|
مشاركة: حبّوبة أُمّاً كبرى .. عمقاً معرفي و نطقاً بالحكمة
فراحوا يغيرون طبائعهم ويتنصلون عن أهليهم وطبقاتهم . فهي كانت تسخر منهم وتقول ( كله زائل ) ولا تبقى إلا الذكرى والكلمة الطيبة ، وكما يقولون ( لو دامت لغيرك لما آلت إليك ). ولكن ماذا نحن فاعلون بمثل ذلك الإنسان البائس الذي يتمرغ في جهل الظاهر المخادع. وصحيح ما كانت ترمز إليه بأن الذي تغيّره الثروة ما هو الآّ الجاهل الذي يترائى له إنه قد إمتلك شيئاً من خلال إمتلاكه لحفنةٍ بائسةٍ من المال ، ولكن في آخر المطاف تظهر له الحقيقة التي يرفض أن يقبلها وهو إنه سيترك كل شيءٍ خلفه ويرحل عارياً كما أتى عارياً ، هذه بعينها جنونية اللحظة الوجودية البائسة لكل بني البشر. كلهم واهمون، كلهم غارقون في هامش الوجود ماعدا قلة قليلة تسعى لتأسيس ثروة غير منتهية وهي ثروة لايقبض عليها أحد. أتعرفون ما هي ؟ هي ثروة مقاربة الحقيقة، ثروة المعرفة التي تجعلك أكثر تهذيباً وليس أكثر غروراً. لأنك إن كنت من أهل التهذيب فلقد قاربت الحقيقة، وإن قاربت الغرور فأنت من أهل الخديعة التي تشكل لك أشياء ليست هي بل كما يقولون ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ).
وها هنا أتذكر حكمة رائعة أنتجتها قبائل الهنود الحمر وتقول ( لماذا أيها الإنسان تتعب ظهرك بحمل الكثير من الثروات والهموم، فأنت مغادرٌ لهذه الدنيا بعد حين تاركاً كل شيءٍ ورائك ). تلك هي فلسفتهم الوجودية مماثلة تماماً لما كانت تصرّح به حبوبتي في خطابها اليومي، والغريب والمدهش حقاً هو إن جدلية الفكر والسلوك لديها مماثلة تماماً لمنطق الهنود الحمر في التفكير والممارسه. فهم ليسوا ببدائيين كما يزعم إنسان العصر الحاضر، بل هو البدائي بمعنى إنه رهين الظاهر الفاني وليس الباطن الباقي. منطقها رائع وحكمتها ثاقبة. كم أنا قزمٌ تحت سلطان معرفتك وجاهِك.
الصلابة والمثابرة كانت من بين الصفات التي تضفي على جمالها جمالاً يجعلها تفوق الشمس إشراقاً وتوهجاً وهذا بأي حالٍ من الاحوال ليس بمبالغة ولكن فعلها في دواخلنا أكثر من تأثير الشمس الطبيعية. ولكن غاية الجمال الغير محدود أي الجمال الذي تتحرق إليه الذات البشرية توقاً وإشتعالاً يتمثل في عطائها الذي يفوق عطاء النيل هبةً ومنحاً للحياة. كيف لا وهي إبنة النيل العظيم واهب الحياة، نعم كيف لا وهي إبنة أقدم الحضارات على وجه هذه الأرض. كُنا نرى الشموخ والكبرياء متجسداً فيها، بل هي العزة والقناعة ذاتها فلقد كانت مكتفية بمخزونها المعرفي الذي كانت تستشف منه إضفاء محيطها جمالاً وإشراقاً إنهال علينا منذ أن وجدنا أنفسنا نحبو تحت ملكوتها وما أروعه من ملكوت وجبروت.
فلسفة عطائها كانت تمارسها كالآتي هي أن تفكر بغيرها قبل أن تفكر بنفسها. فلقد كانت تلك الخصلة نتيجة لمعرفة عميقة ببواطن منطق الأشياء كما أسلفت الذكر. فلقد كانت إذا علِمت بأن بعض الأموال ستصلها من هذا الحفيد أو ذاك، تفكر مباشرةً بأن تعطي الآخرين، (هذا سأعطيه كذا، وذاك سأعطيه كذا) أي تقسم المبلغ مباشرةً مع الآخرين وذلك هو قمة العطاء والتهذيب الوجودي. كانت تحب الآخر أكثر من ذاتها... وفي ذلك عمق فلسفي شفاف التأثير أرى فيه عشق وحب للوجود بصورة تفوق كل أوصاف العشق التي يمكن أن نجدها في الف ليلة وليلة. آهٍ كم أنت رائعة وخالدة يا حبوبتي العظيمة ... كم أشتاق لرائحتك التي تفوق العنبر والمسك عبقاً ونفاذاً.... وأعتقد جازماً بأن محمود درويش الرائع ذاك، عندما كتب قصيدته ( فكِّر بغيرك ) قد كان يقتبسكِ مثالاً يُحتذى به. فلنرى ما قاله في ديوانه ( كزهرِ اللوز أو أبعد ):-
وأنت تُعِدُّ فطورك، فكّر بغيركَ
( لاتَنسَ قُوتَ الحمام )
ويقول أيضاً :-
وانتَ تَعودُ إلى البيت، بيتِك، فكِّر بغيركَ
( لاتنس شعب الخِيام )
ويختم قصيدته ب :-
وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك
( قُل : ليتني شمعةٌ في الظلام )
كانت حبوبتي تقول إن المال مال الله ونحن وكلاء عليه فأعطه لمن يستحقه، أو كانت تقول إن مراكمة المال تجلب النحس والبلاء. كم تعلمت منك الكثير، تهذيب نفسي هو من مدرستك، ترقية سلوكي هو من تعاليمك، حبي للكل هو من فيض حبك، فأنت ساكنةً لذاتي وأنا إمتدادٌ لإشراقك المتمثل في وجودنا كُلنا.
وبينما انا مغمض العينين أبحث وانقب في مخيلتي وذاكرتي. فإذا بها تحل عليّ مرةً أُخرى بهيئتها المعتادة مرتدية ثوب ( الفردة ) الذى كانت تغزله أختها ست البنات. عندها دخلت معها في حديثٍ شيقٍ. إذ قلت لها : أعذريني لأنني لم أكن حاضراً ساعة رحيلك. فقالت : أنا لم أرحل!! وإن كان رحيلي نوعي أي على مستوى الجسد الفاني، فأنا باقيه فيك، أو ليس أنت إمتدادٌ منّي؟؟ أنا باقية حتى في نصّك هذا...
قلت لها : حدثيني عن العالم الآخر أي عالم الأموات. قالت : لن أفعل ذلك، وأضافت قائلة ( أتعرف لماذا رمى الشيخ الجنيد الحلاج بوردةٍ حمراء عندما همّوا برجمه، وتلك قد الّمت الحلاج أكثر من الحجارة التي رجم بها،، لأنه كان عاشق).
وعندما سئل الشيخ الجنيد عن سبب تأييده لحكم إعدام الحلاج فلقد قال :
( إنه خائن فقد أفشى السر )، واضافت: وانا لا أريد إفشاء السر..
وحينما جاءت ساعة الفراق قلت لها : باركيني ببعض الكلمات من حكمتك، فنظرت إليّ نظره عميقة مشحونة بكمٍ هائل من الحب والعاطفة ، ومحمّلة بالقول والمعاني المُرسلة من ذهنها إلى ذهني مباشرة دون وسيط لُغوِي – ذلك الوسيط المبرهن على حالة العجز البشري – عندها أحسست بأنني نقيٌ تماما ودواخلي شفافة، بلا قلق أو توتر. إحساس لم أعهده من قبل فسألتها : ماهذه الأحاسيس التي ألمّت بي .
قالت : هذه حالة أن تكون جزءاً من المعرفة دون وسيط، أو جزءاً من الحقيقة، عندها ستكون أكثر تهذيباً وأرقى أخلاقاً وستتعاطى مع كل وجودك بكل الحب والعطاء، مما يجعلك تعيش في عمق الحقيقة ، وتلك هي مرحلة النقاء والتجلّي للحقيقة في ذاتك. وإسترسلت قائلة : فأما عن إبنك فإنه ينتمي لعالم الحقيقة، وأنا معه في كل اللحظات، لا تقلق بشأنه، إنه أكثرنا حكمة ، إذ إنه لم يتلوث بزيف الحياة الفانية دار الخديعة.
كانت تريد أن تواصل القول ولكن بدأت مترددة قليلاً ثم بعدها قالت :
لا أريد أن أثقلك بالوصايا ولكن لا بأس من القليل :
أولاً حرر نفسك من عبء وزيف الواقع، وشروط الراهن أي لا تتمسك ولا تراهن على هذه الحياة لانها نزهة قصيرة، فطالما أنت موجود بها هذّب نفسك بالمعرفة الباقية وليست الثروة الزائلة، كما رقّي سلوكك بالعطاء والحب. ثانياً : أبحث عن الحكمة وأسعى للحصول عليها، فهي التي ستنفعك وتجعلك تقارب الحقيقة وتباعد الخديعة.
عندها فتحت عينيّ فلم أجدها أمامي ولكن كل كلماتها كانت تدور في ذهني، وأعتقد إنني تعلمت شيئاً إضافياً جديداً هو كيفية التواصل مع عالم الأرواح، العالم الآخر عالم الحقيقة، وذلك بأن أصغى ,أسترق السمع لكي استمع لهمسهم عبر الأثير. لقد رحلوا ولكنهم باقون فينا للأبد.............
إهداء لكل ذريتها وأحفادها .
إهداء خاص للأخوين : عادل عثمان / عوض عثمان
أمستردام
27- 05 - 2007
الساعة الثالثة صباحاً
محمد عثمان عوض
|