18-06-2008, 05:46
|
رقم المشاركة :
6 (permalink)
|
معلومات العضو
|
|
|
إحصائية العضو
|
|
|
|
رد: تاريخ النوبة والبجة المساعدة
ثقافة المجموعة الثالثة في النوبة السفلى
ماريا كوستانزا دي سيموني
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
Quote: بدأ البحث الآثاري المنظم في النوبة فقط في سنة 1906. كلف مدير مصلحة الآثار المصرية حينها، الفرنسي الإيطالي ماسبيرو، فايجل بإجراء استكشاف للآثار المصرية في المنطقة التى أصبحت مهددة بالغرق بفعل تشييد خزان أسوان. كان فايجل هو الأول الذى أشار إلى وجود ثقافة أصيلة تختلف عن الثقافات المصرية.
كان ريزنر الباحث الأول الذى قام بتصنيف تواتر كرونولوجي Reisner,1910. طور هام من هذا التواتر تمثله ثقافة "المجموعة الثالثة"، المسماة أيضاً بالنوبية الوسطى. تمثل المجموعة الثالثة أو النوبية الوسطى تقليداً غير منقطع في التاريخ الثقافي للنوبة السفلى، والتي، طبقاً للنصوص المصرية، مرت بفترة رخية شهدت مستويات سكانية عالية.
ليس سهلاً تفسير أصل ثقافة "المجموعة الثالثة"، فقد طرح الباحثون العديد من النظريات، بما في ذلك نظرية الهجرة والنظرية التطورية.
النظرية التطورية
تقول النظرية التطورية بأن ثقافة "المجموعة الثالثة" تشتق جذورها من الثقافة الأقدم "المجموعة الأولى". ألفت هذه الأخيرة جماعات صغيرة منظمة في إقامات زراعية/ زراعية-رعوية متواضعة. مع تقادم الزمن زاد زعماء الجماعات من سلطاتهم. كم كبير من المواد التى تم جمعها من مواقع في المنطقة المصرية، وهو ما يشير احتمالاً إلى وجود علاقات وثيقة بين القطرين Nordstrom,1972.
فيما بعد أصبحت السلطة في مصر مركزية، وأصبحت مصر تمارس تأثيراً سيادياً على جيرانها، بهدف الحصول على منتجات جبال البحر الأحمر والسودان الأوسط. في الوقت الذى كانت الأسر الأولى آخذة في التشكل في مصر، فإنه يبدو أن ثقافة المجموعة الأولى في النوبة كانت تعاني من الانهيار. ويبدو أن البينة الآثارية تدعم فكرة أن الطور النوبي الأوسط كان في الأساس استمراراً وتطوراً للطور الأخير لثقافة المجموعة الأولى، المسماة أيضاً بالنوبية المبكرة. وجدت مواقع كانت مأهولة خلال الفترتين واستمرت باقية الجرار ذات العنق الأسود، مثلها مثل الممارسات الجنائزية، من الطور النوبي المبكر.
في الطور النوبي الأوسط الأول يبدو أن عناصر جديدة أخذت في الظهور: لكنها لا تستبعد، في رأي، إمكانية الاستمرارية. على سبيل المثال، وجدت العديد من الهياكل التى تحمل سمات زنجية في مدافن المجموعة الثالثة، في حين كانت هياكل الفترة السابقة تحمل سمات أشبه بسمات المصريين.
الإجابة عن تلك الأسئلة يمكن أن يوفرها البحث الجاري مؤخراً في كرمة Aa.Vv.1990. تشير الاكتشافات الجديدة إلى وجود، منذ أزمان العصر الحجري الحديث، مجتمع مستقر يحكمه زعماء محليون يمتلكون قدراً معلوماً من السلطة. ويشير اكتشاف موقع اقامة سابق لعصر كرمة يحتوي على فخار معاصر في منطقة الشلال الثالث إلى مناخ اجتماعي سياسي في النوبة الوسطى مختلف عن ذلك الموجود في النوبة السفلى. في حوالي 3000 ق.م. تم تدعيم النمو السكاني الذى كان قد بدأ في العصر الحجري الحديث المتأخر. لم يتم العثور على مواد مصرية مستوردة، ويبدو أن هذا المجتمع قد اتبع تنظيماً مستقلاً.
مع أن النوبة السفلى مثلت دولة عازلة على مدى 2000 سنة تقريباً، فإننا نجد العديد من التشابهات في المادة التى تم جمعها في الحدود الجنوبية لمصر في النوبة العليا. بلا شك في وجود شبكة علاقات مكثفة، ويبدو أن العديد من السمات قد تشير إلى نشوء سلطة محددة. الفخار عإلى الجودة يمثل ارتداداً للأزمان الحجرية الحديثة. إلا أن تطور الأشكال، والزخرف، والبنية يشهد على تحول سريع، ارتبط بتأسيس المملكة، التى هى بلا شك كرمة. الطلب المتزايد من جانب المصريين لمنتجاتها الغريبة أعطت لهذه المملكة، التى يمكن أن تكون يام طبقاً لنصوص المملكة المصرية القديمة، دوراً حاسماً.
سجل تاريخ حضارة كرمة فقط بدءاً من 2500 ق.م. يسمى الباحثون هذا الطور بـ كرمة القديمة. في جبانة كرمة الشرقية تم الكشف عن مدافن لـ "المجموعة الثالثة" بالقرب من مدافن كرمة النمطية. بالتالي كان هناك قدر من الوجود المتزامن للمجموعتين قبل أن يصل أهل المجموعة الثالثة إلى درجة أعلى من الاستقلالية في منطقة الشلال الثاني Bonnet,1982. قد يفسر ذلك وجود هياكل زنجية في مدافن المجموعة الثالثة.
رغم هيمنة الجيوش الفرعونية ورقابتها فقد تمكن أهل المجموعة الثالثة من تدعيم أنفسهم في النوبة السفلى وتطوير ثقافة أشبه بثقافة كرمة. خلال فترة كرمة الكلاسيكية (1750-1500 ق.م.) تم التوحيد تحت سيادة كرمة. وجهة النظر هذه فيما يبدو تجد دعماً لها في وجود قرى محصنة، مثل قرى أمادا ووادي السبوع وبوجود مقابر كرمة المنتشرة في المنطقة. في حين أنه وإلى الجنوب من الشلال الثاني شكلت مملكة كرمة نفسها المنطقة العازلة، فإن المجموعة الثالثة شكلت احتمالاً العازل في الشمال. القوة العسكرية لمملكة كرمة (المسماة أيضاًُ مملكة كوش) مثلت مصدراً لقلق مصر، التى أقامت حاجزاً، في شكل عدد من الحصون في منطقة الشلال الثاني. باستغلال النزاعات الداخلية في مصر نحجت مملكة كرمة في توسيع رقعتها خلال المرحلة الانتقالية الثانية (1674-1553 ق.م.).
عنصر جديد وجد في مدافن "المجموعة الثالثة" تمثل في ظهور رسوم للأبقار. على مدى حوالي 1000 سنة انحصر فنهم التخطيطي في تصوير الأبقار على الحجر، والمسلات الجنائزية، والفخار. أولئك الذين يقولون بفكرة الهجرة استخدموا هذا العنصر الجديد أساساً رئيساً لاطروحتهم. يقول الادعاء، بأنه في حين اعتمد اقتصاد "المجموعة الأولى" في الأساس على الزراعة، فإن اقتصاد "المجموعة الثالثة" اعتمد على تربية القطعان. وتجرى المجادلة لتقول بأن هذا يعني أن أهل "المجموعة الأولى" كانوا فلاحين مستقرين، في حين أن أهل "المجموعة الثالثة" كانوا رعاة مراحيل، وبالتإلى فإن المجموعتين مثلتا شعبين مختلفين.
البينة المأخوذة من البقايا العظمية تشير على، أية حال، إلى قصة مغايرة. يشير اكتشاف عظام الأبقار، وجلودها، مقابرها في العديد من مواقع "المجموعة اولى" إلى أن الرعاوة، كانت تمثل في الواقع جزءاً هاماً في اقتصادهم خلافاً للاعتقاد السائد سابقاُ حول عدم ممارستهم الرعي.
عند هذه النقطة أود أيضاً أن افترض بأنه وفي الفترة السابقة لتوحيد مصر العليا والسفلى كانت العلاقات بين المصريين وأهل المجموعة الأولى، وفقاً للبينة الآثارية، جيدة أو، على الأقل، لم يشكل المصريون وجوداً مهدداً كما أصبحوا في أزمان لاحقة. في الحقيقة تشهد مواقع المجموعة الأولى على درجة عالية من الاستقرار، الذى يمثل مؤشراً على قدر من الهدوء، ويشير توفر العديد من الموضوعات المصرية على وجود علاقات تجارية عادية، وبالتالي، احتمال علاقات ودية. تصل ثقافة المجموعة الأولى أوجها بنهاية الفترة الجرزية (حوالي 3050-3300 ق.م). بدءاً من الأسرة المصرية الأولى (3050 ق.م) لا تتوفر لدينا أية معلومات عن ثقافة المجموعة الأولى. هناك بينة دالة على نقصان معدل فيضان النيل في فترة الأسرة الأولى والذى يمكن ربطه بانخفاض الأرض التى تغطيها مياه الفيضان في النوبة السفلى من حد أقصى 7-6 متر فوق المستوى الحالي: تم حدوث هذا الحد الأقصى بين 4000 و3000 ق.م. Wendt,1966. بينما تكون تلك الأحداث قد أثرت على النوبة السفلى أكثر من تأثيرها على مصر، فإنه يستحيل ارجاع الاختفاء الكامل للمجموعة الأولى في النوبة السفلى كلياً لعوامل طبيعية. كما وليست هناك بينة صريحة عن نشاط عسكري مصري في النوبة السفلى بعد الأسرة الأولى المبكرة.
قد يكون لتوحيد مصر انعكاسات سلبية على النوبة. في كل الاحتمالات جسدت مركزية السلطة في مصر تهديداً في نظر النوبيين، فاسرعوا في البحث عن حلفاء وسط جيرانهم الجنوبيين الذين كانوا في تلك الفترة قد شرعوا في تأسيس دولة قوية. يمكن أن يكون في هذه الحقيقة تفسيراً للتعايش لفترة محددة بين "المجموعة الثالثة المبكرة" وكرمة القديمة. استمر هذا التعايش حتى تراجع المجموعة الثالثة إلى النوبة السفلى، حيث لم يعودوا يمارسون، على الأقل في البداية، حياة الاستقرار التى ميزت المجموعة الأولى. على العكس، بدأوا في اتباع وجود بدوي اتخذ من الرعاوة قاعدة اقتصادية له (مسلات الثيرات ترجع للمجموعة الثالثة المبكرة Steindorff,1935).
ترجع أهم مواقع اقامة المجموعة الثالثة التى تشير بوضوح إلى حياة استقرار للمرحلة الانتقالية الثانية، أي، فترة توحيد النوبة تحت سلطة مملكة كرمة.
نظرية الهجرة
أما فيما يتعلق بنظرية الهجرة، فإن بعض الباحثين يجدون في هذه الثقافة الجديدة عناصر كانت مفقودة في ثقافة المجموعة الأولى، ومن ثم يفترضون أن التجديدات جلبت إلى النوبة بفعل هجرة وافدة. وبالنسبة للمنطقة التى قدمت منها الهجرة فقد طرحت العديد من النظريات.
وفقاً لفيرث، تحركت الهجرة من الصحراء الشرقية أو من منطقة نهر عطبرة. وطابق مردوخ "المجموعة الثالثة" بالبجة سكان الصحراء الشرقية وافترض بأنهم هم الذين أدخلوا حلب اللبن إلى المنطقة. ورأى بأن سكان النوبة السابقين كانوا قد أخذوا تربية الحيوانات من المصريين ونقلوها بدورهم إلى جماعات أخرى قامت هذه الأخيرة بنقلها إلى غرب أفريقيا. وتقبل يونكر نظرية الأصل الحامي، الشرقي للمجموعة الثالثة. ومن جانب آخر فإن كل من بيتس، وكيروان، وايمري يؤيدون فكرة الأصل الغربي، تحديداً الليبي للمجموعة الثالثة. إلا أن العناصر الثقافية المشتركة بين المجموعة الثالثة والليبيين تتكون من عناصر منتشرة بصورة واسعة في شمال أفريقيا، بالتالي، فإنها لا تقدم برهاناً على أصل مشترك للثقافتين. بعض تلك السمات المشتركة تتمثل في : عبادة الأبقار، واستخدام التنورات النسائية التى تصل إلى الركبة مع ثنيات واسعة، والشبه التشريحي، والتشابهات في أوضاع الدفن. وأشار أركل إلى التشابهات بين المجموعة الثالثة وثقافة خور ابوعنجة في امدرمان، على أساس الفخار الأسود المنقوش. فيما بعد أظر آركل العلاقة بين مصنوعات وادي هور الفخارية، في الصحراء الغربية، مع المصنوعات الفخارية النوبية. واكتشف شو بعض الرسوم الصخرية في وادي حسين؛ وأعطت المنطقة نفسها صور أبقار نقشت بخطوط عمودية في الجسم، شبيهة بتلك المصورة في الرسوم الصخرية وفي جدران الأواني الفخارية في النوبة السفلى. بالمثل هناك الكثير من التشابهات بين ثقافتي المجموعة الثالثة والمدافن البان، وقد تأصلت الأخيرة في الصحراء الشرقية. حاول آركل تفسير التشابهات بين تلك الثقافات بوصفها نتاجاً لسلسلة من الهجرات. وافترض آركل، منطلقاً من تكهن بأن أصل الثقافات النوبية الوسيطة يقع في مكان إلىالغرب من النيل، أن الجفاف المتزايد دفع بأولئك الناس إلى وادي النيل خلال المرحلة الانتقالية الأولى. لاحقاً ومع تزايد التصحر الذى أصاب المراعي القريبة من النهر، هاجر بعض رعاة المرحلة النوبية المتوسطة عبر وادي العلاقي إلى الصحراء الشرقية Trigger,1965.
لا توجد عناصر مؤكدة تسمح بتقييم مدى الموثوقية المطلقة لكل تلك الآراء. لكنني أعتقد أنه من المستحسن، وفقاً للبينة المتوفرة، التشديد علىنظرية الاستمرارية بين المرحلتين النوبية المبكرة والمتوسطة.
المصادر
مصادر المعلومات عن المجموعة الثالثة، كما هو حال التاريخ النوبي، يمكن تقسيمها إلى كتابية (مصرية) وآثارية (البحث الميداني). من بين النوعين فإن السجلات الكتابية ظلت متوفرة منذ مدة أطول. انها وثائق تشهد على ارسال الحملات. تركت تلك الحملات بصمات عبورها في الرسوم الصخرية، وفي وجود موضوعات، قيمة وثمينة قدمت مبادلة بمنتجات محلية، في المدافن، والمعابد، وفوق ذلك في بقايا مواقع الاقامة.
الوثائق يمكن أن تكون ملكية أو خاصة، لكن حتى الأخيرة تشير إلى حملات ينظمها القصر والتى، حتى وإن لم يكن لها هدف عسكري، لا بدَّ من تنظيمها بصورة جيدة ودعمها بقوات تؤمن سلامتها وسط شعوب غير معروفة Bongrani Fanfoni,1991
تبعاً للبحث الآثاري الذى أجرى في العقود الأخيرة، قسم المتخصصون الثقافة النوبية الوسطى إلى أربعة أطوار. الطور الأول، أو النوبى الأوسط 1، المطابق للملكة المصرية القديمة والمرحلة الانتقالية الأولى (حوالي 2626-2040 ق.م.). الطور الثاني، أو النوبي الأوسط 2، معاصر للملكة المصرية الوسطى (1040-1674 ق.م.). الطور الثالث يتطابق مع المرحلة الانتقالية الثانية (1674-1553). النوبي الأوسط 4 هو الثقافة التى ظلت باقية في عصر الدولة المصرية الحديثة (1552-1096 ق.م.)
النوبى الأوسط 1
من بين النصوص التاريخية فإن أقدمها يعرف باسم حجر باليرمو. تذكر هذه الحولية أنه خلال حكم سنفرو (2625 ق.م.)، أرسلت حملة إلى النوبة اشتبكت في معركة نتج عنها أسر 7.000 أسير و200.000 رأس ماشية. يمكن للمرء أن يجادل بأن النوبة السفلى كانت مأهولة بعدد كبير من السكان من الرعاة (ينتمون إلى المجموعة الثالثة). فوق ذلك، طالما أن سنفرو أمر ببناء مراكب، في عين المكان، يمكننا أن نستنتج بأن البيئة كانت ملائمة لنمو أشجار ضخمة.
يبدو أن خمسة نقوش عثرت عليها البعثة الأسبانية في منطقة خور العاقبة في عام 1964، على بعد كيلومترات قليلة إلى الجنوب من توماس لكن على الضفة الشرقية، تشير إلى أن حملة سنفرو كانت موجهة إلى النوبة السفلى. نقشان من تلك النقوش يتناولان الحملات المنظمة للبحث عن الحجارة الثمينة والمعادن، وسجل نقشان آخران الحملات العسكرية - "قدم حاكم ولاية سينوبولي خباوبيت بجيش مكون من 20.000 رجل لسحق الواوات". أرخ لوبيز النقش بنهاية الأسرة السادسة (2200 ق.م.). أثبتت دراسة أكثر حداثة أجراها هيلك Helck,1974، أن النقش مع آخر مثله وجد بالقرب منه، لا يمكن أن يكون أقدم من الأسرة الخامسة (2510-2460 ق.م.). يصل هيلك إلى هذا الاستنتاج على أساس أن اسم الشخص مميز للأسرة الثالثة وبداية الأسرة الرابعة (2625 ق.م.).
النقش التالي له يشير إلى أن المصريين لم يبحثوا فحسب عن المعادن في النوبة بل عن قوة عمل والتى، في تصور هيلك، يمكن استخدامها في رعي الأبقار، والتى نهبت في معظمها من النوبة نفسها - "حاكم القطاع الشمالي للولاية الغربية ساويب، أسر 17.000 نوبي". تشير الأعداد الهائلة من الأسرى النوبيين، التى يشهد عليها حجر باليرمو ووثائق خور العاقبة، والأعداد الكبيرة للقوات المصرية المشتركة في الحملات العسكريةإلى وجود أعداد كبيرة من السكان. فوق ذلك، لا بدَّ وأن يكون السكان قد تألفوا من رعاة طالما أن الغنائم التى استولت عليها الحملة تألفت في معظمها من أعداد هائلة من المواشي. يبدو أن العلاقات بين المصريين والنوبيين في هذه الفترة كانت عابرة وعدائية. على أية حال، خلال فترة الأسرة الخامسة أصبحت تلك العلاقات أكثر تواتراً و، كما تشير إليها روايات الأشخاص الذين اشتركوا، سلمياً بصورة أساسية، حتى أزمان مرنرع. ان الكشف عن بعض الأختام في مدافن المجموعة الثالثة ودرسها بيتري وأرخها (1925)، رغم أنها ليست بمصادر بالمعنى الكامل للكلمة، تستوجب الاشارة لها. تم تأريخها من الأسرة الرابعة حتى المملكة الوسطى.
من روايات الرحالة المصريين بدءاص من عهد بيبي الأول وما بعده، نعلم بأن السكان المستقرين في النوبة لا بدًّ وأن أعدادهم كانت كبيرة ومنظمين، إذ يتحدث أوني عن قبائل كان يحكمها أمراء (خيكاو). حكم أولئك الأمراء في مناطق من الواوات، وارتت، وساتيو، وكاو، ويام. كانت يام الأبعد جنوباً بالنسبة للحملات التى نظمها حكام أسوان، وكبار الموظفين الآخرين. جلبوا معهم من هناك الأبنوس، والزيوت، وجلود النمور، والعاج وأشياء أخرى مرغوبة لدى المصريين.
في عهد الأسرة الأخيرة للملكة القديمة بدأت حالة ضعف تصيب سلطة الفراعنة. نتج عن ذلك تحولات في العلاقات مع النوبة أيضاً. في الواقع فإن نقش سنفرو يتحدث عن 7.000 عبد و 200.000 رأس من المواشي جلبت من النوبة، في حين يتحدث نقش حرخوف عن مفاوضات متعثرة مع الحكام النوبيين. كان النوبة تمر بتطور تنظيمي- سياسي : سيطرت الواوات على ارتت وساتيو.
يحتمل أن يكون نهوض مملكة كرمة في سهل دنقلا قد أسهم في أزمة مصر في النوبة؛ وجهة نظر أوكونور O'Connor,1993 مثيرة ولافتة للانتباه. ففي رأيه أن مملكة يام القوية في إقليم بربر- شندي، وتوحيد ممالك الواوات وارتت وساتيو، نجم عنها نشؤ مملكة تمتد من النوبة السفلى حتى إقليم دنقلا. البحث الحديث الجاري في كرمة ينحى إلى دعم هذه الفرضية، لكن المزيد من البحث يظل أمراً ضرورياً لتأكيدها. خلال المملكة القديمة، حتى الأسرة الحادية عشرة، فإن وجود النوبيين في مصر أمر موثق جيداً. النوبيون، الذين تم استخدامهم جنوداً مرتزقة، سميوا، طبقاً للنصوص المصرية، بـ عاو؛ هكذا نرى عاو يام، بالتالي من النوبة العليا، وعاو الواوات والمدجاو، بالتالي من النوبة السفلى Bongrani Fanfoni in press. نجدهم في دهشور، مشتغلين ضمن قوة شرطة يحرسون هرم بيبي الأول. بعضهم كان جزءاً من نخبة تحت قيادة ضابط مصري. آخرون سميوا نحسيو حتب "النوبيون المقدمون" (أي الرهائن)، يبدو أنهم كانوا جزءاً من قوة شرطة أدنى مقاماً مسئولة عن جمع الضرائب.
على كل فإننا نمتلك وثيقة توضح كيف تم التعامل مع النوبيين بصورة عدائية من قبل المصريين. تلك الوثيقة هى ما يعرف باسم "نصوص اللعنات"، التى وجدت في جبانة الجيزة، ويرجع تاريخها إلى الأسرة السادسة. انها نصوص كورسيفية (كتابة متشابكة)، كتبت بالهيراطيقية على تماثيل صغيرة لأناس قيدت أيديهم خلف ظهورهم، أو على أواني فخارية هشمت عن قصد. تم العثور على 400 قطعة. من بين الناس المذكورين كانت غالبيتهم من النوبيين.
إلى جانب وجودهم في دهشور، فقد وجدت آثار لهم في مصر العليا، في الأماكن الآتية : محاجر حتنوب، بالقرب من هرموبوليس، وفي وادي الحمامات، ونقادة، ودندرا، والجبلين، وأسيوط، وتيبى. في بيئة مصر العليا يظهر أن الأجنبي الذى يأتي من الجنوب يجد ظروفاً تختلف، مساعدة أكثر مما هو عليه الوضع في دهشور. مثل تلك الظروف عملت لمصلحة امتصاصهم من قبل الثقافة المحلية. ما يثبت ذلك الأسماء المصرية التى تبنوها هم وأبناؤهم. في الوقت نفسه احتفظوا بروابط قوية بثقافتهم الأم. في هذا المحتوى لا بدَّ من ذكر المدافن البان التى وجدت في مصر، والتى سبق ذكرها. في تلك المدافن فإن وضع الجثمان، ونوع القرابين، والقرابين الحيوانية خارج القبر، كلها تشير إلى تناظر مع ثقافة المجموعة الثالثة.
خلال هذه الفترة عاش أهل المجموعة الثالثة في النوبة السفلى مع اقامات كبيرة في فرس، وعنيبة، ودكة. كما نرى من الاقامات، يبدو أن أهل المجموعة الثالثة كانو في البداية بدو. في سيالا في الواقع Bietak,1986 وجدت سقائف على سطوح الصخر، كانت مصنوعة من الحصائر أو جلد الحيوان. حفظت الأبقار في أطواق حجرية بيضاوية. كان المركب واسعاً بما يكفي لحفظ أعداد كبيرة من الحيوانات أثناء الليل. كانت فترة الاقامة هنا قصيرة. أوضحت البقايا العظمية أن الأغنام كانت قاعدة الاقتصاد. على أية حال، انحصرت التصاوير الفنية على مدى ما يقرب من الألف سنة في رسوم الأبقار كما ذكرنا قبل. إلى جانب ذلك فإنهم دفنوا نماذج من الأبقار وفي حالات ذبحوا الأبقار في جباناتهم.
يمكننا أن نستنتج بأن الأبقار متوفرة بما يكفي لتصديرها. في الحقيقة يعزز ذلك نقش حارخوف وبيبي ناخت، من ألفنتين، والذى يعلن بأن الزعيمين استوردا أبقاراً، وخرافاً، وغنماً. كانت ملابسهما أيضاً من الجلود - ويشير تحليل الشعر أن الجلود كانت في الأساس جلوداً للثيران.
نعلم أن السكان خطوا ملابسهم بطريقة بسيطة لكن، في الوقت نفسه، جيدة الصنع وغنية بالعناصر الزخرفية والألوان. استخدمو جلد الأغنام لصناعة الصنادل. أما بالنسبة للعادات الجنائزية، فقد وضع الجثمان على جانبه الأيمن في وضع أشبه بالمقرفص، مع اتجاه الرأس نحو الشرق.
تألف الفخار الذى عثر عليه في الجبانات في الأساس من أطباق ذات حواف فوقية سوداء شبيهة بأطباق المجموعة الأولى مع وجود فخار أسود محزز كتب له الاستمرار على امتداد هذه الثقافة. استخدم روث الحيوانات في عملية تجهيز الفخار. وجدت مرآيا في المدافن، رغم ندرتها. توجد الأختام، والقلادات من الفايانس، وحجارة أخرى بتواتر أكبر.
النوبي الأوسط 2
شيد المصريون سلاسل من التحصينات في منطقة الشلال الثاني. بنيت تلك التحصينات من ثلاث أجزاء رئيسة: قلعة محصنة، ومدينة إلى الأسفل من القلعة، وميناء وملحقات للقلعة.
تظهر نقوش امنمحت الأول، وسنوسرت الأول، والوزير أنتي فوكر، أن المصريين كانوا يواجهون عدواً قوياً، وفقط بفعل حملات عسكرية مكثفة، استمرت على مدى عشرين عاماً، تمكنوا من تثبيت سيطرتهم. في الحقيقة، تتمثل أكثر مصادر المعلومات قيمة التى نجدها في مؤسسات النوبة السفلى في هذه الفترة في النصوص المصرية، والمسلات الملكية الرسمية، والنقوش المنحوتة على الصخور، والصروح الجنائزية، والتماثيل والأرشيف. مصدر آخر لا يجوز اهماله يتمثل في الأختام. البينة التى توفرها تلك الوثائق تشير إلى أن السلطة مورست من قبل طبقة عسكرية، شغل أفرادها العديد من المناصب الإدارية. الألقاب ذات المضمون العسكري تتكرر 306 مرة، مقارنة بـ 266 مرة للألقاب الإدارية والشرفية، و19 مرة للألقاب الدينية، و24 مرة للقب سيدة المنزل Gratien,1995. بالتالي فإن تلك القلاع لم تك فقط أماكن لتجميع المواد الترفية والمواشي، ولا منشئات دفاعية فقط لصد الكوشيين، الذين أصبحوا منظمين أكثر فأكثر، ولا ضد غزوات البدو الذين قد يعيقون العمليات العسكرية المصرية في النوبة، لكنها فوق كل ذلك أقيمت للسيطرة على سكان محليين.
لا بدَّ وأن السكان النوبيين قد شكلوا خطراً حقيقياً للمصريين، كما تشهد عليه أيضاً نصوص اللعنات من تلك الفترة والتى عثر عليها في مرجسا.
كان الاحتلال المصري قسرياً. لقد اتضح، بفضل العمل الذى أجري في مرجسا وأسكوت، أن هنرت hnrt، أي العمل القسري، كان سائداً في النوبة خلال هذه الفترة. يحتمل أن يكون أولئك الذين اخضعوا للعمل القسري بهذه الطريقة، في الواقع، هم النوبيون. مع ذلك، ظلوا يحتفظون باستقلاليتهم رغم ذلك، واستمروا يصونون مجتمعهم القبلي المساواتي.
يبدو أنه في هذه الفترة شهد النمو السكاني زيادة كبيرة واستمرت عملية الاستقرار لأهل المجموعة الثالثة طيلة امتداد هذا الطور الثاني، حتى وإن لم تك تمثل فترة للازدهار الأقصى. العديد من مواقع اقامات المجموعة الثالثة لهذه الفترة تم الكشف عنها. تألفت المواقع من مساكن، شيدت جزئياً بجدران حجرية. وجد نوعان من المساكن : مبان دائرية أُحادية الغرفة، وتكتل غرف ذات ميل بسقف مدعوم بمركب أعمدة. وجدت داخل تلك المساكن مبان مستطيلة لحفظ الدواب وأعمدة أوتاد للحيوانات المنزلية.
القرى والجبانات التى وجدت في عنيبة، وفرس، ودكة، لا تبدو أنها كانت كبيرة. المباني الفوقية للمقابر كانت أعرض وأكثر انخفاضاً من ذي قبل. كانت حفر المقابر مستطيلة في العموم وفي حالات خططت وغطيت بألواح حجرية ضخمة. عادة ما يكون الجثمان مقرفصاً، على جانبه الأيمن، متجهاً نحو الشمال أو الغرب، وتتكئ الرأس عادة على وسادة من القش. نعلم من تلك المكتشفات الجنائزية عن ملابسهم؛ صنعت من جلد ينتج محلياً. لبس الرجال تنورة تصل إلى الركبة، وصندل، وغطاء رأس. بالنسبة للفخار، كان هو نفس فخار الطور السابق، لكن أضيفت جرار كروية حمراء إلى ذخيرة الأواني المحلية. دفنت مع المتوفي تماثيل طينية تمثل نساء ومواشي. شكل الرعي بصورة أساسية قاعدة الاقتصاد المعيشي لهذه الفترة. إلى جانب ذلك بدأ المصريون في التنقيب عن الذهب في وادي العلاقي ووادي قبقبة. كان الذهب النوبي عنصراً اقتصادياً هاماً لمصر. يصعب تصور أن يكونالنوبيون قد تقبلوا هذا الوضع. سجلت العديد من مناسيب النيل السنوية المرتفعة في الكثير من النقوش المنحوتة على ضفتي النيل فيما وراء شلال سمنة (الثاني). معظم تلك النقوش يرجع تاريخها لعهد أمنمحات الثالث، لكن هناكأخرى من عهدي أمنمحات الرابع والملكة سوبكنفرو، آخر حاكم في الأسرة الثانية عشر، وسخمري- خوتوي وشخمكاري، أول ملكين للأسرة الثالثة عشر (1790- 1785).
دمرت تلك المناسيب العالية للنيل المنشئات المصرية في النوبة. تتناقض تلك المعطيات مع بعض الرسائل المبعوثة من القلاع المصرية والتى تشهد على أنه بنهاية الأسرة الثانية عشر وقعت انتهاكات من جانب النوبيين في المنطقة التى يسيطر عليها المصريون. برر النوبيون تلك الانتهاكات بضرورة اقترابهم من النيل، واجبروا على ذلك بفعل الجفاف والمجاعة. يحتمل أن تكون مثل تلك الانتهاكات قد وقعت لكن لأسباب أخرى، طالما أن مستوي الفضانات العالية المبينة أعلاه لا تبرر في الحقيقة اقتراب النوبيين من النيل. يحتمل، بدلاً، أن هذا الانتهاك للمنطقة المصرية توافق مع ضعف السلطة المصرية في النوبة، نتيجة مشاكل في سياسة مصر الداخلية، بل أيضاً لقوة كوش المتنامية، والتى أخذت تدريجياً في غزو النوبة السفلى، لتبدأ فترة تعايش سلمية. احتل الكوشيون كل الواوات واستقروا في القلاع المصرية.
النوبي الأوسط 3
أجليت الحاميات المصرية من النوبة بنهاية الأسرة الثانية عشر. خلال فترة الأسرة الرابعة عشر استقر الهكسوس، وهم ملوك من أصل ىسيوي، في الدلتا. وكانو، مثلهم مثل التابعين لهم، يدفعون لملك كوش للمرور في النوبة، وهو ما يمكن استنتاجه من المكتشفات في جبانات النوبة السفلى. نعلم من أحدث نتائج أعمال التنقييب الجارية في كرمة أنه خلال المملكة الوسطى وجدت مؤسسات في كرمة وكانت هناك ادارة حكومية أشرفت على توزيع السلع في مجمل النوبة، حتى مع محدودية معرفتنا، لفهم طبيعة هذا التنظيم. وبما أن مواقع النوبة السفلى قد دمرتها مياه بحيرة ناصر إلى حد كبير، فإنه من الضروري تطوير بحثنا في مواقع النوبة العليا.
تاريخ النوبة السفلى خلال المرحلة الانتقالية الثانية غير واضح بصورة كاملة. في هذه الفترة تزايد عدد السكان بصورة ملحوظة - انعكس ذلك في توزيع الاقامات ليس فقط في المناطق الغنية لكن أيضاً في الفقيرة منها. أصبح المجتمع أكثر تعقيداً وتراتباً مما كان عليه سابقاً، مع وجود مدافن غنية على أطراف جبانات المجموعة الثالثة. بلغت بعض المدافن في عنيبة 16 متراً في الارتفاع. بنيت الغرفة الرئيسة عادة بقبو من الطوب غير المحروق، على الطراز المصري. ضمت المدافن الكبيرة الخاصة بالطبقة العليا مصلى من الطوب غير المحروق في الجانب الشمالي للبنية الفوقية، وهى عادة أدخلت عن طريق ثقافة كرمة. كذلك فإن وضع الجثمان مدفوناً على عنقريب، يشير بقوة إلى تأثير كرمة على النوبة السفلى. تأثيرات أخرى تأتي من ثقافة المدافن الدائرية Pan-Graves، كما يتضح ذلك في جماجم الثيران القرابين. الأسلحة غير مشهودة بكثرة، لكن توجد بعض الفؤوس البرنزية. إنها موجودة في المدافن السابقة.
بالنسبة للفخار، تستمر مصنوعات الطور السابق، لكنها تبدو أفقر في المدافن البسيطة. ادخال جديد تمثل في جرة مع أنماط هندسية محفورة، وجدت في الأساس في المدافن الغنية.
القرى في هذا الطور تحتوي على مركبات مساكن بجدران خارجية محيطة، في حين أنشئت قرى المجموعة الثالثة المحصنة في وادي السبوع على قمة تل محمي من الشرق بصخرة منحدرة باتجاه النهر، وفي الجانب الآخر، بسور شبه دائري شيد من كتل حجرية خشنة.
تمتع النوبيون بالتالي بازدهار خلال المرحلة الانتقالية الثانية. وزاد عدد سكان النوبة السفلى وازدهرت حركة التجارة مع مصر. ودخل النوبيون في حركة تجارية نشطة تبادلوا من خلالها السلع وتحصلوا على المكوس عن تجارة العبور. استمر هذا الوضع عندما كانت الواوات خاضعة لكوش. قوت عائدات التجارة وضعية الزعماء المحليين، واحتمالاً أيضاً رجال الأعمال، مما نتج عنه مجتمع محلي أشد تعقيداً عما كان عليه سابقاً. وساعد الازدهار المتزايد على تمصير المجموعة الثالثة. نعرف من النصوص أن كل فترة الاحتلال المصري في المملكة الحديثة تميزت بمحاولة الكوشيين لتنظيم أنفسهم وأن يوحدوا صفوفهم مع أهل النوبة السفلى والبجة ليقاوموا الاضطهاد والاستغلال.
رغم الاحتلال المصري، استمرت ثقافة المجموعة الثالثة بعد منتصف السرة الثامنة عشر. عبرت السلطة المصرية عن نفسها عن طريق إعادة بناء قلاع ومدن المملكة الوسطى، وكذلك بناء المعابد الكبيرة. أصبحت تلك المعابد- المدن مراكز للحكم، ولنشر الأيديولوجية الملكية المصرية والدعاية لها.
أصبح نائب الملك في كوش بديلاً لذات السلطة الفرعونية، ويتم تعيينه مباشرة من قبل الفرعون. رغم وجود المصريين في النوبة خلال المملكة الحديثة، فإنه لا يبدو وجوداً استعمارياً. فنائب الملك يجد مساعدة من رسميين نوبيين يسمون "ادينو idenw" يقوم بنفسه بتعينهم. نعلم عن ثلاثة "ادينو" للواوات وستة لكوش في عهد توت- غنخ- آمون. في هذهالفترة أرسل أعضاء أسر الأمراء القديمة إلى مصر لتلقي التعليم والعودة إلى موطنهم لشغلمناصب حكومية مهمة. الاحتلال المصري لم يجلب إلى النوبة سوى القليل من المهاجرين: كبار موظفي الخدمة المدنية والعسكريين والكهنة. لكن الاحتلال ترك التراتب الاجتماعي الأصلي دون مساس. تشير صروح أسر الأمراء المحليين في تيخيت في النوبة السفلى إلى أن مناطق المشيخات المحلية شكلت وحدات حكومية، وتم ضم الرعماء المحليين إلى الهيراركية المصرية. رغم تبعيتهم لنائب الملك، فإن الأمراء المحليين تبوءوا مواقع مو وفقاً لتقاليدهم الخاصة Török,1995.
نعلم أنه بالرغم من ان المعابد- المدن سيطرت كلياً تقريباً على الأرض والمنتوج الزراعي، فإنه لا يوجد شك في أن الأمراء المحليين كانوا ملاكاً للأرض، ويشير نص هبة بينوت إلى أن النخبة كانت لها ممتلكات خاصة إلى جانب ماتمتلكه بفضل المراكز التى تحتلها Morkot, 1995.
نشبت مجادلة حادة بشأن هذه المسألة إذ أن البينة الآثارية لهذه الفترة لا تتوافق مع السجلات المكتوبة. تحتوي جبانات هذه الفترة على مدافن تظهر مزجاً لثقافات المجموعة الثالثة والمقابر الدائرية وكرمة. مدافن أخرى كانت ذات تصميم مصري، بحفرة مستطيلة، محفورة في الصخر أو في التربة الغرينية. المدافن الأكثر ثراء لها غرفة تحت أرضية أو كوة جانبية لدفن الجثمان. وضع المتوفي على ظهره أكثر من الوضع على جانبه، وفي المدافن الأكثر ثراء يوضع الجثمان في تابوت خشبي. أطباق الأكل تم العثور عليها في المدافن بالاضافة إلى موضوعات الزينة وأدوات أخرى. ليس هناك اثر لطقوس دفن أو عقيدة دينية مصرية. غياب مسلات، وتماثيل جنائزية (شوابتي)، وتماثيل، وجعارين، وتخليد اسم المتوفي بأي شكل، كل ذلك يشير استمرارية المعتقدات المحلية.
الاعتقاد المصري في حياة ما بعد الممات تم تبنيه،فيما يبدو،من قبل أفراد النخب النوبية المتمصرة التى تلقت تعليماً مصرياً. يبدو أن معظم تلك المدافن تعود تاريخاً إلى الأسرة الثامنة عشر، في حين تميز النصف الثاني للملكة الحديثة بغياب الجبانات. هناك وجهة نظر ترى بأن انخفاضاً في أعداد السكان نتج عن ظروف مناخية. وجهة النظر هذه تنكر المعطيات النصية ورسوم المعابد والمدافن من المملكة الحديثة، التى تظهر وضعاً مغايراً. في كل قوائم الجزية النوبية من عصر المملكة الحديثة، بخاصة في حوليات تحتمس الثالث أو بردية هاريس، هناك وجود مشهود لكميات كبيرة من المواشي، والمنتجات الزراعية والأخشاب. فوق ذلك يشهد استيراد الأبنوس على منطقة تتميز بمناخ استوائي رطب. لدينا تأكيد آخر لهذا الوضع خلال العهد الطويل لرمسيس الثاني. وجود مناطق معتبرة مأهولة تشهد عليه قوائم المراكز الحضرية المسجلة في العديد من المعابد التى شيدها الملك في النوبة السفلى. فخامةتلك المعابد، بالتالي مجتمع كهنوتي منظم له صلاحيات ادارية ويقوم بجمع الجزية النوبية، يشير إلى أوضاع مناخية جيدة.
كيف يمكننا أن نفسر غياب معطيات آثارية؟ لا تفسر فرضية التمصير ندرة المعطيات الآثارية. لا يمكن قبول أي من المقترحات التى طرحت بصورة موثوقة. لكنني أعتقد أن واحدة من وجهات النظر المعقولة هى التى تقول بأن الاحتلال المصري قد أحال جزءاً من السكان النوبيين إلى العبودية، كما تؤكد عليه بعض النصوص. شكلت الضرائب عبئاً ثقيلاً على السكان ومثلت ضربة جدية للاقتصاد القبلي المحلي. بالتالي أضطر الناس إلى الهروب باتجاه الجنوب، حيث كانت االامبراطورية الكوشية حينها آخذة في الظهور. نوبيون عديدون آخرون تم استخدامهم عمالاً في مناجم الذهب، الذى تتطلب استغلاله عملاً هائلاً أودى بحياة الكثير من الناس. كما وأن الكثيرين استخدموا في رعاية قطعان المواشي في ممتلكات المعابد- المدن. آخرون من النوبيين تم استيعابهم في الجيش المصرى أثناء الحروب الآسيوية.
مع ذلك بقيت الثقافة المحلية حية بخاصة وسط الطبقات الفقيرة فالجبانات المتأخرة التىتم الكشف عنها ضمت مقابر بسيطة، بدون بنيات فوقية حجرية، وبمحتويات جنائزية فقيرة للغاية.
أما بالنسبة للنخب المحلية فإنهم اجتازواأزمة انهيار نظام نائب الملك وحافظوا على سلطاتهم. كذلك بقيت بعض الاقامات الحضرية المصرية.
كل تلك العناصر، إلى جانب تاريخ نائب الملك في النوبة بنياسي، الذى أنشأ دولة نوبية مستقلة، تعطي مزيداً من التأكيد على أن النوبة السفلى لم تهجر بفعل عوامل مناخية، لكنها ازدهرت ونما كدولة عازلة بالنسبة للإمبراطورية النوبية الجديدة الناشئة.
اللوحة الجدارية "الشبان الثلاثة في الفرن المتقد" من كثدرائية فرس- والتي توجد حالياً في مدخل الصالة المسيحية بمتحف السودان القومي للآثار بالخرطوم- تجذب اهتمام كل زائر. كثيراً ما توقفت للتأمل بإعجاب في حيوية ألوانها، بخاصة الأحمر، والقوام المهيب للملاك (حوالي 7 أقدام في الارتفاع)، والوقفة الهادئة للشبان الثلاثة والزخرف المتقن لثيابهم.
أحاول أن أجد إجابة عن سؤال عادة ما أطرحه على نفسي: ماذا يمكن أن يكون مصدر إلهام الفنان الملون؟ استشرت الكتاب المقدس لمراجعة إلى أي مدى تتوافق تفاصيل هذه اللوحة مع نص الكتاب المقدس (Dan. ch. 3).
الملك نبوخد نصر "أصدر أوامره لجعل الفرن سبع مرات أشد سخانة من العادة، وأمر الأقوياء من ذوي الإيمان الراسخ في جيشه بتقييد شادراخ، ومشاخ، وابدنجو ورميهم في الفرن المتقد الحارق. تمَّ تقييدهم وهم بكامل ملابسهم، وثيابهم، وسراويلهم وغطاءات رؤوسهم ورميوا في الفرن المتقد. كان أمر الملك عاجلاً وكانت حرارة الفرن من الشدة بحيث أن الرجال الذين حملوا شادراخ، ومشاخ، وابدنجو احترقوا حتى الممات باللهيب المنبعث من النار؛ سقط الرجال الثلاثة شادراخ، ومشاخ، وابدنجو، وهم لازالوا مقيدين، في الفرن المتقد. ومشوا في قلب اللهب يمجدون الله ويشكرون الرب" (3: 19- 23 النص الإنجليزي للكتاب المقدس القدسي).
يتبع ذلك نشيد أزاريا (= مشاخ) (3: 24- 45) ونشيد الشبان الثلاثة (46- 90) واللذين وجدا فقط في النص الإغريقي.
"نزل ملاك الرب في الفرن بالقرب من أزاريا ورفيقيه؛ دفع بلهيب النار إلى الخارج ونشر مروحة من فوقهم، في قلب الفرن، برودة مثل الريح جالبة الندى، بحيث أن النار لم تمسهم حتى أو تسبب لهم أي ألم أو خطر" (19- 50).
ثم وجدت الفقرة التالية في كلا النصين السبتواني والعبري (الأرامي). "قفز الملك نبوخد نصر واقفاً على رجليه في دهشة. قال لمستشاريه: أو لم نرمي أولئك الرجال الثلاثة مقيدين في النار؟.. أجابوا، بالتأكيد أيها الملك. لكنه استمر، أستطيع أن أرى أربعة رجال يمشون بحرية، في قلب النار بدون أن يلحق بهم أذى. ويبدو الرابع كابن للآلهة. اقترب نبوخد نصر من فم الفرن المتقد وصاح " شارداخ، مشاخ، ابدنجو خدم الإله الأعظم، اخرجوا، تعالوا إلى هنا" ومن قلب النار خرج شارداخ ومشاخ وابدنجو... لم تخلف النار أثراً في أجسادهم؛ لم تحترق شعرة واحدة من رؤوسهم، ثيابهم لم تشيط، ولم تفح رائحة حريق (24/ 91 - 27/ 94).
نشاهد في لوحة فرس الجدارية بقع خلفية ملتهبة تعلو أعلى من الملاك والرجال الثلاثة. يحتمل أن يكون الاستخدام السخي للأحمر قد كان أمراً متعمداً من قبل الفنان لترجمة الفقرة "الفرن جعل أشد حرارة سبع مرات من المعتاد" في ألوان.
تقف الشخصيات الأربع في وسط اللوحة. يقول الكتاب المقدس (أربع مرات): "في قلب النار". إنهم في وضع اورانس مع الأذرع مرفوعة، الوضع الطبيعي للصلاة. يقول الكتاب المقدس أنهم أنشدوا نشيداً لتمجيد الرب.
"رميوا بكامل ملابسهم". نرى في اللوحة ثلاثة رجال يرتدون ثياب متعددة: غطاء رأس، وسراويل، ورداء كهنوتي، وحزام، بناطلين وأحذية: عملياً كل الجسم مغطى باستثناء الوجه واليدين.
يذكر النص الأرامي الأصلي ثلاثة أنواع من الملابس، بخاصة ساربلي- بان، وفاتيشي- بان، وكاربيلات- بان، ومن ثم يضيف ولبوسي - بان (ملابسهم عموماً).
سمح المترجمون لأنفسهم بحرية في ترجمة تلك الكلمات الثلاث ذلك لعدم وجود فقرات مناظرة في الكتاب المقدس للمقارنة، وأيضاً لأن كل كلمة يمكن تطبيقها على عدة أثواب مختلفة بالتالي ليست محددة. استبدل المترجمون الإغريقي الكلمة (الأرامية) سارابلين بالكلمة سارابكرا. وكتب المترجمون اللاتين "برا-كا" سارابالا- احتمالاً لأنهم لم يمتلكو نظيراً لاتينياً دقيقاً للثوب الفارسي (سارابالين/سارابارا) (1).
لا شك أن الفنان - سواء قرأ النص العبري (وهو ما يبدو بعيد الاحتمال) أو الإغريقي (وهو أمر محتمل للغاية) عرف بالتأكيد أن الساربالين/ سارابارا كانت بمثابة نوع من البناطلين التي استخدمها البارثيون؛ بالتالي ألبس الثلاثة رجال الشبان طبقاً لذاك التقليد. وضع على رؤوسهم طاقية/عمامة لترجمة الإغريقية تيارا وفي القدمين وضع نوعاً من الأحذية تتطابق مع الإغريقية بيريكرتيمس (وهو نوع من الأحذية يرتفع حتى بطن الساق).
نزل الملاك إلى الفرن بالقرب من أزاريا. كان هذا هو الأول الذي أنشد للرب حين كان في النار. في اللوحة نراه يقف على اليد اليمنى للملاك وكتب اسمه أزاريا تحته.
الملاك "أبعد لهب النار إلى الخارج". في اللوحة نرى اللهيب الأحمر يرتفع عالياً في الخلفية، بعيداً عن الثلاثة رجال، منفصلين كما يمكن مشاهدته عندما تهب الريح على النار. الملاك "غطى كمروحة". لهذا السبب امتد جناحا الملاك من أقصى اللوحة إلى أقصاها وكأنما بهدف التعبير عن فعل "التغطية المروحية".
"لم تمسسهم النار". يحتمل أن يكون ذلك قد وضح في الوقفة الهادئة للشبان الثلاثة.
قال الملك وهو ينظر في الفرن: "أستطيع أن أرى أربعة رجال يمشون بحرية". الواقع، لا يمكن رؤية سلسل أو حبل في اللوحة. "ويبدو الرابع كابن للآلهة". رسم الفنان الملاك بقامة مهيبة، تقريباً ضعف حجم الرجال الثلاثة. ألبس الملاك رداءً طويلاً أبيضاً مزخرفاً بأشرطة عمودية كبيرة، وعباءة مزينة بخطوط مقلمة. البياض المدهش للملاك يتناقض مع لون الكائنات الإنسانية الثلاث(2).
"لم تحترق شعرة واحدة من رؤوسهم". الشعر الأسود للرجال الشباب الثلاثة صور وهو مرتب جيداً إلى يمين ويسار وجوههم. هل عُمل ذلك عن عمد للتعبير عما يقوله الكتاب؟ لا نرى تقصداً، لكن نأخذ في الحسبان ما هو مشاهد في اللوحة. "ثيابهم لم تشيط". في اللوحة فإن عباءات الثلاثة رجال مفتوحة من الأمام وتسمح لنا أيضاً برؤية الثياب الأخرى - رداء كهنوتي، وقميص، وحزام، وبناطلين - تحت العباءة، كلها مزخرفة بشكل شبكي مع لؤلؤ في وسط المعينات.
أعتقد أنه يمكنني الاستنتاج بأن الفنان الرئيس كان يعرف المخطوط وجعله مرتكزاً لرسمه متتبعاً عن قرب نص الكتاب المقدس. سواء اطلع على الكتاب المقدس بالإغريقية أو بأي لغة أخرى (احتمالاً بالنوبية) أمر لا معنى له هنا؛ المؤكد أن النص الذي اعتمد عليه كان هو النسخة الإغريقية للسبتواجنت.
(1) الكتاب المقدس الكاثوليكي باللغة العربية (القرن التاسع عشر) استخدم الكلمات : سراويل (بنطلونات) للـ ساربولين، القميصات (القمصان) للـ فالتشين وأردية للـ كاربلوت. تقريباً الشئ نفسه (باستثناء سراويل) يوجد في النسخة العربية التي وضعت لجمعية الكتاب المقدس في الوقت نفسه تقريباً.
(2) يقبض الملاك في يده اليمنى عصاة طويلة تنتهي بشكل صليب. يرمز ذلك إلى أن الانتصار على الشر تم عن طريق الصليب. لكن هذه النقطة غير ذات صلة بموضوعنا.
أحد ملوك السودان القديم النادرين الذين ذكرهم بالاسم المؤرخون الإغريق. ذكر الكاتب أجاثارخيد السندوسي، الذي كتب في القرن الثاني قبل الميلاد، بأن أركاماني، والذي أسماه "ارجمنيس"، عاصر ملك مصر بطليموس الثاني. يشرح أجاثارخيد بأنه وقبل أن يصبح أركاماني ملكاً، كان لكهنة آمون دوماً السلطة في إقصاء الملوك. كل ما عليهم أن يفعلوه هو بعث رسالة إلى الملك يأمرونه فيها بالانتحار. وكانت تلك الرسائل تكتب بحسبانها صادرة مباشرة عن الإله. تسلم ارجمنيس رسالة من تلك الرسائل، لكنه بدلاً عن الانتحار، زحف بجنوده إلى المعبد وقام بقتل الكهنة!
القصة غالباً ما تكون حقيقية، ذلك أن أركاماني كان أول ملك يشيد هرمه في مروي (البجراوية) لا في نبتة (أي نوري). العديد من التغيرات وقعت خلال فترة حكمه وبعده. على سبيل المثال، بدأ السودانيون في تطوير أساليبهم الفنية والمعمارية الخاصة والتي كانت تختلف عن الأساليب المصرية. واخترعوا الكتابة المرويَّة، والتي حلت محل المصرية في تلك الفترة. وأصبح الإله المروي الأسد أبادماك بقوة الإله المصري آمون. ويعتقد العلماء أنه كان مؤسساً لأسرة حاكمة جديدة. ويعتقد بأن حكمه كان بمثابة بداية للعصر المروي.
وفق رواية ديدور الصقلي كان ملك مملكة مروي أركاماني قد أعلن ثورة على الكهنة وقام بمهاجمة معبد آمون النبتي في جبل البركل حيث كانت تتم عملية تتويج ملوك السودان القديم (كوش)، وأعلن أركاماني الإله الأسد أبادماك إلهاً رسمياً لمملكة مروي. وكان أركاماني قد نال قدراً كبيراً من التعليم الإغريقي مما دفع ببعض الباحثين إلى القول بأنه سافر إلى مصر طلباً للعلم. لكن الحقائق المتوفرة تشير إلى ازدهار الصلات التجارية بين مملكة مروي وعالم البحر الأبيض المتوسط، وأن الكثيرين من التجار الإغريق والمصريين تواجدوا في أراضى المملكة، بالإضافة إلى المغامرين من الانتهازيين الإغريق الباحثين عن الشهرة، وكذلك العديد من العلماء والرحالة والكتاب الإغريق. فمن المعلوم، على سبيل المثال ، أن العالم الإغريقي سيمونيد كان قد عاش خمس سنوات كاملة في مروي ووضع كتاباً كاملاً عن كوش وثقافتها، وهو الكتاب الذي استفاد منه بليني واستخدمه مرجعاً له في تناوله لمملكة مروي. الأمر كذلك لا نعتقد بأن أركاماني كان بحاجة إلى الارتحال إلى مصر طلباً للعلم، بل الأغلب أن يكون قد نال معرفته باللغة والثقافة والفلسفة الإغريقية في مدينة مروي (البجراوية). على كل فإن ديدور الصقلي لم يذكر شيئاً بهذا الخصوص، ولو كان أركاماني قد تواجد في مصر لما تجاوز ديدور ذكر مثل تلك الواقعة.
عظمة أركاماني أنه كان الأول من بين ملوك العالم القديم عموماً والسودان القديم تحديداً الذي أعلن ثورة على الدولة الدينية ونادى بفصل الدين عن الدولة، وثبت واقع الفصل بين الممارستين الدينية والسياسية. ما كانت ثورته على الكهنة وتدمير معبد آمون النبتي، مركز سلطاتهم الفعلية، ثورة ضد الدين ديناً، لكنها كانت ثورة للقضاء على ادعاء الطبقة الكهنوتية احتكار السلطتين الدينية والدنيوية، واحتكار الحق في تعيين الملوك وإقصائهم عبر تقاليد الاغتيال الطقوسي للملوك وفق ما يدعونه من حق في تفسير الوحي الإلهي.
هكذا فإن أركاماني قام بعد القضاء على كهنة آمون النبتي بإصدار مرسوم يحظر ممارسة اغتيال الملك الطقوسي، وألغى دور الإله آمون، راعى هذا التقليد، كإله أساسي للمملكة، وأحل محله الإله الأسد أبادماك راعياً للدولة وسلطتها، معلناً بذلك عن رفضه مقولات عقل الرجعة لبقايا التركيب الاجتماعي العشائري البدائي الذي مثلَّ قاعدة للنفوذ الأيديولوجي والسياسي للطبقة الكهنوتية.
مات أركاماني ليجد جثمانه مثواه الأخير في هرمه الرائع (البجراوية رقم 7) والذي يعكس هو وأهرام خلفائه أديكالامانى (البجراوية رقم 9) والملكة شناكداخيتى (البجراوية رقم 11)، وباكرينسانا (البجراوية رقم 13)، وتانيدامانى (البجراوية رقم 20) مدى الازدهار الاقتصادي والتطور الفني والتقني الذي حققته مملكة مروي
مملكة كرمة :
تطور الدولة في كوش مسجل بصورة مؤكدة بنشوء مملكة كرمة. عادة ما تفترض الكتابات المتخصصة بأن الدولة الكوشية التى ازدهرت في المرحلة الانتقالية الثانية 1785-1552 ق.م. كانت ظاهرة تعكس قدراً من "الانتهازية" وجاء امتدادها إلى الأطراف الشمالية لكوش نتيجة الضعف الداخلي الذى أصاب مصر في تلك الفترة. كان هذا بالطبع افتراضاً عاماً بشأن كوش: أصبحت كوش قوية لأن مصر كانت ضعيفة. العكس تماماً قد يكون صحيحاً. قد يكون ظهور دولة قوية في كوش هو ما أدى إلى ضعف مصر الآن في حالة مملكة كرمة وكذلك الحال أيضاً في نهاية المملكة المصرية الحديثة. لا نود أن نسهب في الحديث عن كرمة وثقافتها ونحيل القارئ الذى يطمح للإلمام بالمزيد عنها إلى بحثنا المنشور في العدد الحادي عشر من مجلة اتحاد المؤرخين العرب المؤرخ العربي 1970 بعنوان "عودة إلى مسألة تاريخ السودان الحضاري في المرحلة الانتقالية الثانية".
حكم مملكة كرمة ملوك أقوياء تمترسوا فيما وراء الشلال الثالث لكنهم مددوا سيطرتهم إلى الأطراف الشمالية لكوش وقاموا باحتلال بعض حصون الشلال واستخدموها، كما زاولوا التجارة بعيدة المدى مع حكام الدلتا متجاوزين مصر العليا باللجوء إلى الطرق الصحراوية. ورغم أنهم كانوا ملوكاً لدولة حقيقية تمتد على مسافة 800 كيلومتر على وادى النيل وبلغ عدد سكانها المأتى ألف نسمة، فانه يبدو أنهم أبقوا البنية الاجتماعية على صورتها إمارات ومشيخات تابعة لهم، وقد بقيت تلك الإمارات والمشيخات كوحدات شبه سياسية حتى أزمان الاحتلال المصري في عصر المملكة الحديثة. وتظهر النقوش هؤلاء الحكام الكوشيين وهم يضعون التاج الأبيض (رمز مصر العليا) على روؤسهم، وهناك رسوم صخرية ومجموعة أختام تصور حكاماً كوشيين وعلى روؤسهم الريش يلبسون القراب الساتر للقضيب. بعد طرد الهكسوس من مصر تولى أحمس أمر العمليات العدوانية ضد مملكة كرمة، هكذا نقرأ في مآثر أحمس بن أبانا: "بعد أن أجهز جلالته على الـ"منتيو" في آسيا صعد جنوباً إلى خنت نفر 1977 Elnur لابادة حاملي السهام الكوشيين. وحدثت مذبحة كبرى. وغنمت رجلين وثلاث أيدي. وكوفئت مجدداً بأن وهبت ذهباً كما وضعت امرأتان في خدمتي كأمتين. عندئذ هبط جلالته شمالاً راضياً بما أحرزه من انتصارات فقد أخضع شعوب الشمال والجنوب". إلا أن هذه الحملة لم تكن حاسمة إذ أعقبتها ثورة حاكم كوشي باسم عاتا لكنها أخمدت حيث يذكر أحمس بن أبانا: "قدم عاتا من الجنوب فكان مقدراً له أن يُهزم فأمسك آلهة الصعيد بخناقه. والتقى به جلالته عند بلدة تنتاعا. وأسره جلالته. ووقعت جميع قواته بين يديَّ جلالته غنيمة حرب".
كوش والمملكة المصرية الحديثة
توفي أحمس تاركاً العرش لابنه أمنحوتب الأول الذى شن حملات مكثفة على كوش وهى حملات استمر في تنفيذها كل من تحتمس الأول وتحتمس الثاني، إلا أن القضاء على المقاومة الكوشية في منطقة كرمة اكتمل فقط في فترة الحكم المشترك لتحتمس الثالث وحتشبسوت وتم تأسيس السلطة المصرية حتى الشلال الرابع في العام الحادي والثلاثين من حكم تحتمس الثالث 1460 ق.م. ويبدو أن السيطرة المصرية على المنطقة تمَّ إنجازها أخيراً عبر تداخل عدة عناصر أهمها الفعل العسكري والتدخل السياسي. لقد أخذ تحتمس الثالث ابن ملك كرمة إلى مصر رهينة، والذي يحتمل أن يكون قد أعيد لاحقاً إلى كرمة ملكاً تابعاً لمصر. وفي حين أن ذلك لم يمنع ثورته فان استمرار مثل هذه السياسة والميزات الأكيدة التى قد تكون قدمتها للحكام الكوشيين، لا بدَّ أن تكون قد قادت في نهاية الأمر إلى تقبل المنطقة للسيادة المصرية. اللافت للانتباه هو تكرار حكام مصر المماليك في القرون الوسطى لذات السياسة التى استنها تحتمس الثالث وذلك في تعاملهم مع مملكة المقرة النوبية المسيحية كما سنبين لاحقاً.
ينتهي مدى السيطرة المصرية في كوش عند الشلال الثالث في حين تظل المنطقة بين الشلالين الثالث والرابع مُحيَّدة دولة حاجزة قدم المصريون لحكامها الدعم العسكري. الإشراف الشكلي المصري تم من خلال موظفين مصريين سموا بمراقبي البلاد الأجنبية الجنوبية يترأسهم نائب الملك (ابن الملك في كوش : سا- ن- سوت- ن- كاش) الذى يعين مباشرة من قبل الفرعون. ويقوم نائب الملك بدوره بتعيين نائب له في الواوات (الأطراف الشمالية لكوش) ونائب آخر لكوش ما وراء الشلال الثاني. ويتم اختيار النائبين من بين أفراد الأسر المحلية. هكذا فان السيطرة المصرية لم تجلب إلى كوش سوى أعداد محدودة من المصريين: كبار موظفي الخدمة المدنية والعسكرية والكهنة تاركة التراتب الاجتماعي الكوشي على حاله دون مساس بحيث بقيت السلطات الفعلية بأيدي الحكام الكوشيين المحليين والإداريين المحليين من أفراد النخبة الكوشية. ونعرف عن ثلاثة حكام محليين من الواوات وستة من الزعماء الكوشيين في فترة حكم الفرعون توت عنخ امون. وتشير آثار الأسرة المحلية الحاكمة في تح خت بالنوبة السفلى إلى أن المناطق الأصلية للمشيخات الكوشية قد تمَّ تضمينها في التنظيم التراتبى الإداري المصري. تبعية الأمراء الكوشيين لم تمنع استمرار توريث منصب الأمراء طبقا للتقاليد الكوشية المحلية.
ظلت سائدة وجهة نظر تقول بالتماثل الكلى للسكان الكوشيين إلى درجة التمصير التام. ويعتقد أيضا بأن التمصير، أي التثاقف بمعنى التمثل من جانب واحد...تكيف الكوشيين مع الثقافة المصرية، نتج عن ازدراء المصريين للتقاليد الكوشية والهُويَّة الاثنية. وجهة النظر البالية هذه المعبر عنها في بعض الكتابات تقوم على أساس تحليل غير سليم للمعطيات الآثارية ، فالثقافة المادية الكوشية في عصر المملكة المصرية الحديثة مضللة نوعاً ما ذلك أن تركيبها يعكس في المقام الأول التكامل الاقتصادي الكوشي المصري. قامت البنية الحكومية على أساس المدن المعابد، إلا أنَّ البنية الاجتماعية وإعادة التوزيع المحلية قامت على قاعدة البنية التحتية للإمارات والمشيخات القديمة. حتى بعد انهيار الاحتلال المصري في عهد رمسيس الحادي عشر وهجرة الموظفين المصريين الرسميين والكهنة لم تتأثر المدن المعابد ولم يهجرها سكانها. ففي حين تمت هجرة الأساسات الخاصة بالمملكة المصرية الحديثة في سيسبى وفي عمارة غرب وعكشة فان الجزء الأعظم من المدن المعابد لم تهجر من قبل سكانها الكوشيين وظلت باقية كمواقع سكنية عامرة. في عهد المملكة الحديثة تمت إعادة تنظيم الأطراف الشمالية لكوش الخاضعة لمصر اقتصاديا من خلال إنشاء المدن- المعابد. وقد يكون نوعاً من التبسيط، كما ألمحنا، الافتراض بأن تلك المراكز قد تم إفراغها من السكان بانتهاء المعبد كمركز إداري. انه في حالة انتقال الوظيفة الإدارية والدينية للموقع إلى مكان آخر فان توزيع الأراضي الزراعية في كوش لا بدَّ وانه تطلب انتشارا سكانياً على امتداد المناطق المزروعة. بالتالي فانه حتى عندما انتقل مركز العبادة على سبيل المثال من فرس إلى عكاشة فان الأرض لا بدَّ وقد أصبحت تابعة للعبادة الجديدة وأنها لازالت تحتاج لأن تفلح من قبل أناس يسكنون محلياً.
لدى مناقشة السنوات الأخيرة للمملكة الحديثة فإننا نجد أنفسنا في دروب شائكة. يبدو أن هناك نوع من المبالغة في وجهة النظر التقليدية حول التفكك المصري في عهد الرعامسة المتأخر كما تعبر عنه بعض الكتابات. فالإمبراطورية المصرية في غرب آسيا رغم عدد من الإخفاقات فإنها ظلت قائمة حتى عهد رمسيس السادس حيث يمكن ملاحظة تدمير عنيف للمراكز المصرية.يصعب تحديد الوضع في كوش في الفترة التى أعقبت انتهاء منصب نائب الملك، فالأدلة المتوفرة تشير إلى انخفاض منسوب النيل وهو ما يبدو سبباً كامناً وراء إفراغ الأطراف الشمالية لكوش من السكان بنهاية الأسرة الثامنة عشرة و ما بعدها.
حالياً فان فرضية التثاقف أصبحت مقبولة كتفسير لهذا الاختفاء للسكان المحليين من السجل الآثارى بدلاً عن التحدث عن التمصير الكامل. ففي الفترة المتأخرة لإدارة نائب الملك يمكن إرجاع تاريخ حاكمين كوشيين هما آرى و كتسن الذين قد يكون أحدهما استخدم كوة (على الضفة الشرقية للنيل بمواجهة دنقلا) عاصمة له. الدرجة الفعلية للتمصير يمكن الحكم عليها من خلال دراسة البقايا الجنائزية في الأطراف الشمالية لكوش التى حللها قبل فترة سودربيرج. أشار هذا العالم إلى أن محتويات المقابر اشتملت على مصنوعات مصرية أو مصنعة بأسلوب مصري في الوقت الذى لا توجد فيه آثار للطقوس الجنائزية المصرية إذ تتغيب كلياً المسلات والتماثيل الجنائزية والجعارين، كما يتغيب أي شكل من أشكال تخليد اسم المتوفي Säve-Söderbergh,1962. كل ذلك إنما يقف شاهداً على الاحتفاظ بمعتقدات محلية. ويبدو أن المفاهيم المصرية المرتبطة بالحياة الأخرى إن كان قد تمَّ تبنيها في كوش فإنما من قبل أعضاء النخبة من الذين نالوا تعليماً مصرياً.
تظل غير واضحة درجة العلاقة بين الكوشيين والآلهة المصرية التى أقيمت لها المعابد في كوش في عصر المملكة المصرية الحديثة. هنا قد يكون من المهم الإشارة إلى أنه قد وجدت في كرمة، بفترة سابقة للاحتلال المصري، معابد لآلهة محلية. ويبدو أن تلك المعابد كانت قد قامت بدور مركب في الدولة وفي الحياة الاقتصادية. أشارت أعمال التنقيب الجارية في كرمة في الآونة الأخيرة إلى وجود مفاهيم شمسية محلية مما قد يكون عملاً يسَّر عملية استيعاب المفاهيم الدينية الشمسية المصرية Bonnet,1995. من جانب ثان يمكن الافتراض بأن المعبودات الكوشية قد تمَّ استيعابها في المنظومة الدينية المصرية ومن ثم استمرار عبادتها بعد نهاية الاحتلال المصري بشكلها المتمصر.
خلافاً لوجهات النظر السابقة فان التحليلات الحديثة للمكتشفات الآثارية تشير إلى أن الاستعمار المصري في كوش قام على قاعدة المنفعة المتبادلة وأن كوش لم تتعرض لاستغلال يفوق ما تعرضت له أية منطقة في مصر نفسها. التدهور الملاحظ في السجل الآثارى في القرن الأخير للمملكة المصرية الحديثة لا يعكس أكثر من تدهور مصر نفسها. مع الضعف الذى أصاب السلطة الملكية والحكومة المركزية وأخيراً تقسيم مصر إلى أقاليم تعرضت الحياة في كوش بدورها إلى تأثيرات سلبية. أصبح منصب نائب الملك بحلول الأسرة العشرين متداخلاً ليس فقط مع الوظائف العسكرية العليا بل وأيضاً مع منصب الكاهن الأعظم لآمون في طيبة بالتالي كان لنائب الملك سلطات غير عادية. في السنة الثانية عشرة لحكم رمسيس الحادي عشر طلب من نائب الملك في كوش بانحسي أن يهدئ الأوضاع في طيبة بالاستعانة بالقوات التى تحت إمرته. تطورت الحملة إلى انتفاضة ضد الفرعون تمكن خلالها بانحسى من توحيد كوش مع مصر العليا تحت حكمه الشخصي، لكن فُرض على بانحسى التراجع إلى كوش في العام التاسع عشر لحكم رمسيس الحادي عشر الذى عين نائباً جديداً للملك، وقد تتبع هذا الأخير بانحسي حتى الأطراف الشمالية لكوش لكنه أخفق في القضاء عليه حيث ظل بانحسي سيداً هناك حتى وفاته.
يبدو أن الحاميات العسكرية في كوش كان قد تم إخلاؤها حين سار بانحسي إلى مصر العليا في العام الثاني عشر لحكم رمسيس الحادي عشر. احتمال أن يكون قد تم الاحتفاظ بالحكومة في الأطراف الشمالية لكوش إلا أنه ونتيجة للانتفاضة فقد انشطرت منطقة النيل الأوسط بكاملها عن مصر وفقدت موقعها في نظام إعادة التوزيع المصري. كانت النتائج بعيدة المدى حيث تم استعادة احتلال الأطراف الشمالية لكوش من قبل حكام طيبة بعد وفاة بانحسي وظلت تحت السيطرة المصرية حتى القرن الثامن ق.م. وتسببت الصراعات التى دارت في المنطقة في انخفاض درامي لعدد السكان وفي تقلص مواقع الإقامة إلى مجرد محطات عسكرية يقيم فيها مرتزقة محليون. هاجر الموظفون المصريون الرسميون والكهنة من كوش. على الأقل يمكن القول بأن هجرة المعابد المصرية لا بدَّ وأن تكون قد عرقلت إلى حد ما في البداية مجمل البنية الاقتصادية. النتيجة النهائية كانت حدوث إفقار لم يتم تجاوزه إلا في أعقاب ظهور وحدات سياسية أكبر مجدداً.
| التوقيع |
|
......زمن الوجع.... |
|
|
|