|
رجل من بين انقاض الذكريات ..
غريب ..
غريب ..
كل شئ من حوله يتسم بالغربه ..
الوجوه .. المقاعد ..
الكؤوس ..المناضد ..
المرأة التي تقدم القهوة للموجودين ..
كل شئ ..
كل شئ ..
نفث دخان لفافته في حرقة .. واطلق اهة حري ..
راقب سحائب الدخان وهي تدور في حلقات ..
رشف اخر رشفه من فنجانه الكئيب الموضوع امامه .. رمق (حتراب) البن المتبقي في الفنجان آملا ان يجود عليه بقراءة متأنية للمستقبل ..
لا جديد ..
شريط الذكريات يمر امامه بصورة مسرعه ..
تذكر حين كان يمر هو وزينب واضعا كفها الصغيرة بين راحتيه .. يسيران لصقا الي لصق بين الحقول ..
تفلت فجأة من قبضته وتركض بين اعواد السنابل الطويله ..
فيقضي النهار كله بحثا عنها وهي تطلق ضحكات البراءة الشهيرة .. يجلسان عند اقتراب المغيب تحت جذع الجميز الضخم .. يحلمان بالمستقبل الوردي ..
- سأصبح طبيبا .. وتفخر كل البلده بأنك قد تزوجتي طبيبا ..
- انا اريدك علي اي حال كنت ..
يطبع قبله حانية علي خدها .. ويقبل كفها برفق .. يحملها علي ظهره يشق بها طريق الحقول .. وهي تضع كفيها علي عينيه .. يمين .. يسار .. يمين .. يسار ..
ابتسم في حزن ..
- أنت غريب عن هنا اليس كذلك ؟..
صوت نسائي رخيم يقتلعه من صمت ذكرياته ويلقي به الي ضجيج واقع مرير ..
- ولدت هنا ..
- هل لديك معارف هنا ؟..
كلا ؟ اجاب باقتضاب ..
- مارايك لو قمنا نتمشي قليلا ؟..
لا يحس برغبه في مبارحة هذا المكان .. كل ركن فيه يفجر بداخله ذكريات حميمة ..
جده يجلس علي مقعد خشبي كبير .. يدخن نارجيلته الضخمه مرتديا (طربوشه) الاحمر الكبير ذو الثلاث شرائط .. وملتحفا قفطانا مذهبا من الحرير الابيض .. حاملا مسبحته السوداء بيمينه ..وصياحه يملأ المكان ..
بينما يعبث هو بممتلكات الاطفال محتميا بجبروت جده ..
تذكر ايام العيد الكبير وجدته وامه تعدان الحلوي هنا .. في ذلك الركن .. وتذكر محاولاته هو وزينب سرقه الحلوي قبل تمام الاعداد ..
اطلق ضحكة بينه وبين نفسه .. يذكر تفاصيل ذلك اليوم وكأنما قد حدث بالامس .. يوم ان قبضه جده متلبسا بسرقه الحلوي وحاول الفرار فلحقه جده بأن (زنه) بعصاه المعقوفة محدثا به الما هائلا في ظهره .. غضب من جده غضبا شديدا .. ولكنه لم يلبث ان احبه حبا كبيرا بعد ان صالحه جده بالثلاث قروش الفضية والتي اشتري بها مسبحه من العقيق الابيض لوالده .. وقبله علي جبينه ..
فرت دمعه حاول جاهدا ان يخفيها ..
تذكر يوم زفاف زينب .. يا الله .. لكم هو مرعب حتي مجرد الذكري حول هذا الامر الجلل ..
يوم وفاة جده .. كان وكأنما قدكفت الارض عن الدوران .. كان جده يعني له الكثير .. تذكر يومها ان تسائل ..
مامعني عبارة (مات) جدي يا امي .؟؟..
لا يفقه شيئا عن امور الغيب .. سوي ان جده لن يعود الي اليه مرة اخري .. تذكر انه بكي بكاء لم يتوقف لثلاث ليال متتابعه .. آملا ان يحن عليه جده ويعود مرة اخري ..
ويوم وفاة جدته .. ظن انه قد وعي الدرس .. وان ما اخذته الايام .. لن يعيده البكاء .. فلم يذرف عليها دمعه واحده يوم وفاتها .. الا انه ادرك حوجته اليها بعد ذلك .. فانطلق هائما علي وجهه بحثا عنها قرابه الاسبوع ..
ايييييييييييه .. تنهيده تشبه صوت الذبيح .. اغمض عينيه في الم ..
فلينسي .. فما عادت تنفع الذكري في شئ ..
- عفوا ..
- الم تسمعني ؟..
- لا احس برغبه في ذلك .. فاعذريني ..
عدل من وضع قفطانه الابيض المذهب .. وحمل حقيبته الوحيده .. ووضع (طربوشه) ذو الشرائط الحمراء الثلاث علي راسه .. وعصاه المعقوفة ومسبحته العقيقية البيضاء .. وغادر ..
ادرك يقينا بأن ما ذهب لا يبعث تارة اخري .. وعزم علي اكمال الرحلة حتي اعلان صافرة النهاية ..
وحيدا ..
حزينا ..
غريبــــــــــــــا ..
سالب زول
|