؤثرة غاية التأثير , فقد تعرضت عليها السلام لأقسى ما تتعرض له أنثى : نشأت في بيت دين تقي , لأب عالم شيخ من كبار بني إسرائيل , فلما حملت بها أمها نذرت لله أن تهب ما في بطنها لخدمة الهيكل , قال تعالى : ( إذ قالت امرأةُ عمرانَ ربِّ إني نذرتُ لك ما في بطني محرَّرَاً فتقبَّّل مني إنك أنت السميعُ العليم ) و لم تكن تعلم ما في بطنها أذكراً أم أنثى , ( فلمَّا وَضَعَتْهَا قالت ربِّ إني وضعتُها أنثى , و اللهُ أعلمُ بما وضعتْ ) , ثم تواصل قولها : ( و ليس الذَّكَرُ كالأنثى ) أي ليسوا سواء في القوة و الجلد و القدرة على خدمة المسجد الأقصى , ( و إني سمَََّيتُها مريمَ , و إني أُعيذُها بك و ذريتها من الشيطانِ الرجيم . فتقبَّلها ربُّها بقَبُولٍ حَسَنٍ و أنبتها نباتاً حسناً ) أي أن الله تعالى تقبل النذر من أمها , و أنه أنبت مريم نباتاً حسناً أي آتاها شكلاً جميلاً و منظراً بهيجاً , و يسر لها أسباب القبول , و قرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم و الخير و الدين ( و كَفَّلَها زكريا , كلما دخل عليها زكريا المحراب وَجَدَ عندها رزقاً , قال يا مريمُ أَنَّى لك هذا؟ قالت هو من عند الله إنَّ اللهَ يرزقُ من يشاءُ بغير حساب) آل عمران 35_37.
ذلك أن أباها عمران مات و هي صغيرة فاختلف القوم فيمن يكفلها , و اقترعوا على ذلك فكفلها نبي الله زكريا و هو زوج خالتها . و أمضت مريم صباها في المحراب عابدة خادمة وفاء بنذر أمها , إلى أن اصطفاها الله عز و جل من بين كل النساء لتكون أم رسوله عيسى عليه و على أمه السلام . بعث الله إليها في خلوتها من بشَّرها ( بكلمةٍ منهُ اسمه المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ وجيهاً في الدنيا و الآخرة و من المقربين ) آل عمران .
فما كادت تسمع البشرى حتى أخذ الروع منها كل مأخذ , ثم رفعت وجهها إلى السماء ضارعة : ( قالت أنَّى يكون لي غلامٌ و لم يمسسني بشرٌ و لم أكُ بغيّاً , قال كذلك قال ربك هو عليَّ هَيِّن , و لنجعله آيةً للناس و رحمةً مِنَّا , و كان أمراً مقضيا ) سورة مريم .
و استسلمت لأمر الله المقضي و قدره المحتوم , حتى أحست بالجنين في رحمها , و ياله من إحساس تعانيه عذراء طاهرة نقية السمعة ! هنالك أشفقت من الفضيحة بين قومها فانتبذت بحملها مكاناً قصياً , فلما جاءها المخاض آوت إلى جذع نخلة و وضعت وليدها ( قالت يا ليتني مِتُّ قبل هذا و كنت نَسْيَاً منسياً , فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سَرِيَّاً , و هُزِّي إليك بجذعِ النخلة تُساقط عليك رُطَبَاً جَنِيَّاً , فكُلي و اشربي و قَرِّي عيناً , فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أُكلم اليوم إنسيَّاً , فَأَتََتْ به قومها تحمله قالوا يا مريمُ لقد جئتِ شيئاً فَرِيَّاً ) أي أمراً عظيماً , ( يا أخت هارون ) أي شبيهة هارون في العبادة ( ما كان أبوك امرأ سَوْءٍ و ما كانت أمك بَغِيَّا ) .
و لم يشفع لها ما عرف القوم من عفتها و طهرها , و لا أنقذها من إفكهم ما بدا من وليدها من آيات بينات :
( فأشارت إليه , قالوا كيف نُكلِّمُ من كان في المهد صبيَّا ؟ قال إني عبدُ الله آتانيَ الكتاب و جعلني نبيا , و جعلني مُباركاً أينما كنتُ و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمتُ حَيَّا , و بَرَّاً بوالدتي ولم يجعلني جبَّاراً شقيا , و السَّلامُ عليَّ يوم وُلدتُ و يوم أموتُ و يوم أبعثُ حَيَّا ) .
فتلقت اتهامهم لها صابرة متجلدة لقضاء الله فيها و قدره , راضية بما هو أقسى من الموت في سبيل ولدها الموعود بالمجد العظيم ..
( ذلك عيسى ابن مريم , قولَ الحق الذي فيه يمترون , ما كان لله أن يتخذ من ولد , سبحانه , إذا قضى أمراً فإنما يقول له كُنْ فيكون , و إن الله ربي و ربكم فاعبدوه , هذا صراطٌ مستقيم ) .سورة مريم 34_37
المرأة في الإسلام
" استوصوا بالنساء خيراً " حديث شريف
جاء الإسلام فأعلى قدر المرأة و كرمها أيّما تكريم , و كفل لها حقوقاً إنسانية و شرعية و مدنية , و جعل النساء شقائق الرجال , وحرر المرأة من عبوديتها , فقد اختلفت الآراء قبل الإسلام بشأن المرأة , فمن هذه الآراء ما كان يقول أن المرأة حيوان نجس يجب أن يكم فمها لأن الشيطان إنما يكمن في لسانها , و كان البعض يناقش بكل جدية هل المرأة لها روح أم لا ؟ و إن كان لها روح فهل هي إنسان أم لا ؟ و إن كانت إنساناً فهل هي كالرجل أم لا ؟ و البعض يقول أنها لا روح لها و لا خلود . و كانت المرأة تُشترى و تباع كباقي الأغراض , و كانت تورث و لا ترث ,
فقرر الإسلام للمرأة حقوقها , وكان القرآن أول تشريع في تاريخ المرأة ينص على أن لها حقوقاً , بل لأول مرة في تاريخ البشرية يعلن أن المرأة تشارك الرجل في بنيان الدولة , و أن لها مثل الرجل في الثواب على الأعمال فقد قال تعالى :
" من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " .
و قال : " للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون و للنساء نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً " .
و قال تعالى : " و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة " .
و قال : " و لهن مِثلُ الذي عليهن بالمعروف " .
و قد حاق بالمرأة الشرقية في العصور اللاحقة ظلم و إجحاف لا يَمُتُّ إلى تعاليم الإسلام بصلة بل الإسلام منه براء .
و فيما يلي عرض موجز لبعض ما كفله الإسلام للمرأة : * أعطى الإسلام المرأة حق التعلم و التعليم , قال صلى الله عليه و سلم :
" طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة " . ولعل السيدة عائشة -رضي الله عنها- زوج الرسول صلى الله عليه وسلم هي خير مثال يضرب هنا , فقد قال أحدهم عنها : " ما رأيت أحداً أعلم بفقه و لا بطب و لا بشعر من عائشة " , و قيل : " لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه و سلم و علم جميع النساء , لكان علم عائشة أفضل " , و قد تركت السيدة عائشة أثراً عميقاً في الحياة الفقهية و الإجتماعية و السياسية .
* قرر الإسلام حق المرأة في اختيار الزوج , فلها أن تبدي رأيها بكامل حريتها في الموافقة أو الرفض , فقد جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم تشتكي أن أباها زَوَّجَها دون رضاها , فرَدَّ صلى الله عليه وسلم نكاحها .
و قال عليه الصلاة و السلام : " لا تنكح الأيم حتى تُستأمر , و لا تنكح البِكر حتى تستأذن " . و الأيم هي التي لا زوج لها ( مطلقة أو أرملة ) , و البكر هي التي لم يسبق لها الزواج .
* كما أن الإسلام ينظر إلى المرأة باعتبارها جوهرة مصونة , و أراد حفظها عن أيدي العابثين و نظرات الساقطين فأمرها بالحجاب , و لم يُجز لها إظهار زينتها إلا أمام أهل بيتها و زوجها .
و نحن نرى الآن النساء غير المسلمات يضعن أغطية على رؤوسهن و يرتدين ملابس محترمة عندما يذهبن إلى الكنيسة أو عند حضور الجنائز , و كذلك الراهبات في الكنائس . فلماذا يحتشمن في هذه الأماكن ؟! لأن هذه الأماكن لها احترام خاص و قدسية خاصة ؛ لذلك تحاول المرأة أن تكون في مظهر لائق محترم .
أما المرأة المسلمة فإن احترامها و حشمتها لا تتقيد بمكان معين أو بطقوس معينة بل هي محترمة محتشمة مصونة أينما كانت و حيثما حلت .
و لا يخفى على أحد ما في ذلك من حفظ للمجتمعات من الانحلال الخلقي لو أن الناس تمسكوا بهذا الأمر . فتخيل مجتمعاً تسير كل نسائه متحجبات متسترات لا يلبسن الضيق و لا يتكسرن في مشيهن و لا يظهرن شيئاً من أجسادهن , هل يمكن لمجتمع بهذه الصورة أن يتحلل أو أن تنتشر فيه الجرائم الأخلاقية ؟!! * إضافة إلى حق المرأة في اختيار زوجها فإن الإسلام قد جعلها ملكة مكرمة في بيتها , و أمر الرجل بالعمل في الخارج للإنفاق عليها و على أبنائها , و قبل زواجها يكون أبوها ملزماً بالإنفاق عليها , و أمر الإسلام الرجل بالإحسان إلى المرأة , فقد قال الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم : ( و عاشروهن بالمعروف ) , و قال صلى الله عليه و سلم : " استوصوا بالنساء خيراً " , و قال : " خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي " , و قال : " رفقاً بالقوارير " أي النساء .
و قال صلى الله عليه و سلم : " من كانت له أنثى فلم يئدها , و لم يُهنها , و لم يُؤثِر ولده عليها – يعني الذكور - أدخله الله الجنة " .
كما قال عليه الصلاة و السلام :
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً , و خياركم خياركم لنسائهم " أي أفضل المؤمنين هم أحسنهم تعاملاً مع زوجاتهم . فأيُّ تكريم هذا للمرأة ! و أيُّ تشريف ! و قد سمعنا بالمرأة النصرانية التي زارت أسرة مسلمة , فتعجبت من الإحترام الهائل الذي يوليه كل أفراد البيت لجدتهم , جميعهم صغاراً و كباراً رهن إشارتها , و عندما سألتهم قالوا لها أن الإسلام يأمرنا بذلك , فاعتنقت الإسلام .
* جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه و سلم يستأذنه في أن يوصي بماله للمسلمين لأنه لم يرزق بولد ذكر يرثه - ولم تكن أحكام المواريث قد نزل بها القرآن بعد - فسأله صلى الله عليه و سلم : " هل لك بنات ؟ " فلما قال نعم , رفض عليه الصلاة و السلام أن يوصي بماله و له بنات ؛ حتى ترثه بناته .
و قد كان من عادات الجاهلية ألا ترث النساء شيئاً , بينما تُورث هي شأنها شأن الأموال و المتاع . فجاء الإسلام ليلغي ذلك كله و يعلن أن المرأة لها حقها في الميراث , و مقدار ما تأخذه يختلف بحسب نوع قرابتها للميت , و من الأمثلة على ذلك أنه إذا كان الميتُ أباها و لها إخوة فإنها تنال نصف ما يناله أخوها , و في هذا إكرام كبير للمرأة , فهي تنال هذا النصيب على الرغم من أنها ليست ملزمة بالإنفاق على أحد مطلقاً و لا حتى على نفسها , بل أن الرجل هو الملزم بالإنفاق عليها إنفاقاً كاملاً و تهيئة حياة كريمة لها . فأي تكريم هذا ! هل نالت المرأة في أي مجتمع من المجتمعات مثل هذا التقدير العظيم ! و قد كفل الإسلام لها حق الملكية و حرية التصرف في مالها سواءاً كان مالاً قد ورثته أو حصلت عليه من عملها .
* و أكثر من هذا فإن الإسلام أوجب على الأبناء الإحسان إلى أمهاتهم , قال تعالى : ( و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا ) , و قال الرسول صلى الله عليه و سلم للرجل الذي سأله عن أحق الناس بإكرامه : " أمك...ثم أمك...ثم أمك...ثم أبوك ". فالأم في الإسلام لا يجوز رميها في دار العجزة أو إهمالها أو الإساءة إليها , بل على أبنائها أن يبروها و يحسنوا معاملتها , قال تعالى : ( ولا تقل لهما أُف و لا تنهرهما و قل لهما قولاً كريما) , كما قال سبحانه :
( وصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن و فصاله في عامين . أن أشكر لي و لوالديك إليَّ المصير ) , و قال جلَّ في عُلاه :
( و صاحبهما في الدنيا معروفا ) فمجرد إظهار التضجر منهما لا يجوز , بل إن من يسئ إلى والديه مهدد بالعقوبة الشديدة يوم القيامة .
* في المجتمع الجاهلي أي قبل الإسلام كان الرجل يتزوج من النساء أي عدد يشاء دون ضابط أو قيد , و نرى اليوم ما يحدث في المجتمعات الغربية من انتشار الخيانات الزوجية و الطلاق , و اتخاذ الرجل لصديقات و خليلات إلى جانب زوجته , فأتى الإسلام لينظم هذا الأمر و يقرر أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من أربعة ,
و يشترط شرطاً صعباً يجعل الرجل يفكر ملياً قبل الإقدام على التعديد و هو شرط العدل التام بين الزوجات , و من لا يقدر على ذلك لا يجوز له التعديد و إلا اعتبر آثماً و يعرض نفسه للعقوبة يوم القيامة .
و لا يخفى أن مشروعية تعدد الزوجات لها الكثير من الإيجابيات على المجتمع , نذكر منها :
~ تقليل نسبة العنوسة في المجتمع و خاصة عندما تكثر الحروب و يقل الرجال , و إن قال قائل أن التعدد سوف يؤذي الزوجة الأولى و يسبب لها ألماً نفسياً , فإننا نقول أن الرجل إذا تزوج من أربعة نساء مثلاً فإن الأولى قد لا تكون موافقة , و لكن الثلاث الأخريات رضين بالزواج من رجل معدد , إذن فمن بين كل أربعة نساء توجد ثلاثة يرتضين التعدد و واحدة ترفضه .
ولقد عقدت في ألمانيا عدة مؤتمرات بعد الحرب العالمية , و نادى المؤتمرون بوجوب إباحة التعدد لمواجهة المشكلة الناتجة عن نقص الرجال , و نادى كثير من المفكرين الغربيين بوجوب إباحة التعدد و لكن العالم الغربي أصم أذنيه عن هذا الأمر .
~ إذا كانت الزوجة مصابة بعيب ما كالعقم أو مرض عضال لا يُمكِّنها من رعاية بيتها و الإعتناء بزوجها كما يجب , فإن الزوج بزواجه من أخرى يحل الإشكال دون أن يضطر إلى تطليق زوجته الأولى , بل يظل معها و يرعاها .
~ إذا كان الرجل من نوع الرجال الذين لديهم رغبة كبيرة في النساء , فإنه بدلاً من أن يخون زوجته و يعمد إلى أساليب غير لائقة , فإنه يطرق البيوت من أبوابها و يتزوج بمن يرغب فيها دون أن يضطر إلى تطليق زوجته الأولى أو خيانتها , علماً بأن الزوجة الأولى لها الحرية في الاستمرار معه أو طلب الطلاق , فالطلاق جائز في الإسلام و إن كان أبغض الحلال إلى الله .
هذا باختصار بعض ما للتعديد من إيجابيات , و قد يكون له بعض السلبيات على مستوى الأفراد و لكنها سلبيات تضمحل إذا ما قورنت بالإيجابيات .
هذه هي المرأة في الإسلام ..
الجوهرة المصونة و اللؤلؤة المكنونة ..
المشمولة بالرعاية من الرجل منذ ولادتها حتى شيخوختها مروراً بزواجها . فهل نالت امرأة غير المسلمة مثل هذا الحفظ و الرعاية و الحنان و التكريم !!
و ما شاهدناه في المجتمعات في العصور اللاحقة للإسلام من إجحاف و ظلم للمرأة و تضييع لحقوقها فهذا ناتج عن ابتعاد الناس عن تطبيق الإسلام كما يجب . فلو أنهم امتثلوا أمر الله سبحانه و تعالى لما حاق الظلم بأحد أبداً.. امرأةً كانت أو رجلا! ً
المراجع
القرآن الكريم
تفسير القرآن ابن كثير
مختصر صحيح البخاري الإمام زين الدين الزبيدي
حقيقة الحروب الصليبية الجديدة الشيخ يوسف بن صالح العييري
محمد رسولاً نبياً عبد الرزاق نوفل-جزاه الله خيرالجزاء-
تراجم سيدات بيت النبوة د . عائشة عبد الرحمن
المسيح صلب أم رفع ؟ أبو البراء عمار بن صالح
ماذا يقول الغرب عن محمد؟ أحمد ديدات
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم د.عبد المجيد الزنداني
نحو مجتمع إسلامي سيد قطب
معجزات الرسول د.مصطفى ماردينيي
موقع الشبكة الإسلامية على الإنترنت
( إن اختياري لمحمد ليكون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ قد يدهش القراء ,و لكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني و الدنيوي .
فهناك رسل و أنبياء و حكماء بدؤوا رسالات عظيمة و لكنهم ماتوا دون إتمامها –كالمسيح في المسيحية- أو شاركهم فيها غيرهم أو سبق إليها سواهم كموسى في اليهودية .
و لكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية كاملة , و تحددت بذلك كل أحكامها و آمنت بها شعوب بأسرها في حياته .
و قد أقام إلى جانب الدين دولة جديدة , و هو في هذا المجال الدنيوي أيضاً قام بتوحيد القبائل في شعوب , و الشعوب في أمة , و وضع لها كل أسس حياتها , و رسم أمور دنياها و وضعها موضع الانطلاق إلى العالم , و هذا أيضاً تمَّ في حياته , فهو الذي بدأ الرسالة الدينية و الدنيوية و أتمها .
إن معظم الذين غيروا التاريخ ظهروا في قلب أحد المراكز الحضارية في العالم- في بيئة متمدنة تبرر ظهور العظماء فيها - و لكن محمداً هو الوحيد الذي نشأ في بقعة من الصحراء الجرداء المجردة تماماً من كل مقومات الحياة و الحضارة و التقدم , و لكنه جعل من البدو البسطاء المتحاربين قوة معنوية هائلة قهرت بعد ذلك امبراطوريات فارس و بيزنطة و روما المتقدمة بما لايقاس ) .
مايكل هارت .. مؤلف كتاب ( المائة الأوائل )