لا نعاني في هذا العصر من قلة التدين، ولكن من عبث تطبيقه، حيث يعتقد الناس أن
اللحية والحجاب وأداء الصلوات هي كل العبادات، وأن معاملة الناس ومراعاتهم هي
آخر ما يلفت الانتباه. وصار المجتمع مريضا تظهر عليه علامات الوعي وهو غارق في
التزييف ومشاكل اجتماعية لا حصر لها.
فلا يكفي أن يكون أفراد المجتمع ملتزمين بالمظاهر والشعائر الدينية، ولكن الأهم أن
يتحول ذلك إلى سلوك اجتماعي في معاملاتهم، لأن غياب هذا الفهم هو سبب ما نراه
في مجتمعاتنا اليوم من انتشار لمظاهر وشعائر التدين، وزيادة أعداد المصلين والصائمين
والمعتمرين والحجاج مع غياب ملموس لأثر قيم التدين الحقيقية في سلوكيات الناس وتعاملاتهم.
وهذه شكوى عامة يضج بها الجميع بسبب عدم إدراك أن الذنب الاجتماعي أخطر من الذنب
التعبدي، فنحن لا نتحمس للمعاملات على مستوى فعلنا للعبادات رغم أن الأمر يصل إلى
حد ذنوب العبادات.
ويطلق العلماء على هذه الذنوب أنها "ذنوب في حق الله"، يكفي فيها الاستغفار والندم
على ما فات، والعزم على عدم العودة للذنب. بينما لا تغفر "ذنوب المعاملات" التي ترتكب
في حق العباد إلا بهذه الثلاث، إضافة إلى شرط إعادة الحق لصاحبه أو استئذانه وطلب
الصفح منه في الدنيا، وإلا انتقلت الدعوى إلى يوم القيامة، ليحصل صاحب الحق على
حقه حسنات من المذنب، فإذا فنيت حسناته ألقي عليه من ذنوبه.
نماذج لا حصر لها
والأمثلة على هذه الشهادات كثيرة: سؤال عن أخلاق شاب يتقدم لخطبة فتاة،
شهادة طبيب يكتبها لطالب من أن أجل أن يؤجل امتحانه أو ينتقل من جامعة لجامعة،
تحرير ضابط للمخالفات المرورية لسيارات لم يرها ويرفعها عن سيارات أخرى رآها،
لأنها لأقارب أصحاب النفوذ، هو لا يقيم العدل ولا يشهد شهادة الحق. أو موظف في
إحدى المصالح الحكومية أو غيرها ممن تتعلق بهم مصالح الناس وهو يسيء معاملتهم
ويرفع صوته عليهم، ولا يستطيع أحد أن يتفاهم معه، معطلا مصالح البشر، فإذا ما جاء
وقت الصلاة قام واقفا بين يدي الله!!.
وقد يكون هذا الطبيب أو الضابط ممن يعتمرون كل عام، ويقفون الساعات الطوال في
صلاة التراويح، ويصومون الإثنين والخميس من كل أسبوع، ويرون أنفسهم من الملتزمين،
ولا يرون أي علاقة بين ما يفعلونه في عملهم وما يقومون به على سجادة الصلاة.
هذه المقابلة الواضحة بين الأمرين لم يغفلها الرسول الكريم، فقد أخبروا
الرسول صلى الله عليه وسلم بالمرأة التي تقوم الليل وتؤذي جيرانها فرد بإجابة واضحة
وحاسمة: "هي في النار"، ولم يقل لقد حبط عملها، فإن لم تمنع الصلاة والقيام صاحبها
عن إيذاء الخلق فلن تنفعه صلاته ولا قيامه ولا صيامه، ومن لم يدع قول الزور والعمل به
فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه.
ويوضح الدعاء بالرحمة لمن كان سمحا إذا باع واشترى، كيف أن السماحة الغائبة في
تعاملاتنا تجعلنا أبعد ما نكون عن التدين الحقيقي. وتصل غياب السماحة ذروتها حتى
في ساحة الحرم، فيدل تزاحم المسلمين حول الحجر الأسود وسلوكياتهم عند رمي
الجمرات على الغياب الكامل لهذه الصلة الطبيعية بين العبادة والمعاملة،
والتي شرعت من أجلها.
والغش السائد الذي لا يجعلك تطمئن لسلعة تشتريها، أو عمل يقوم به حرفي على
أي مستوى من المستويات بدءا من إصلاح صنبور المياه وانتهاء بإصلاح سيارتك. رغم
إطلاق الرسول صلى الله عليه وسلك للصيحة المدوية: "من غشنا فليس منا"، وقال
أيضا: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه"!.
وقد يكون من غشك في إصلاح سيارتك مؤذن المسجد أو إمامه!، فهذا عمله الذي
يتكسب منه بأي شكل. وهذه الصلاة التي هي حق الله يؤديها. وتكون حجته
حاضرة إذا ما وجهته بزيفه: "فهذه نقرة وهذه نقرة!".
أعمال بلا بركة
هذا الفهم العجيب الذي أفسد حياتنا وشوه ديننا، جعل كل مظاهر التدين (الخادعة)
عاجزة عن إحداث التغيير المطلوب، لأنها وقفت عند الأشكال والطقوس ولم تصل إلى
المضمون. فكانت الكعبة تزدحم في ليلة السابع والعشرين من رمضان بأكثر من مليوني
مسلم، ومئات الملايين أمثالهم امتلأت بهم مساجد المسلمين في مشارق الأرض
ومغاربها. ولكن لو أحدث فيهم ختام القرآن وصلاة التراويح التغير المطلوب لتغيرت حياة
المسلمين وواقعهم ولتبدل الحال.
يبدو أن أزمة صلاح المظهر دون المخبر، ترجع لعدم فهم الآية الكريمة: )
إِن اللهَ لاَ يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ( (الأنفال:53). فهلا أطلقنا حملة
نتخلص فيها من جرائمنا الاجتماعية، نعلم الناس من خلالها أن المسلم الحق هم
من صدق قوله عمله بلا انفصام.
منقول ...