عرض مشاركة واحدة
قديم 18-08-2007, 20:55   رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو
Garcia
عضو متواصل
 
إحصائية العضو








Garcia غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
Garcia is on a distinguished road

 

 

مشاركة: حبّوبة أُمّاً كبرى .. عمقاً معرفي و نطقاً بالحكمة

من تلك الأزمنة والتواريخ السحيقة الكامنة في الذاكرة، إلى تواريخنا القريبة المشتركة بينها وبيني . أحبذ أن أطلق مفردة الذكريات على تلك التواريخ المتقاطعة بيننا، وتحبيذي هذا أؤسسه من منطلق اعتقادي الراسخ بأن الذكريات هي أجمل وأعظم وأغنى زاد يحمله الإنسان معه في ترحاله منذ ولادته مروراً بكل فترات حياته ثم أخيراً في مرحلة الانتقال إلى العالم الوجودي الآخر، الذي هو عالم الموت. وكم أتمنى أن أتمكن فقط من حمل زاد الذكريات ـ التي هي بمثابة الذاكرة الحية أو النابضة ـ معي إلى ذلك المستوى الوجودي الآخر بسرمد يته ودهشته كفكره وحقيقة.


نشأت في ذلك البيت الرائع والذي مازلت أنا مسكوناً به حتى هذه اللحظة، بالذاكرة تعلق كل تفاصيل ذلك البيت وملامحه وحتى أصغر تفصيله فيه. أمد رمان ـ ودنوباوى جنوب ـ زقاق التعريفة ( هكذا كان يسمى شارع بيتنا في تواريخٍ سابقه لطفولتنا ) ، في ذلك العنوان وجد البيت مكانه، كانت مساحته شا سعة ولكن به تلك الغرف الشاهقة الارتفاع والديوان الضخم ببر ندته الممتدة . غرفة حبوبتى كانت أيضا بتلك الضخامة وألإرتفاع وكان هنالك مخزناً ملحقاً بها، كان يسمى ذلك المخزن ( القاطوع ) مصدر ودلالة التسمية أجهلها بكل تواضع. طبيعة البنيان العالي كانت ميزة بالنسبة للبيت فيما يختص بالتهوية الجيدة مما يعطى الإحساس بلطف الجو، حتى هذه اللحظة تأتيني تلك الروائح المميزة للبيت وخاصة غرفة حبوبتى بما بها من روائح توابل قديمه وكذلك العطور البلدية والبخور والشمع الأصفر وزيت السمسم و(الكر كار ) كل هذه التشكيلة كانت تنتج نكهة خاصة هي نكهة ورائحة غرفة حبوبتى التي توحي بعراقةٍ ما وبغموضٍ ما يحيل إلى حيث التواريخ الماضية والتي كانت دائماً متمسكةً بها والتي كانت تتم استعادتها بين ألفينه والأخرى.


فمثلاً عند وفاة أحد ما تمارس النساء عادة الصراخ والبكاء بشكل هستيري وكذلك زر الرماد والتراب على الرأس والجسد ، هذه الحالة الدرامية كانت تمارس في كل مناطق الحضارات الزراعية القديمة عند النوبيين والمصريين والكنعانيين وحضارات وادي الرافدين كلها وكذلك عند الفينيقيين. وحتى هذا اليوم يمكننا أن نلاحظ ممارسة تلك العادات في تلك المجتمعات . وسبب ممارسة الطقس ذلك تتلخص في النحيب على مقتل الإله أوزيريس على يد أخيه الإله سيت والذي صار رمزاً للشر وسمى بالشيطان في الديانات الحديثة اللاحقة، تقول ألإسطوره أيضاً إن ألإلآهه إيزيس هي التي جمّعت أشلاء الإله القتيل وأعادته للحياة وتلك ألإسطوره تعبر عن جدلية الخصب أي خصب الطبيعة والتي يحتفل بها في مطلع الربيع ، وجدب الطبيعة المتمثل في انحسار منسوب النيل وشح الغلال . فطقس النحيب الدرامي هذا يمارس حتى هذا اليوم وفى تلك الممارسة استعاده لتلك الأساطير القديمة التي تسكن الذاكرة الجمعية لسكان هذه المنطقة أو تلك. كذلك عند الختان يلبس الطفل الهلال والذي هو رمز للإله بعل إله الخصوبة الكنعاني والذي له مماثل في الأساطير النوبية أيضا عند الزواج يتم ارتداء الهلال رمزاً للخصوبة ورغبة في الذرية، وكذلك تتم زيارة النيل رمز الخصوبة والعطاء. وكذلك طقوس الأربعين بعد الموت كلها طقوس قديمه يعاد إنتاجها يومياً دون معرفة المصادر وهذا يدل على وحدة التواريخ وإنسان تلك الأرض الذي تنتمي له حبوبتى وترفض الفكاك من الانتماء له، بل كرّست لخلق لُحمه متينة بين الماضي والحاضر والمستقبل ودليلي على ذلك هو سعينا الحثيث لإعادة اكتشاف الذات بغرض إغناء المعرفة الذاتية وليس بقصد تأليه المواضي بل قراءتها قراءه موضوعيه ناقده ننتقد اوجه القصور بها ونستثمر الإيجابيات بصرفها حتى تسهل عملية فهم الواقع، وكل ذلك نرمى من وراءه التأسيس لراهن وجودي زاخر بالحب والجمال والروعه لسوانا ولنا بنفس القدر.


كان في البيت شجرتان (شجرة نيم والأخرى تمر هندي) الا خيره هذه كثيراً ما أكلنا ثمارها أما الأولى فلقد أعطتنا الظل فقط، وبأي حال فلقد لهونا كثيراً حولهما. باب البيت كان من خشب السنط والآخر كان حديدياً، ما زلت أذكر مرابط الخيل والحمير وكذلك سروج تلك البهائم، الأباريق،( السحارة) وهى صندوق خشبي لحفظ الأغراض المختلفة،( قِرب) الماء وعاء جلدي يحفظ فيه الماء، السيوف، الدروع وكذلك كماً آخر من الأدوات التي أجهل استخداماتها. بالتأكيد تغيرت تلك اللوحة فيما بعد ولكن اللوحة الأصلية هي التي تسكنني وتعترف بها ذاكرتي لجمالها وأصالتها ورمزيتها .


ألأمكنه والأشياء، ألأزمنه والأحداث الممتدة منذ بواكير طفولتي تجتاح الذاكرة بين ألفينه والأخرى، مولدةً كماً هائلاً من الأشواق والحنين وحالات الوجد لتلك الفضاء آت والعوالم التي يمكنني أن أطلق عليها بكل تواضع صفة الفردوس المفقود. كل تلك الانفعالات المخصبة للمخيلة كان من أجمل وأهم عناصرها هو وجود حبوبتى . أن تمتلك حبوبه في هذه الدنيا فلاشك أنت غنىٌ جداً ، بل لديك كماً هائلاً من الأساطير والعوالم والصور والحكايات القديمة وكذلك مخزون رمزي غنى بالمعاني الغير مستنفذة إطلاقا ، كل هذه المراكمه أحدثها وجود الحبوبه في حياتنا، فلقد كان وجودها إغناءً لوجودنا.

يتبع---->
Garcia غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس