عرض مشاركة واحدة
قديم 26-02-2008, 16:27   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
بيدبا
عضو مشارك
 
الصورة الرمزية بيدبا
 

 

 
إحصائية العضو









بيدبا غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
بيدبا is on a distinguished road

 

 

دورته في شقــوق الطــين

السلام عليكم
أعود بحمد الله للمشاركة في هذا المنتدى الحبيب إلى النفس بعد انقطاعة دامت أشهراً طويلة.
في معيتي هذه المرة قصة قصيرة جميلة جداً عنوانها «دورته في شقوق الطين» لكاتب أريتري اسمه " عبد القادر حكيم". هذه القصة قابلتني في إحدى الصحف قبل عدة سنوات، ومن فرط إعجابي بها، لا أبالغ إن قلت أنني قرأتها ما يقارب العشرين مرة... وبنفس متعة القراءة الأولى.
على كل حال، أترك الحكم لكم، علماً بأن هنالك نسخة من القصة موجودة في المرفقات (كمستند ورد) لمن يريد تنزيلها في جهازه.

لكم تحياتي وودي.


دورته في شــقوق الطين
الإهــداء:
" إلى فاطــمة في احتشادها فيّ "

البنت التي هطلت بغتة، على مفازة وجوده/ العدم، كانت قادمة لتوها من كسلا، وكانت ما تزال تحمل من قيظ تلك المدينة الجميلة حرارة الإنتماء.
البنت الحلوة إذ تتماهى على شوارع قريته/ اليباب، كانت تربك تفاصيله الواهنة، وتُشتت تماسكه الخلبي، المخاتل، فيزدرد صمته في غباء، ويجثون على فوح طيفها في الظل يبكي.
بدت له دافئة، وناعمة.. الدفء يحتاجه كمضاد للرطوبة، والبلل، يتصاعدان اليه في صباحات قريته الباردة. النعومة يحتاجها كي تمحو عنه الصدأ يهاجم شبكية عينه، منطلقاً من سقوف المنازل، وأبواب الحوانيت المكدّسة بالكساد، وعربات النقل التي يستوعب على متنها الإنسان، وقمح الإغاثة، والماعز، والدجاج الأسود، وحاويات الكيروسين.
البنت الحلوة عرفته دونما عناء.. إذ كانت طريقته في المشي تشبه طريقتها في ارتداء ثوبها.
- فاطمة.
- عمّار.

لطّخت قامته المديدة بنظرة عتاب، إذ بدا لها متعجلاً.
- «الشقوق التي في طين ذاكرتي هي التي تدعوك، كي تلتئم بروحك الحلوة، وتصدح بالياسمين، والأطفال، وبالخضرة المطلقة».
- «شاعر؟»
- «كنت..»
- «الشاعر لا يموت فيه الإحساس»

الشخص الذي ككيس سماد في حديقة مهملة صار الآن- بعيد انبثاقها فيه، فاطمة- يؤول إلى شيء باهت، في مكان ما من ذاكرته، يتقاطع دبيب تيهه الغامق، مع مسارب الفرح في حضورها المزركش بالصفاء.. يهجر الظل، ولا يدخن بشراهة، يحلق ذقنه الكثة، يشذّب شاربه، يتأنق، ويكتب شعراً:
فاطمة
يا أنت
يا صنوبرة من نور
تبسمين
يخبو صهيل الهلام
وينفض عني الشتاء

يخرج للعالم/ لها.. مزهواً كطفل يلهو بلعبة من صنعه، يتحاشى المرور في الشوارع المضاءة بالنيون، كي لا تصيب دهشة الناس إيقاع خطواته الراقصة بالنشاز.. يصفــر، يرتل لحناً حميماً:
أنا إدريس ود أمير
كنايتي عوضه

جاءه أولاً عطرها، فاح فيه. ثم كأنما خرجت من الهواء، أو انقشعت عنها سحابة، رآها قالب قبلتين من خطوته التي زادها الفوح اتساقاً.
- «خشيت أن تمل انتظاري»
- «ما أحلى انتظارك»

عبرا دائرة الضوء التي كانت تتحاف في حميمية مع الظلام الخفيف خارج القرية. كان هو يعبث بمفاتيح غرفته، وهي تطقطق أصابعها.. وعلى دفء صخرة، مستوية كسرير، جلسا، واتحدت عناصرها تماما.

لما رأته ذات طنين، في سوق القرية، حاملاً على ظهره حقيبة كبيرة، إندلق توجسها فاقعاً.
- «هل تنوي السفر بعيداً»
- «بعيداً.. بعيداً » قال..

قفز على وجهها امتعاض كثيف، ولوّنه بلوعة داكنة.. قال، ولم تترنح كلماته تلقاء عينيها، إذ رأى فيهما يقيناً راسخاً:
«بعيداً.. بعيداً. بعيداً.. مطيتي عيناك، وصوتك الفيروزي زادي وغايتي دواخلك، ألجها فتهدني بالرنين، والأماني الحاشدة. وفضائي الأماكن كلها، حتى تلك التي تشتكي زنابيرها من قلة الطين».
إبتسمت، وعاد يقينها أكثر رسوخاً.
برشاقة، أنكرها الشخص السماوي، تناول حقيبته من على ظهره، وأخرج كراسة شعره.. احتضنت شعره، مضت، ولم تقل وداعاً.

عبد القادر حكيم

اريتريا – حلحل
الثلث الثاني من ديسمبر 1999
الملفات المرفقة
نوع الملف: doc دورته في شـقوق الطين.doc‏ (36.5 كيلوبايت, المشاهدات 6)
بيدبا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس