عرض مشاركة واحدة
قديم 19-07-2007, 00:16   رقم المشاركة : 9 (permalink)
معلومات العضو
هشام عوض
إداري
 
الصورة الرمزية هشام عوض
 

 

 
الجدارة: وسام الجدارة - سبب اصدار الوسام: الجدارة 
عدد الأوسمة: 1
إحصائية العضو









هشام عوض غير متواجد حالياً

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 251
هشام عوض is a jewel in the roughهشام عوض is a jewel in the roughهشام عوض is a jewel in the rough

 

 

مشاركة: شخابيط على جدار الذكرى ..!!!

خالتي مهلة كيف الحال ..!!
الحمد لله ..!!
..الوالده أصبحت كيف ..!!
..والله أهو تعافر ..الروح تطلع وتنزل ..مرات بعد ما تتشهد تصحى وتفتح عيونا ..أقول أحمدك يا الله أها أمي اتعافت ..وقبل ما أكمل حمدي تتاوق يمين وشمال وتسألني أبوك وين يا بتي..!!
..استغفر الله العظيم ..!!
..ولا حول ولا قوة إلا بالله ..جنس محن ..!!
..الله يديها العافية ..!!
.. وهنا تظهر لينا صورة العافية ( ست اللبن ) .. لم يبلغ طولها طول ( ركبة ) خالتي مهلة ..وكانت تثير في كل من يراها مكامن الضحك وهي تتنقل بين البيوت أو تحت ظل شجرة النيم وهي تحمل في يدها (رطل ) اللبن الذي يبين في يدها ومقارنةً بطولها وكأنه ( تٌمنة ) .. وكثيراً ما مزاحها الأطفال الصغار وهي تخلع نعليها لأجل الوضوء فيتسابقون لقياس حذائها ..
.. مركوب ( العافية ) قدري ..
..كدي ..كدي .. والله كراعها قدر كراعي ..!!
.. والله ما قدر يخش في كراعي .. هكذا تصرخ إحدى البنات وهي تترنح ضحكاً ..!!
ومن بعيد تسمع أصوات الأمهات والخالات ..
..يا أولاد ما تبطلوا مسخرة ..
.. هسي البتسووا فيهو مع خالتكم العافية دي بتسووهو مع أمهاتكم ..ولا أخواتكم الكبار في البيت ..
.. والله قلة أدب فايته حدها ..
حتى تلك الأصوات كانت تخرج من الأمهات لينةً رطبة تبللها ابتسامات وضحكات مكبوتة ..وربما تعليقات على شاكلة ..
.. النبي فيك شفتي مركوبا في محاسن بت بتي أبى يخش ..
وربما كانت مثل هذه التعليقات وتلك الابتسامات اللينة كانت سبباً في تمادي الأطفال في لعبهم بأغراض العافية ست اللبن ( الوحيدة في عمرها التي لم تكرم بلقب الحاجة أو الخالة من الأطفال ) ..!!
..الله يقومها بالسلامة ..
.. عليكم الله أدعوا ليها معاكم ..في صلاتكم ؟؟
هكذا حملتنا خالتي مهلة عبء الدعوة لأمها التي ظلت طريحة السرير الأبيض منذ أكثر من شهر .. وكانت آراء كل القادمين من المستشفى تؤكد أن موتها مسالة وقت ليس إلا ....وبرغم اختلاف الصيغة إلا أنها جميعاً كانت تعقبها كلمات الاستغفار ..والتوبة ..:
.. أم خالتي ( مهلة ) جابت لندن ..!!
.. الزولة سلمت أوراقها ..بس منتظرين التوقيع ..!!
..الحجة دخلت خط ستة ..!!
و أكثر من أشهرَ خط ستة هو الكابتن نصر الدين عباس (جكسا ) الذي لم يكن يذكر خط ستة إلا و يقرن معه..للدلالة على قصر فساتين النساء في زمن من الأزمان .. كما أرتبط جكسا بحلاوة المولد حينما أوقف سلسلة المتواليات الثمانية التي انتصر فيها المريخ على الهلال ..!!
ولم تكن خالتي مهلة أكثر حظاً من حاجة العافية من حيث تقدير أهل الحي لها خاصةً وأن الغموض يكتنف كل حياتها فهي تقطن لوحدها في بيت ( حدادي مدادي ) .. وحتى أمها التي يهددها الموت بين لحظة وأخرى لم تظهر في الصورة إلا بعد أن أعياها المرض ولم تجد غير ابنتها لتلجأ إليها .. !!
هذا الغموض حجب عنها آداب الاحترام ( إلا من أسرتنا التي أسبغ عليها كل أفرادها لقب خالتي ) ..وأشاع حولها الأساطير ....
...الليلة مهلة سكرااااانه ..!!
.. الجردل الفي يدها ده مليان فل مريسة ..!!
.. اليومين دي صاحبت ليها واحد طوالي داقش باب بيتها بالعجلة وخاشي توووش ..
ومن عجائب القدر في السودان وجود أمثال خالتي مهلة.. فهي عاطلة عن العمل ..وليس لها مصدر دخل .. ولكنها تعيش معنا كل تفاصيل دنيانا الدقيقة .. وتشارك الجميع مناسباتهم الاجتماعية في حدود ..أداء الواجب .. هادية الطباع .. تمر بنا دون أن يكون لمشيتها أي أثر .. لا تتحدث إلا مع نفسها ..كثيراً ما كنا نراها ترفع رأسها من على جدار منزلها لتنظر للشارع وكأنها ترغب في التأكد من أنها لازالت حية .. ولم تكن طلتها تلك بدافع الفضول أو التأثر بما يجري في الشارع ..لأنها لا تعتبر نفسها جزءاً من الشارع ومكوناته .. عندما ضاق بها الحال قامت باستئجار الغرفة الناصية في منزلها لـ ( سيد العجلة ) وهو أكثر غموضاً من خالتي مهلة ..
.. لدرجة أن أهل الحي لم تكن لديهم معلومة عنه وعن صلته بها بل وحتى اللحظة لا يدري أحد ما اسمه ..!!!
اشتهر منزل خالتي مهلة بأنه كان مستودع كراتنا الطائشة فأي كرة تتجاوز سورها وتستقر بفناء المنزل تدخل سجل المفقودات بغير رجعة .. ولو كان نيوتن من ضمن المتابعين لنا لجعل من حادثة وقوع الكرة هناك مثالاً لقانونه المشهور ففعل ( صوت الكرة ) في حوش خالتي مهلة يقابله رد فعلها (الاستنكاري ) وهي تصيح ( يا أولاد الحرام ) ..بنفس القوة .. ويظهر تضاد الاتجاه في هروبنا للجهة المخالفة لمصدر الصوت .. وقد استغلينا فترة مرض أمها خير استغلال حيث كان ( الشفوت ) منا يقفزون السور وبسرعة البرق يجمعون ما يصادفونه من كرات .. ولأنني كنت أمكرهم وأشهرهم في عمل المقالب ..اذكر أنني خدعت احدهم وأخبرته أن الخالة ذهبت للمستشفى وأن( الحوش ) به أكثر من كرة وأغريته ( لو مشيت وجبت 3كور أنا لي واحده وإنت ليك اثنين ..أنا ح أرفعك.. .. وح أصفر ليك لو ظهر أي شيئ )
وفعلاً صعد ( المسكين ) و(تاوق ) ولقى ليهو كم كورة كده واوضة الخالة كانت مقفولة ..وزولنا ( إطاااامن ) و (تُلبت ) نطه وبكل ثقة ..وهنا .. جريت نحو شباك أوضة الخالة وقذفته بطوبة كنت أخبيها في جيب البنطلون و ( طااااااخ ) ضربت الشباك ..وخالتك بين الخلعة والسكرة (فت ) نطت وفتحت الباب ..ووقفت في نص الحوش ..وصرخت ( يا أولاااد الكل... ) لم تكمل سبها لأنها بهتت بوجود ( حسونه ) ود فطومة في حوش بيتها .. سرى الغضب مع الدم في عروقها وبانت عليها ملامح ثورة لم نشاهدها ولكن حسن فيما بعد قص لنا ما رآه ..جاتني منكووشه وعيونها حُمممممممر .. حافية .. وفستانها فوق للركبة ..والمحفظة الحمراء بتلعب بين كرعينها .. وتكورك والتمباك يتطاير من خشمها زي الكتاحة ..تسمر ( حسونه ) في مكانه .. بلع كل شقاوته وصوته .. تصبب عرقاً تسبب في بلل القميص ..وبولاً أغرق به ما دونه ..كاد أن يفقد وعيه .. وربما فقده للحظات ..أنقذه القدر في اللحظات الأخيرة حينما ( انزلقت كراعها في موية البلاعة المكسورة في نص الحوش ) حينها استغل حسونه الموقف وبدت له ( الحيطة ) أقصر من (حبة البسكويت ) تجاوزها وجمعنا ..( وشتت ) تسبقه زفراته وصوته الذي عاد قوياً حينما بلغ عتبة بيتهم ...!!!
هذا الصوت الجهور الذي صدر من ناحية بيت خالتي مهلة في ذلك المساء الممطر الذي يستعد فيه الجميع لمشاهدة نهائيات كأس العالم بين الأرجنتين وألمانيا .. كان إيذانا بانطفاء شمعة حياة خالتي مهلة ..التي لقيت ربها وهي تمارض أمها فجأةً وبلا مقدمات .. ماتت وقد تركت وراءها سيرتها الغامضة ..وبيتها ( المسكون ) بالرعب في حياتها وبعد مماتها ..فكم هرع الأطفال إلى بيوتهم مسرعين وهم يقسمون بأنهم شاهدوها وهي تراقبهم من فوق سور بيتها ..بل هناك من أقسم بأنها نادته .. وكم نمنا في أحضان خوفنا طوال أيام ( الفراش ) ..خاصة اليوم الثالث الذي توقعنا فيه مرورها على بيوتنا ( بيت بيت ) لمعاقبة كل الذين تعاقبوا على القفز إلى بيتها ..ماتت خالتي مهلة و لحقت بها أمها بعد ستة أشهر و هي طريحة نفس الفراش الذي كانت تشاركها فيه خالتي مهلة ..ماتت الحاجة أم مهلة وهي لا تزال تسأل عن زوجها ..!!!

التوقيع



**
الشهداء أكرم منا جميعاً ..!!!

هشام عوض غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس